الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

أم الدويس

بقلم : أحمد محمود شرقاوي - مصر
للتواصل : [email protected]@yahoo.com

هجمت علي فضربت عينيها بإصبعي فصرخت صرخة عاتية
هجمت علي فضربت عينيها بإصبعي فصرخت صرخة عاتية



أكاد أختفي وسط كل تلك الأبراج الشاهقة ، وسط تلك الأضواء الساطعة والضوضاء العالية ، و ما زاد سطوة هذا الشعور هو شعور أخر بغيض ، شعور يكاد يفتت بقلبك و يتركه لطيماً لا يقدر سوى على ضخ المزيد من الدماء فقط ، فلا أنت قادراً على التذمر ولا حتى على وأد هذا الشعور ، أنه شعور الغربة في بلد غير بلدك لأجل أن تحظى بفرصة عمل جيدة ، هكذا وجدنا الحياة و هكذا رسمت لنا الطريق.
 
جلست يومها في شرفة الغرفة التي أسكن بها أراقب تلك الشوارع الغريبة عن عيني ، تلك الشوارع النظيفة بطريقة مبالغ فيها ، حتى أنها تجعلك تنفر منها بشدة ، فالسيارات تركض في سباق متواصل ، الوجوه تختلف من كل الجنسيات تقريباً ، الحياة المادية تطغو على كل شيء تقريباً ، فلو بكيت يوماً على قارعة الطريق فلن تجد من يشفق حتى عليك ، اللهم إلا من سيارة شرطة قد تأخذك لتحقق معك لأنك تسيء للمظهر العام للبلد..
 
أمسكت بكوب من الشاي و جلست أستمتع به محاولاً الغرق في ذكريات الماضي ، الماضي المحمل برائحة أعواد الذرة و رسائل خطيبتي ، المحمل بصوت أبي و صياح أختي الصغيرة في البيت.
 
و..

أخرجني من حالتي تلك رنين الهاتف الذي جعلني أشعر بحالة كبيرة من النفور ، ربما يكون صاحب العمل و سيطلب مني النزول للعمل ، أقسمت في نفسي أن أرفض مهما كان ، أنا لم أحصل على يوم واحد منذ ثلاثين يوم تقريباً ، أمسكت الهاتف بغضب و لكني فوجئت ، لم يكن صاحب العمل ، لقد كان صديقاً من بلدي يعمل في مكان قريب من مكاني.
 
- مرحباً.
- ..........
- اشتقت اليك يا رفيقي.
- .........
- نعم ، و أنا أيضاً في يوم إجازة
- ........
- نتقابل ؟.
- .......
- حسناً ، أعتقد أن هذا أفضل ، سأكون بالموعد.
 
أغلقت الهاتف و هناك شعور غريب يجتاح كياني ، شعور بالألفة والمحبة ، شعور لم أشعر به منذ حادثني صديق لي منذ ثلاثة أعوام لنجلس على المقهى ، فمنذ سفري إلى هنا لم يدعوني أحداً لنخرج في نزهة سوى الأن.
 
ارتديت ملابسي سريعاً و هبطت من المبنى المتواضع و الذي يختبئ عن الشوارع الرئيسية حتى لا يخدش أعين الأجانب.

ركبت الحافلة وانطلقت ناحية نقطة اللقاء ، كان المفترض أن نتقابل بعد ساعة لذا نزلت على الفور حتى لا أتأخر ، و لكن لم تمر ثلث ساعة حتى كنت في المكان ، هبطت من الحافلة التي تعجب سائقها من نزولي في هذا المكان و لكنه لم يعقّب.
 
نزلت على الطريق أتأمل ما حولي في رهبة شديدة ، المكان مظلم مخيف والصحراء من خلفي على مد البصر ، نظرت في ساعتي فوجدت أنني قد وصلت باكراً ، اتصلت بصديقي و تعجبت من نقطة اللقاء تلك ! فأخبرني أن هناك صديق له من تلك البلد سيقيم حفل شواء في الصحراء و أنه سيحضر ليأخذني من تلك النقطة بسيارته ذات الدفع الرباعي لاختراق الصحراء.
 
تذمرت بداخلي و قررت الانتظار الذي لا أملك سواه.
الطريق مظلم تمر السيارات عليه على فترات متباعدة ، لا توجد أعمدة إنارة و إنما هي أجزاء معدنية براقة تضيء الطريق للسيارات حينما تسلط مصابيحها عليها ، غير ذلك فتلك الأجزاء مظلمة.
 
