الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : نساء مخيفات

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها

بقلم : حسين سالم عبشل - اليمن
للتواصل : [email protected]

ميلدريد جيلارز خائنة باعت بلادها من أجل الشهرة و المال
ميلدريد جيلارز خائنة باعت بلادها من أجل الشهرة و المال

 
في إحدى الأمسيات جلس الحبيبان لتناول الطعام على ضوء الشموع في جو رومنسي لا ينقصه إلا أنغام الموسيقى ، تنبهت الفتاة لذلك و قامت لتفتح المذياع الذي صدحت أنغامه ذات الألحان الأمريكية ، و فجأة توقفت الموسيقى لبث بيان هام " تعلن وزارة الخارجية الأمريكية لمواطنينا الأعزاء عن ضرورة مغادرتكم الأراضي الألمانية بأقصى سرعة للحفاظ على سلامتكم في ظل تواصل العمليات العسكرية هناك ، دمتم سالمين" .

شعرت ميلدريد بالقلق و قررت العودة إلى الوطن.
- عزيزي ، أود زيارة والدتي في أمريكا ريثما تهدأ الأمور ؟.

أجابها بامتعاض و قد تغيرت ملامح وجهه : نحن نمر بظروف صعبة و بلادنا تخوض الحرب على عدة جبهات و أنتِ تفكرين بزيارة والدتك الأن ؟.

- و لكن يا عزيزي أنا لم أرزها منذ...

- لن أمنعك من الذهاب ، و لكن اعتبري أن علاقتنا قد انتهت .

أجابته بضحكة صفراء : كنت أمزح يا عزيزي ، أنا لن أتركك أبداً في مثل هذه الظروف الصعبة .

أمسك بيدها و قال : و أنا لن أتخلى عنك يا عزيزتي و سوف نتزوج بعد انتصار الرايخ (1) بهذه الحرب.

كانت ميلدريد تعلم جيداً أن حبيبها بول كارسون نازي متطرف و أنه مستعد للتخلي عن حبه لها في سبيل ولائه للرايخ ، و لكن لم يكن بيدها حيلة فقد أسرها حبه .

لم يمضي وقت طويل على  لقائهما حتى أعلن هتلر الحرب على الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941 م و اشتعلت نيران الحرب في الجبهة الشرقية و تم تجنيد مئات الألاف من الجنود في سبيل نجاح عملية بارباروسا ، و كان كارسون من بين المتطوعين للقتال ، رغم توسلات ميلدريد له بعدم الذهاب .

و لم يمضي وقت طويل حتى جاءها نعيه بعد فترة قصيرة حاله كحال الألاف الجنود الذين وقعوا بين قتلى و أسرى في تلك المعركة الخاسرة ، شعرت ميلدريد بالحقد الشديد على دول الحلفاء (2) و اعتبرت أنهم السبب في فقدان حبيبها و قررت أن تكرس جهدها للانتقام منهم من خلال عملها بالإذاعة النازية .
 
من هي ميلدريد جيلارز و كيف حققت انتقامها ؟ 
 
وُلدت ميلدريد إليزابيث سيك في 29 نوفمبر عام 1900 م في مدينة بورتلاند بولاية مين الأمريكية ، و قد لاحظت السيدة ماري هيوستن أن طفلتها لديها موهبة العزف على البيانو و حاولت تنمية موهبتها رغم انفصالها عن زوجها ، و في عام 1911م حصلت ميلدريد على لقب جيلارز بعد أن تزوجت والدتها من طبيب الأسنان روبرت بروس جيلارز ، و عاشت العائلة حياة سعيدة في مدينة بلفيو بولاية أوهايو حتى بلغت ميلدريد عامها  16 و قررت أن تعيش حياة مستقلة و تحقق حلمها بأن تصبح ممثلة مسرح مشهورة ،

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
صورة لميلدريد في فترة شبابها 


و في سبيل ذلك التحقت بجامعة أوهايو ويسليان لدراسة الفنون المسرحية ، و لكنها سرعان ما تركت الدراسة لعدم تمكنها من توفير نفقات الدراسة ، لذلك قررت ميلدريد البحث عن عمل و تنقلت بين نيويورك و باريس و عملت كنادلة و محاسبة و لعبت أدوار بسيطة على المسرح ، و في عام 1934 م حطت ميلدريد رحالها أخيراً في ألمانيا لتتعلم الموسيقى في  مدينة دريسدن ثم انتقلت إلى العاصمة برلين ، و هناك وجدت وظيفة في مدرسة بيرلتز للغات كمعلمة لغة إنجليزية براتب ضئيل ، فاللغة الإنجليزية لم تكن مرغوبة بقدر اللغة الروسية ، في ذلك الوقت تعرفت ميلدريد على الشاب بول كارسون و عاشا في شقة واحدة .
 