لفحتني نسمة هواء باردة جعلت جسدي ينزوي على نفسه من الخوف و البرد ، تأملت الصحراء على مد البصر فلم يزيدني هذا سوى خوفاً على خوف  و برداً على برد.
دقائق من الانتظار تمر كساعات و ساعات ، صوت الرياح يثير بداخلي ألف ألف تساؤل.
 
أخرجت هاتفي وكتبت رسالة إلى خطيبتي أقول فيها :
" إلى ملكة السماء و هذا الكوكب الدري الذي لا يبارح سمائي ، لا تتركيني الليلة فأنا أحتاج إلى نورك ، أحتاج لرائحة عبقك التي تملأ من حولي الدنيا عبيراً و ...
 
توقفت عن الكتابة حينما وصلت إلى أنفي رائحة عبير كاد أن يفقدني أتزاني ، مزيج من رائحة الطبيعة الخضراء و هذا العطر الأنثوي الجذاب الذي كانت تتعطر به ساحرات بابل الفاتنات قديماً .

استنشقت من هذا العطر بنهم و كأنه خمر لذ للشاربين ، كدت وقتها أن أفقد عقلي كله و أتوه في تلك الرائحة.

و من بعيد جاءت تتلألأ كنجمة بارحت مكانها في السماوات ، أمرأة تشع نوراً أو هكذا خُيّل لي ، ترتدي زياً حريرياً ناصع البياض تتلاعب به الرياح فتجعلها أجمل من بلقيس نفسها.
أدركت وقتها أن رائحة هذا العطر لا يمكن أن يكون له مصدراً سواها ، تلك الحورية التي سقطت من الجنة حتماً  اقتربت مني و لا زالت ملتفة بهذا الزي الذي يغطي كل شيء فيها تقريباً.
 
و من مسافة عشرة أمتار تقريباً تحدثت بصوت أشد عذوبة من رائحة عطرها:

- مرحباً.
تلعثمت مرتين على الأقل و أنا أخشى أن أرمش بعيني حتى لا أفقد رؤيتها لحظة قبل أن أجيب بصوت خرج منازعاً :
- مرحباً.
- هل تنتظر عمار ؟.
- لا أعرف .
- ألست أنت ممن سيحضر حفل الشواء ؟.

فكرت سريعاً و قلت أن عمار هذا ربما يكون صديق صديقي الذي سيأتي بالسيارة بعد قليل ، يا للحظ الحسن ، هل تلك الحوراء ستكون معنا في هذا الحفل ، أفكر جدياً في قتل عمار و اختطافها. أجبتها بصوت متحشرج :

- نعم ، أنا أنتظره.
- حسناً ، تعال.
- إلى أين ؟.
- أنه ينتظرنا بسيارته خلف هذا الجبل.
 
وأشارت إلى الجبل البعيد ، و كمن تخدرت كل ذرة في كيانه تتبعتها ، تتبعتها وعيناي شاخصة تجاهها و هي تخطو فوق الرمال فلا تترك فيها أثراً.
وهذا العطر الذي ملأ المكان من حولي فجعلني أتوه في بحر من اللذة المحرمة ، أتخيل نفسي وقد تزوجت هذا الملاك وأصبحت لي وحدي ، شعرت بحقد بالغ تجاه هذا العمار لأنه يمتلك صديقة مثل تلك.
 
لحظات و بدأت أرى أثار أقدام على الرمال من حولي ، أثار واضحة ظاهرة للعيان ، أدركت أنه ربما سبقنا أحد إلى السيارة للذهاب ، و قبل أن أغرق في خيالاتي ثانية سمعت صوت اصطكاك أسنان غريب ، نظرت من حولي لأحاول أن أتبين ماهية الصوت ، و لكن الظلام الشديد منع هذا ، الرؤية صعبة بحق فهذا القمر قد غاب عن السماء و لم تتبقى سوى بعض النجوم التي فقدت بريقها و تنازع كي تبقى مضيئة.
 
و لكن الصوت أصبح مسموعاً أكثر ، توقفت و رحت التفت من حولي لتتوقف الفتاة من أمامي و تلتفت لي متسائلة:

- لماذا توقفت ؟.
- هناك صوت غري...

و توقفت الكلمات على لساني حينما كشفت عن وجهها و أدركت وقتها عندما غاب القمر عن السماء ، فما غاب إلا ليسكن وجهها فيضيئه و يجعله بمثل هذا البهاء ، اتجهت ناحيتي فظهرت ملامحها أكثر وأكثر..
 