تورطها في المشروع النازي
 
في عام 1940 م حصلت ميلدريد على وظيفة في هيئة الإذاعة الألمانية ، حيث كانت تقدم برنامج منوعات بعيداً عن السياسة و أجواء الحرب ، فهي فتاة تعشق الفن و المسرح و تنبذ العنف ، و في عام 1941 م تعرضت ميلدريد لصدمة نفسية شديدة هزت كيانها ، بعد مقتل حبيبها في الحرب ، و قد عزمت على الانتقام له.

و قد استغل مديرها في الإذاعة حقدها و رغبتها في الانتقام لصالح مشروعه النازي ، قضت ميلدريد عدة أشهر غارقة في أحزانها ، و في أحد الأيام تم استدعائها إلى مكتب مدير الإذاعة ، و هناك التقت ميلدريد بالسيد ماكس أوتو كويشويتز مدير قسم الشؤون الأمريكية في الإذاعة الألمانية ، و قد عرض عليها العمل في قسم البرامج السياسية وأغراءها بمضاعفة راتبها ، وافقت ميلدريد على عرضه طمعاً بالمال و الشهرة التي لطالما سعت إليها و فشلت في بلغوها.

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
عملت ميلدريد في الاذاعة النازية و قدمت العديد من البرامج السياسية 

قامت ميلدريد بتقديم عدد من البرامج السياسية ، و من أشهرها برنامج home sweet home ، العودة إلى الوطن الحبيب ، كان البرنامج عبارة عن أغاني و الحان أمريكية ، تتخللها فقرات حوارية تتحدث فيها مليدريد - بصوتها المغري كما وصفه الجنود - عن الحنين إلى الوطن و فقدان الأحباب ، في البداية لقي البرنامج رواجاً كبيراً بين جنود التحالف ، حيث كان البث الإذاعي يصل  إلى أمريكا و أوروبا و شمال أفريقيا عبر الموجات القصيرة ، و لكن ما لبثت ميلدريد أن دست السم في العسل و بإيعاز من كويشويتز.

حيث بدأت بتحريض الجنود على ترك الجبهات و العودة إلى الوطن و عدم القتل في معركة خاسرة ضد الرايخ ، و أن قادتهم يعيشون حياة الترف و البذخ تاركين إياهم في الخنادق العفنة و مستنقع الحرب ، بل وصل  الأمر إلى تحذيرها للجنود من خيانة زوجاتهم و حبيباتهم أثناء غيابهم عن منازلهم لأشهر طويلة في جبهات القتال ، كان ذلك جزءاً من البروباجاندا (3) الدعاية النازية في حربها الإعلامية ضد قوات الحلفاء.

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
لعبت ميلدريد على مشاعر الجنود
و فقدانهم لاحبائهم في الحرب 

كان الجنود يطلقون عليها لقب سالي المحور ، نسبة إلى دول المحور المتحالفة مع النازية ، بل و وصفوها بأبشع الألقاب ، تعرضت ميلدريد لنكسة كبيرة في عملها عندما شنت اليابان هجومها الساحق على السفن الحربية الأمريكية الراسية في ميناء بيرل هاربر الواقع في جزر هاواي في 7 ديسمبر عام 1941 م مما دفع الولايات المتحدة لدخول الحرب ضد دول المحور انتقاماً من ذلك الهجوم ، شعرت ميلدريد بالحرج من ذلك الهجوم و انتقدت اليابان في برنامجها الإذاعي على الهواء مباشرةً مما تسبب لها بالكثير من المشاكل مع السلطات النازية حيث تم إيقافها عن العمل و أُحيلت إلى التحقيق ، و هنا ظهر كويشويتز كفارس الأحلام الذي ينقذ البطلة ، حيث استطاع تخليصها من تلك الورطة من خلال علاقاته الواسعة بالقيادة النازية ، و في المقابل طلب منها أداء القسم النازي و إعلان الولاء للفهورار (4).

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
كان الجنود يستمعون اليها عبر الاذاعة و يشتمونها 

ارتبطت ميلدريد بعلاقة غرامية مع مديرها الذي وعدها بالزواج منها حالما  تنتهي الحرب ، و مع اشتداد المعارك قررت ميلدريد الخروج من غرفة الإذاعة إلى ساحات المعارك ، حيث انتقلت مع عشيقها كويشويتز إلى مدينتي باريس و شارتر الفرنسية و زارت معتقلات النازية حيث أجرت عدة لقاءت مع الأسرى الأمريكان و البريطانيين الذين وثقوا بها و أعطوها رسائل ليطمئنوا أهلهم و أحبائهم عليهم ، بعد أن أقنعتهم  أنها من الصليب الأحمر و أنها جاءت لمساعدتهم ، و لكنها في الحقيقة غدرت بهم ، فقد أرسلت تلك الرسائل و التسجيلات الصوتية إلى كويشويتز الذي قام بتغيير الحقائق و أنتج حلقات إذاعية مفبركة يتحدث فيها الأسرى بأسمائهم و أرقامهم العسكرية معبرين عن شوقهم لأحبائهم و أنهم نادمون أشد الندم على مشاركتهم في الحرب بعد أن خذلتهم قيادتهم ، و ينصحون رفاقهم بترك الخنادق و العودة إلى الوطن .

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
 صورة ماكس أوتو كويشويتز
مدير الاذاعة النازية و عشيق ميلدريد


و في 11 مايو 1944 م و بينما كانت قوات الحلفاء تخطط و تعد لإنزال النورماندي (5) ، قامت ميلدريد بتقديم مسرحية رؤية الغزو vision of invasion عبر الإذاعة ، و هي مسرحية من تأليف  كويشويتز ، و قد أدت ميلدريد دور إيفلين ، تلك الأم الأمريكية التي فقدت أبنها الجندي المتهور الذي ذهب لقتال القوات النازية ، و لكنه لقي حتفه عندما غرقت سفينته بالقنال الإنجليزي ، حيث يعود الفتى إلى أمه على شكل شبح يزورها في المنام ليحيل أحلامها إلى كوابيس ، و يحكي لها عن ما لقيه من ويلات الحرب و أنه نادم على ذلك ، ترافق البث مع مؤثرات صوتية لأصوات القذائف و أزيز الرصاص و صرخات الجنود المذعورين ، و بالرغم من نجاح المسرحية إلا أن قوات الحلفاء عبرت شواطئ النورمندي فجر يوم الثلاثاء 6 يونيو 1944 م و بدأ العد التنازلي لانهيار قوات النازية و سقوط الرايخ،

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
تمكنت قوات الحلفاء من السيطرة على شاطئ النورمندي 

وهذا شكّل صدمة لكويشويتز الذي أنهكه مرض السل و ضعف القلب و تعرض لوعكة صحية نُقل على إثرها إلى احدى المستشفيات و أُعلن عن وفاته في 31 أغسطس ، حضرت ميلدريد جنازته و اكتشفت أنه متزوج و أنه كان يخدعها ، و لكنها ظلت وفية لذكراه و احتفظت بصورته في مكتبها و استمرت بعملها في الإذاعة رغم تدهور العمل في الإذاعة بعد وفاة المدير و العقل المبدع ، حيث صارت الإذاعة تبث برامج و تقارير مكررة خالية من المضمون ، و في 6 مايو عام 1945 م قدمت ميلدريد أخر بث إذاعي لها حيث شتمت الجميع متوعدة إياهم بالهزيمة ، ثم حملت صورة عشيقها كويشويتز و غادرت المكان بسرعة بعد سماعها أخبار تتحدث عن تقدم القوات السوفيتية نحو العاصمة برلين ،

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
صورة لجندي سوفيتي يرفع علم بلاده وسط برلين 