شفاه وردية ، و خدين متوردين تشع بهما الحمرة ، و شعر متموج أسود بلون الليل ، و عينان صفراء عجيبة كأعين القطط نفسها.

سرحت في ملامحها و لكن الصوت كان قد أارتفع كثيراً ، والتفت مرة ثانية ناظراً إلى مصدر الصوت  و أنتفض جسدي كله و صرخت صرخة عاتية ، هناك فتاة ترقد على بطنها ، فتاة تشبهها بنفس ملابسها و هيئتها ولكنها تلتهم جثة ، نعم تلتهم جثة أحدهم و هذا الصوت لم يكن سوى صوت مضغها لجسده.
 
و نظرت في فزع لتلك التي تتجه ناحيتي و كشفت عن قدميها التي تحولت إلى أرجل حمار ، و اتسعت عينيها لتحتل نصف وجهها تقريباً ، و أصبحت أنا في موقف لا أُحسد عليه ، خاصةً أن ذراعيها كانا يتشكلان على هيئة أداة حادة تشبه المنجل.
 
و قبل أن أتحرك هجمت بشراسة و ضربت بذراعها الحديدي الحاد على وجهي ، رفعت يدي لأحتمي فاخترق المنجل ذراعي فصرخت صرخة فزعة ، متألمة خاصة مع نزيف الدم منها ، و بكل عنف نزعت ذراعها الحديدي من ذراعي و رفعته لتضرب من جديد ، و بكل ما أملك من رغبة في الحياة ضربت عينيها بإصبعي فصرخت صرخة عاتية و تراجعت إلى الخلف ،  و لم أكن لأضيع ثانية واحدة ، ركضت بذراع ينزف مبتعداً وأنا لا أتوقف عن الصراخ واللهاث ، أنازع قدماي كي لا تفقد قوتها فيتهاوى جسدي أرضاً و أكون طعاماً لتلك المخلوقة البشعة.

و لكني سمعت صوت خطواتها من خلفي  و أدركت أنني ميت لا محالة ، إيقاع الخطوات كان سريعاً ، سريعا لأدرك أنها سوف تدركني خلال ثوان معدودة.
 
ولمحت تلك التبة الرملية واختبأت خلفها و راحت هي تزوم كحيوان مفترس وهي تبحث عني ، و رحت أرتجف و أناجي ربي كي ينجيني من هذا المخلوق.

واشتعل عقلي وقتها ، اشتعل لأتذكر مقال قرأته منذ أيام عن أم الدويس ، هذا المخلوق الذي يسكن البادية و يتشكل على هيئة امرأة جميلة ليستدرج الرجال و يقتلهم ، تذكرت و هبطت دموعي من الندم ، ليتني تذكرت منذ البداية وهربت.

ولكن مهلاً ، مهلا.. لقد قرأت أنها تهرب حينما ترى النساء ، ولكن من أين تأتي النسوة في تلك الصحراء ؟ واقتربت صوت خطواتها من التبة ، و لم أجد سوى فكرة واحدة ، فكرة قد تكون سبباً في نجاتي.
 
نزعت هذا الوشاح من حول عنقي ولففته سريعاً حول رأسي ثم حول وجهي كالنقاب ، و في تلك اللحظة وجدتني  و سقطت أنا أرضاً و رحت ازحف متراجعاً على الأرض ، توقفت مكانها و راحت تتأملني في ثبات مخيف ، و بكل رغبة لي في الحياة تحدثت بصوت رقيق مقلداً الفتيات قائلاً :

- أرحلي من هنا.

وما إن أتممتها حتى ركضت مبتعدة عن المكان ، حملت ذراعي المجروح و ركضت مترنحاً ناحية الطريق لأجد سيارة هناك تنتظر ، كان بها صديقي واثنين أخرين ما إن رأوني حتى هبوا خائفين ، حملوني سريعاً ونقلوني إلى أقرب مستشفى لأسقط أنا في غيبوبة تامة.
 

النهاية .....