كانت هذه أول مرة تطأ قدماها الشارع منذ وفاة كويشويتز ، فقد اتخذت من مقر عملها مسكناً لها ،  في الطريق إلى منزلها رأت ميلدريد المنازل و قد صارت ركاماً  و الشوارع خالية من الحياة ، و من النوافذ تحدق أعين اعتراها الخوف من ما هو قادم ، و رأت شبان صغار ينتمون إلى شبيبة هتلر و هم  يحملون السلاح  استعداداً للدفاع عن العاصمة بعد أن زج بهم الرايخ إلى جحيم الحرب كأخر ورقة لتأخير سقوط العاصمة ، و من منزلها سمعت بخبر استسلام ألمانيا غير المشروط في 8 مايو عام 1945 م ، لقد ضاقت عليها الأرض بجوانبها فليس لها مكان تذهب إليه ، و ظلت تهيم على وجهها في الشوارع تستجدي لقمة تسكت بها جوعها.
 
اعتقال ميلدريد

بعد أن وضعت الحرب أوزارها و انتصار دول الحلفاء ، سادت موجه من الكراهية و الانتقام ضد الخونة و العملاء النازيين بين أوساط شعوب الدول المحررة من قضبة النازية ، و تعرض كثير منهم للقتل و الاعتقال بتهمة خيانة الوطن و تم تشكيل مجالس قضائية لمحاكمتهم ، و كانت ميلدريد من بين المطلوبين للعدالة في الولايات المتحدة بتهمة خيانة الوطن ، و تم إرسال المدعي العام فيكتور سي ويرهايد برفقة العميل الخاص هانز وينزن إلى العاصمة برلين في مهمة للقبض على ميلدريد ، كانت المهمة صعبة جداً ، لأن ألمانيا كانت تمر في ذلك الوقت بحالة من الفوضى ، و فور وصولهما شرعا بتوزيع صورها لعل أحد يتعرف عليها ، و لكن جهودهما ذهبت سدى بسبب انشغال الجميع بطوابير المساعدات و عدم عرض مكافئة ذات قيمة لمن يعثر عليها .

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
تم ارسال فريق خاص الى برلين للقبض على ميلدريد 
شعر الضابط باليأس و كاد أن يغلق ملف القضية لولا تلقيه رسالة تحتوي على معلومات قيّمة أعادت له الأمل و العزيمة لمواصلة مهمة البحث عنها ، حيث أدعى صاحب الرسالة أنه كان قائد قاذفة القنابل بوينج - 17 و قد تعرض للأسر بعد إسقاط طائرته ، و أثناء فترة أسره في المعتقلات النازية قامت ميلدريد بزيارته و رفاقه الأسرى مدعية أنها من الصليب الأحمر و أسمها باربرا موم ، و لكنها خدعتهم و عاملتهم معاملة سيئة ، لفت انتباه المحقق أسم باربرا موم و أصدر تعميماً بالقبض عليها ، في ذلك الوقت كانت ميلدريد تتضور جوعاً و لم تجد حلاً سوى بيع أغراضها المنزلية لكسب قوت يومها ، و لم يمضي وقت طويل حتى تلقى المحقق معلومات تفيد بأن أمرأة تُدعى باربرا موم تتردد على سوق الأغراض المستعملة لبيع بعض الأشياء ،

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
صورة أثناء التحقيق مع ميلدريد 

و على الفور توجه المحقق مع عدد من أفراد الشرطة إلى ذلك السوق و قام بالقبض على مالك أحد المتاجر الذي كان قد أشترى طاولة من تلك السيدة ، و خلال التحقيق معه أعطاهم عنوانها ، في 15 مارس عام 1946 م و في أحد شوارع برلين الفقيرة وقف رجال الشرطة أمام منزل مهترئ و طرقا الباب لتفتح لهم سيدة يبدو على ملامح وجهها البؤس و الفقر ، و عندما سألها الضابط عن أسمها الحقيقي اعترفت أنها ميلدريد التي يبحثون عنها ، و قبل أن يصطحبانها معهما طلبت أن تدخل لتجمع أغراضها ، و ركبت السيارة بعد أن أخذت معها صورة عشيقها كويشويتز ، و بعد التحقيق معها تم إيداعها في أحد الملاجئ ريثما يصدر أمر رسمي باعتقالها من السلطات الأمريكية .
 
محاكمة ميلدريد
 
 و في 22 يناير 1947 م  تم أرسالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية تمهيداً لمحاكمتها ، و في 21 أغسطس 1948 م وقفت ميلدريد في المحكمة بشعرها الفضي اللامع ، مرتدية فستان أسود مزركش بالورود الحمراء و وميض كاميرات الصحفيين مسلط عليها و كأنها تقف على خشبة المسرح ، و قد كانت بالفعل مسرحية تراجيدية بالنسبة لها ، فقد واجهت ميلدريد ثمان تهم من بينها الخيانة العظمى و تأييد النازية و قد استندت المحكمة إلى التسجيلات الصوتية للبرامج الإذاعية التي كانت ميلدريد تقدمها و على رأسها مسرحية رؤية الغزو الإذاعية ، هذا بالإضافة إلى شهادة الجنود الأسرى في معتقلات النازية الذين اتهموها بابتزازهم و إهانتهم ،

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
تم ارسال ميلدريد الى أمريكا على
متن طائرة استعداداً لمحاكمتها 

حاول محاميها تبرير خيانتها بأنها كانت مجبرة على ذلك و أنها كانت تحت تأثير كويشويتز الذي أوهمها بحبه لها ، كما حاولت ميلدريد الدفاع عن نفسها و تحدثت كيف أنها أدانت الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر و تسبب لهذا ذلك بمشاكل عديدة و أنها كانت مجبرة على قسم الولاء النازي بعد أن تقطعت بها السبل أثناء الحرب ، و انهارت باكية في محاولةٍ منها لكسب تعاطف المحكمة و هيئة المحلفين ، و لكن ذلك لم يجدي نفعاً

ففي 10 مارس عام 1949 م وجدتها هيئة المحلفين مذنبة و حكمت المحكمة على ميلدريد بالسجن لمدة تتراوح ما بين 10 إلى 30 عام بتهمة الخيانة العظمى و دفع غرامة قدرها 10 ألف دولار ، و تم نقلها إلى سجن النساء الفيدرالي في مدينة ألدرسن بولاية فيرجينيا الغربية ، و قضت في السجن عشر سنوات قبل أن تنال الإفراج المشروط ، و لكنها رفضت الخروج خوفاً من نبذ المجتمع لها و تعرضها للأذى .
 
رحلة تصحيح الأخطاء و تكفير الذنوب
 
 و في 10 يونيو من عام 1961م غادرت ميلدريد السجن حيث قررت الانتقال إلى دير سانت جوزيف في كولمبوس في أوهايو ، و كانت قد اعتنقت الكاثوليكية الرومانية أثناء مكوثها بالسجن ، و كبادرة للتكفير عن ذنبها  قامت بتدريس طالبات الأكاديمية اللغة الألمانية و الفرنسية و الموسيقى ، و في عام 1973م عادت ميلدريد إلى أوهايو لتحقيق حلمها في إكمال دراستها و الحصول على شهادة البكالوريوس في آداب الكلام من جامعة أوهايو ويسلين في مدينة ديلاوير .

ميلدريد جيلارز - خائنة رقصت على مأساة وطنها
عادت ميلدريد الى الطريق الصحيح بتكفر عن ذنوبها 

و على أحد الأسرّة البيضاء في مركز جرانت الطبي أُعلن عن وفاة ميلدريد في 25 يونيو 1988 م بعد أصابتها بسرطان القولون ، عن عمر يناهز 87 عام ، و تم دفنها في قبر مجهول حسب وصيتها.

لقد أبحرت مليدريد بسفينة طموحها نحو المجهول ، و تقاذفتها أمواج الطمع و حب الشهرة لترسو على شاطئ الخيانة ، ثم ما لبثت أن عادت إلى حضن الوطن الدافئ .
 
في الأخير هل تظن عزيزي القارئ أن ميلدريد شعرت بالندم على ما فعلت ، و هل ما قامت به من أعمال صالحة تكفي لإزالة وصمة عار الخيانة عنها ؟.
 