أم الدويس هي خرافة عن امرأة جميلة من الجن، يُشاع أنها ذات جمال أخاذ و رائحة زكية و جميلة ، تلاحق الرجال في الليل وتجعلهم يفتتنون بجمالها ، وما إن يفتتنوا بها و يلاحقوها حتى تقتلهم وتأكلهم. و يُشاع أنها تخاف النساء وتظهر فقط للرجال ، و هي من القصص التي ظهرت لدى الأجداد في دول الخليج بشكل عام ودولة الإمارات بشكل خاص ، و يقول منتقدو الخرافة أن هذه القصة اُختلقت لإخافة الرجال من الافتتان بالنساء الغريبات أو لإخافتهم لإبعادهم عن عصيان الله والوقوع في الزنا ، و يُقال أن ذراعيها على هيئة الدوس و هو شيء شبيه بالمنجل في اللهجة الخليجية.

............................
 
من أعمالي الورقية:
 
إن الله سيبطله "رواية"
 
سلسلة مائدة الفزع:
 
حتى زرتم المقابر "عدد أول"
الميتة والدم "عدد ثاني".
 
يمكنك تحميل الجزء الأول من رواية نساء مخيفات عن طريق جوجل.
 

تاريخ النشر : 2021-02-20

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

رؤية على مسرح الوجدان
تقي الدين - الجزائر
النسر و الثعلب
عطعوط - اليمن
العطر الجذّاب
ابن اليمن - اليمن
على شاطئ بحيرة سوداء
ايهاب أحمد عابدين - مصر
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

المتسولون الأغنياء
استيل - اليمن
ماذا ستفعلون لو أصبحتم مخفيين؟
حلمت بأنني أركض على جسَر
رُقَية - العراق
خطب ما
مجهولة
الشيطان يرتدي تنورة
سارة زكي - مصر
هاي جريف
ميرنا أشرف - مصر
كسرة النفس
سليمة - ليبيا
أحاجي الفراعنة :جرائم غامضة وألغاز مظلمة
قصتي
عرض
التعليق على هذا الموضوع مغلق حاليا
تعليقات و ردود (6)
2021-03-03 11:31:15
408007
user
6 -
المطالعة الشغوفة
رجاء يا سيدي لا تلمني لأني ضحكت عندما تظاهر بأنه فتاة!!!
لو كنت أنا لما خافت مني ظنا أنني صبي ههههههه
عدا ذلك أبدعت كعادتك
و علي الآن تعويض ما فاتني
2021-02-24 21:00:17
406757
user
5 -
طارق الليل
قصة رائعة
فقد كنت اقرأ وانا اشفق عليك نحن نسميها صياد او ام الصبيان
2021-02-24 04:33:02
406564
user
4 -
وليد الهاشمي...
ههههههه لقد اقشعر بدني
تحياتيوتقديري للكاتب المتميز دائما مبدع حقا قصصك رائعة جدا


تحياتي للجميع
2021-02-20 15:49:23
405769
user
3 -
عُلا النَصراب
أحسنت صياغة العبارات وسلسلة الأحداث، لم تخلو قصتك من التشويق والإثارة، أنت فعلا كاتب موهوب .
2021-02-20 11:48:06
405723
user
2 -
عبد السلام
بسم الله الرحمن الرحيم وعندنا في العراق ام المساحي جمع مسحاة وهي التي يتم حفر الارض بها وحرثها رجلي هذه الجنية مسحاتين تخفهيما تحت عباءتها السوداء الطويلة تهاجم الجميع وتاكل الرجال والنساء يروي احدهم انها جاءت وقت الفجر بعد الصلاة لامراة تطلب من امراة في البيت الخروج لاكمال غزل لهما في مكان اخر تظاهرت المراة بالموافقة ولم تخرج بعد طلوع الشمس خرجت من البيت لتجد الغزل كله ممزق وقدياست ام المساحي من خروجها هذا عندنا في الفولكلور العراقي ويوجد مثله في كل الشعوب او اغلبها ولكن عندنا في العراق قديما قطط برية تسرق الاطفال الرضع ليلا وتدغدغ الطفل الرضيع حتى تقتله ضحكا اي مختنقا بضحكاته ثم تاكله قد يقول قاءل ولم لاتقتله مباشرة هي لاتفعل ذلك وهذا مايتداوله الناس عنها ويؤكدوه وهناك كثيرون اكدوا هذا وبعضهم انقذ طفلا من براثنها والعالم مليء بالغراءب وقد اختفت هذه الكاءنات والحمد لله تعالى وجميل جدا ان يكتب الكاتب عن ظواهر في غير بلده وساحاول قراءة نساء مخيفات فهو عنوان مشوق لكاتب مجد
2021-02-20 11:18:56
405718
user
1 -
freeda
رائع استمر
move
1