ملاحظة :
 
- الخيانة ليس لها مبرر مهما كانت الظروف ، و من يخون وطنه سوف يلقى الاحتقار من عدوه لأن الخائن مجرد أداة رخيصة لمن يدفع أكثر.

- لقد كانت الإذاعة في ذلك الوقت توازي قنوات التلفاز و وسائل التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي ، و قد كان لها دور بارز في نقل الأخبار و الإشاعات التي  قد تنال من عزيمة المقاتلين فتنهار الجبهات و تُهزم الدول . 

- يعتقد البعض أن انتصار النازية كان سيغير العالم نحو الأفضل ، و لكن للأسف هذا التخمين غير صحيح ، فالفكر النازي قائم على التمييز بين الشعوب على أساس العرق و اللون ، و هذه عنصرية مقيتة لا يمكن أن تبني وطن يعيش أبناؤه متساوون في الحقوق و الواجبات .  
 
هوامش :

1 - الرايخ : و تعني إمبراطورية و هو مصطلح ألماني قديم أعاد النازيون استخدامه خلال الحرب العالمية الثانية و يرمز لتوسعهم و سيطرتهم على العالم.

2 - الحلفاء : خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) انقسم العالم في صراع بين قوتين ، دول الحلفاء و تضم دول مثل فرنسا و بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية ... الخ .
و دول المحور ، و تضم ألمانيا النازية و إيطاليا و إمبراطورية اليابان ... الخ.

3 – البروباجاندا : و هو مصطلح تم استخدامه خلال الحرب العالمية الثانية لوصف آلة الدعاية النازية في نشر الأفكار النازية و نشر الدعاية و الانتصارات الزائفة ، و قد نجح باول جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازي في نشر الأخبار المضللة.

4 - الفهورار : كلمة ألمانية تعني القائد ، في السياسة أرتبط هذه الكلمة بالزعيم النازي أدولف هتلر ، كونه الوحيد الذي حمل هذا اللقب.     

5 - إنزال النورماندي : في يوم الثلاثاء 6 يونيو 1944 م قامت القوات الأمريكية و البريطانية بالهجوم على شواطئ نورماندي الواقعة في شمال فرنسا ، و قد شارك في الهجوم مليون جندي على متن 6900 سفينة حربية و 12 ألف طائرة ، و كان ذلك بداية انهيار ألمانيا النازية.
 
المصادر :
 
 
 
 
 

تاريخ النشر : 2021-02-03

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

نساء قاتلات في طابور الإعدام
روح الجميلة - أرض الأحلام
الجاسوسة أمينة المفتي - انتقام بطعم الخيانة
نور الهدى الاخضرية - الجزائر
بريندا سبنسر: الفتاة التي تكره يوم الأثنين
ماري بيتمان : ساحرة يوركشاير الجشعة
قدسيَّة الرُّوح - أرض الأحلام
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

هاينة وأخوها مع الغولة
Sokina Zar - المغرب
أمي بلا تعليم
سينا - مصر
الغيبة
ليان ♡ - العراق
حلمي المتكرر
يحيى السيد - اليمن
طفلة ولكن!
بدور - العراق
وجوه مُسودّة - قصص قصيرة - الجزء الأول
روح الجميلة - أرض الأحلام
العشق المجنون : قصص  أشخاص حولوا أنفسم إلى حيوانات
علاقتي بوالدي
عبير - تركيا
قصتي
عرض
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
تعليقات و ردود (28)
2021-04-11 05:20:05
416054
user
26 -
كـرمــل🤍
مقاااال راائع سلمت يداك✨
2021-04-04 08:26:09
414440
user
25 -
عابر ٥١١
لم تكن خائنة فقد أصبحت تعتبر ألمانيا هي وطنها وتصرفت على هذا الأساس ،
ليس وطنك هو المكان الذي تولد فيه بغير اختيارك ولكن المكان الذي تقبل العيش به باختيارك،
وطنك حيث ترزق وليس حيث تولد.
2021-03-14 08:05:12
409868
user
24 -
تيتان
هي أخطأت منذ البداية في ذهابها إلى ألمانيا..
2021-02-17 15:33:15
405114
user
23 -
ولا مصدق شي
مسكينه ، والحرب ملعونه وكارثه ولعن الذى اقامه
2021-02-15 14:48:07
404635
user
22 -
القلب الحزين
مثل من يخون بلاده كمثل الشخص الذي يسرق من أبيه ليطعم اللصوص فلا اللص يكافئه ولا أبوه يسامحه.

نابليون بونابرت
2021-02-13 09:50:02
404262
user
21 -
mark
مقااااال رااااااااائع
سلمت يداك
خسارة قراءتو متاخره اتمنى تشوف تعليقي
2021-02-12 21:18:17
404216
user
20 -
فتحي حمد
مقال رائع صحيح أنها وجدث نفسها في بلاد أعداء وطنها ولم تستطع لعوده لبلادها بسهوله ولكنها خانت بلادها ودعمت العدو من أجل حبها ومصلحتها أظن أنها تحصلت على حكم مخفف بسبب ظروفها.
2021-02-09 02:58:42
403590
user
19 -
سانسا السمراء
فعلا الحب أعمى،
و ثانيا انظر لحال هؤلاء الدول دمرتهم الحروب و استنزفت خيراتهم و جنودهم و حالهم اليوم أفضل مليون مرة من حالنا، بنوا انفسهم بسرعة و نحن بعدنا بنرجع لورا.
يا خسارة
2021-02-07 17:02:21
403324
user
18 -
كتاب
مقال جميل جدا
2021-02-06 18:07:45
403133
user
17 -
مازن شلفة
موضوع شيق 👍
2021-02-06 02:19:59
402991
user
16 -
ابو وسام
ممتاز سيد حسين
2021-02-05 19:01:29
402972
user
15 -
طارق الليل
فعلت الصواب
فلماذا كل هذه البلبله انها مجرد امرأة امرأة حرمت من حقوقها في بلادها لتحتظنها بلاد أخرى
فمصلحتها فوق الجميع فهي امرأة شريفة ومظلومة تلهث وراء مستقبلها الذي قتلته الحرب فلو كان قائد قوات التحالف مكانها لفعل ما فعلت ولما تجرأ بأداانت الهجوم الياباني على بيرل هاربر
2021-02-05 09:37:44
402844
user
14 -
nawel
اقوالها حول معاناة الجنود وان كبار الرؤساء يعيشون براحة حقيقة في الواقع...
2021-02-05 03:13:14
402803
user
13 -
مها..الخليج العربي
المقال جدا رائع
كم أحب قصص الحرب العالميه الثانيه
سلمت يداك 👍🌸
2021-02-04 23:55:00
402797
user
12 -
رؤى
شخصياً لا أرى أنها خائنة ، فأمريكا دولة قائمة على الإرهاب و السرقة و العنصرية ، يكفي مجازرها في الهنود الحمر و احتلال العراق و الحصار الذي لوحده قتل 2 مليون ، و دعمها لإسرائيل التي تقتل يومياً و تضيق على أخواننا ، و دعمها للتخريب في كل مكان و غيره تاريخ أسود بكل المقاييس، فخيانة كيان كهذا الكيان الشيطاني شرف عظيم
1 - رد من : مروان
هي لم تقف الى جانب العدل او الحق او ضد الظلم والعدوان..هي لم تقف ضد اميركا نصرة لكرامة وحقوق شعب اخر يعاني من ظلم واستغلال واجرام اميركا.. انما الى جانب النازية ولمجرد الرغبة او المتعة في ذلك لاجل من تحب وان كنت ممن يعتقدون ان النازية خير وتم تشويهه فراجعي معتقداتك وافكارك...
ثم ان جميع الدول والممالك الكبيرة على مر العصور ودون اي استثناء قامت على الغزو والقتل والنهب والطمع ومعاداة المخالف بالمعتقد او العرق واستحلال ارضه وما يملك اي الارهاب والسرقة والعنصرية.... ومن بينها الدول والممالك العربية والاسلامية وان كنت تعتقدين غير ذلك بسبب البروباغاندا الاسلامية والقومية العربية فراجعي افكارك وتاكدي ان ما يراه المرء حقا له ولبني جنسه وما يضفي عليه من اخلاقيات وقدسية حتى في بعض الاحيان ليس الا عداء وظلما وعدوانا على غيره من الشعوب الاخرى..
ارجو ان تفهمي تعليقي جيدا والنظر بحيادية وبدون تعصب او محاباة لمعتقد او موقف مسبق تم تلقيننا اياه على انه هو الحق والحقيقة
تحياتي الطيبة لك سيدتي رؤى
2021-02-05 15:57:11
2021-02-04 15:47:41
402755
user
11 -
نبض الشارع
من قال انها خائنة وكيف تم تصنيفها بالخيانة؟!
بل هي مواطنة على حق
حسناً فعلاً
1 - رد من : محمد
بالنسبة لموطنها الاصلي امريكا تعتبر خائنة بغض النظر على مواقف امريكا الحالية تجاه الدول الاخرى
حتى لو فازت المانيا بالحرب لكان تصرفها من منطق استعلائي لكافة الدول تماما كما تتصرف امريكا اليوم
التصرف من منطلق القوة والفعل لما يحلو للقوي ولا دولة تجرأ ان تنتقد او تواجه القوي
2021-02-05 07:48:13
2021-02-04 13:37:19
402729
user
10 -
همس
مقال جميل جدا و سرد اجمل ..شكرا لكاتب المقال
2021-02-04 12:41:09
402721
user
9 -
لميس
والله من وجهها يبدو عليها الخبث و الخديعة هههه مقياس جدتس صادق سبحان الله
اكيد الخيانة لا مبرر لها اينما كانت و ما يزيدها سوءا ان تكون خيانة وطن خاصة في ضروف صعبة كهذه القصة كانت في قمة الانحطاط في اسلوبها

شكر كبير للاستاذ حسين على هذا المقال كان غنيا بالمعلومات سعدت بقراءته
2021-02-04 07:00:50
402649
user
8 -
السمراء
مقال غني بالمعلومات سلمت يداك .
2021-02-04 01:19:12
402621
user
7 -
nameless wg
و مجددا خيانة للوطن
2021-02-03 17:56:20
402598
user
6 -
هديل
لا أعتقد أنها تابت فلو عادت والتقت برجل معادي لأميركا لخانت بلدها مرارا" وتكرارا".
الخائن مصطلح يضم الكثير من اسماء الأجرام. فهر يدمر بلد ويفني ملايين البشر ويحطم ويهدم بلدان بأكملها. والشاهد على ذلك ما تمر به بلادنا العربية فلولا الخيانة ما هدمت اي بلد.
2021-02-03 15:00:45
402566
user
5 -
سليم
العالم لن يصبح اجمل فهانحن اليوم تحكمنا الرأسمالية التي تعتبر أشد إجراما من الشيوعية والنازية فالرأسمالية تعيش على خيرات الشعوب
2021-02-03 14:05:52
402555
user
4 -
بيروز
هناك سؤال ملح جدا لا يفارق خيالي منذ قرأت قصة حياة ميلدريد
هل لو أن المحكمة لم تمنحها فرصة ثانية و لم تبقي على حياتها و أعدمتها بدل سجنها
هل كانت هذه المرأة ستكفر عن خطاياها؟
هل كانت ستنصلح كإنسان و تسلك طريقا مخالفا لما سلكته قبلا؟
بالتأكيد لا
أرى شخصيا بأن قصتها مثال لكيف للغفران أن يصلح الإنسان و يغيره
2021-02-03 14:04:28
402553
user
3 -
أبو باقر
سلمت يداك على هذه القصة فأنا أحب أن أسمع قصص الناجحين والفاشلين في حياتهم للفائدة حيث أستفيد من نجاح الناجحين وأتجنب فشل الفاشلين أي بمعنى آخر أجعلهم عبرة لي قيل (والعهدة على القائل) أن هتلر قد قال بأن النازية ستعود (أي كقوى عظمى) بعد مئة سنة ، لقد عاش وحكم ومات وهو أحمق ، وقيل عنه أيضاً أنه كان مصاباً بالتوحد.
2021-02-03 11:04:23
402518
user
2 -
اندرو
يالها من امرأة ذكيه ومراوغه ، ما فعلته ليس هينا ، وفي النهايه كان واضح عليها النذم والخساره لما فعلته
2021-02-03 11:00:29
402517
user
1 -
نور الهدى الاخضرية
دائما مبدع ...مقالة جميلة
move
1