الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

صدع معيب

بقلم : منى شكري العبود - سوريا

شعرت بأن روحي تطير فرحاً ، و شفتي تأبى التخلي عن الابتسامة
شعرت بأن روحي تطير فرحاً ، و شفتي تأبى التخلي عن الابتسامة


أوقدت شموع السنة التاسعة من عيد زواجي وحيدةً ، لم يعد زوجي يهتم لهذه التفاهات كما أسماها في عيد زواجنا السابق ، و لم يعد يقصد المنزل إلا للنوم فيه ، فغدوت وحيدةً بين جدرانه الصماء ، غارقة بالحزن ، أنسج في خيالي أطفال المستقبل ، أشكالهم متشابهة ، هنا فتاة سأسميها ورد ، و هنالك فتى سأسميه تيم ، أنقذني الخيال عدة مرات من موت محتوم بالاختناق قهراً، لاكتني الحياة بأضراسها بشراسة عدة مرات ، ثم لفظتني ليتغذى اليأس على نقصي ، (عاقر) كلمة كانت بحياتي بمثابة صدع معيب ، لفظها الاكتئاب آلاف المرات في عقلي ليحكمني خلف قضبانه ، في السابق قد رغب الجميع بزواج زوجي بأخرى ! لكنه رفض بشدة ، معللاً أنه يحبني ، و أن ما هو به سوى قضاء الله وقدره ، لكنه الآن مع غيابه الشبه دائم عن المنزل قد ألتف الشك حول قلبي فخنقه ،

مع مر السنين قد غدى الجميع حولي لا شعورياً يخافون على أطفالهم من نظرات حاسدة ألتهمهم بها ، و كأن نظرتي قد غدت ذاك القدر السيء الذي قد يلحق الأذى بهم ، فغدوت أشيح بنظري عن أي طفل في العالم ، أكتم في صدري غصات مخنوقة ، قد تمنيت لو أطلقها فأهز أركان الأرض بها، أطفئت الشموع، و جررت جثتي إلى الفراش لألوذ بنوم يسافر بي إلى عالم خيالي لا أحاسب به كوني مجرد امرأة عاقر، فسمعت صوت الباب يفتح، لأجد ذاك الوجه الذابل يلقي التحية ببرود ، ثم يجر جسده المتهالك إلى الفراش ، قد طار النوم من عيني لشدة لا مبالاته ، غرقت بنوبة بكاء أفرغ بها ما بصدري من حزن ، يد حطت على كتفي تربت بهدوء ، ثم لفظ كلمات كانت بمثابة أسهم اخترقت صدري:

- لقد ذهبت بصحبة أمي لرؤية عروس ، أعذريني لم يعد الأمر بيدي ، أنا وحيد أمي ، كما أنها تتقد احتراقاً على أن ترى حفيدها ، ستبقين حبيبتي دوماً.

بكيت بشدة ، عانقني فزدت من حدة نحيبي ، إلى أن تقبل قلبي الصدمة فهدأت قليلاً:

- كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي ، لن أحزن عندما أرى طفلك الأول تحمله في أحشاءها أنثى غيري ، لكنني سأموت قهراً أن نسيتني وحيدةً.

- كيف للمرء أن ينسى نبض قلبه ، و أمان روحه ؟ كنتِ وستبقين أمني و أماني و راحتي و سكوني، أطفال العالم أجمع لن تنسيني إياكِ.

- لكنك نسيتني قبل أن تنساني!.

نظر لي بعينين دامعتين ، طرد ماء مقلتيه بمنديل ورقي ، تنفس بعمق ليشد من أزر رجولته ، ثم أشاح بضعفه بعيداً عني ، لفظ كلماته بهدوء:

- كلام الناس و تعليقاتهم اللاذعة قد جعلت بيني و بينكِ سوراً، أعذريني فقد كان الأمر يفوق قدرتي على الثبات.

- لم و لن أطالبك بشيء  سوى أن تبقى زوجي، و أريد منك شيء آخر ، عندما أغدو في حياتك مجرد واجب أخبرني  قبل أن تثقل روحك بوجودي.

شب حريق الغيرة في كبريائي ، كنت على يقين أنني سأكون غداً نسياً منسيا ، قررت الرحيل ، هممت بجمع أمالي وأحلامي المتناثرة في أرجاء زوايا و أركان كانت منزلي ، لملمت بقايا حب دهسته كلمة عاقر تحت أقدام مجتمع لم يرأف بإرادة الله ، و من على جدرانه صور ضاحكة مبتسمة كانت تظن أن هنالك مستقبل وردي ينتظرها ، و تلك الدمى والثياب التي جلبتها لأطفالي ، خرجت من المنزل أتبجح بابتسامة مزيفة ، عقلي يقنع قلبي بانتصار حققناه قبل أن نُطرد مهزومين مكسورين نجر خلفنا أذيال الخيبة بمن تعلق القلب به يوماً ، عدت إلى منزل والداي ، لكن لم أعد كما خرجت منه طفلة ضاحكة ساخرة من هموم الحياة ،

عدت والحياة تسخر مني ضاحكة بشدة ، يصحبها الموت الذي يرمقني بنظرات مبتسمة يغريني بصحبته ، جاورت الجدران الصماء ، عانقت الخشوع ، تقربت إلى الله ، طرقت بابه بالدعاء ، تربعت الطمأنينة في قلبي ، لم يعد هنالك شيء يرعبني، كل ما كنت في السابق أخشى خسرانه لم يعد يرهبني ، فقد فوضت أمري لله ، لم يكل و لم يمل زوجي عن طرق باب المنزل يومياً ، يرجوني أن أفتح له ، لكنني لم أفتح له بابي ، قد شئت أن يعلم أنني من أخترت كي لا يؤلمه ضميره يوماً ، لذلك مل و لم يعد يفعلها منذ أسبوع ، قد تيقنت حينها أن أخرى قد بدأت تتسلل إلى حياته ، فليهنئ بها.

استيقظت على دوار شديد ، أنه اليوم العاشر من شعوري بالإعياء ، أشعر بأنني مرهقة جداً لدرجة أنني لا أرغب بالحراك من الفراش ، ذهبت إلى الطبيبة للاطمئنان على صحتي لتفاجئني بما كنت أحلم به دوماً : مبارك ، أنتِ حامل ! شعرت بأن روحي تطير فرحاً ، و شفتي تأبى التخلي عن الابتسامة ، رعشة دبت في سائر جسدي ، فلم تعد تقوى قدمي على حملي ، جلست أرضاً ، ضحكت بشدة ، تراءى لي طيف زوجي عندما يسمع الخبر كم سيسعده ! وقفت من جديد ، قبّلت الطبيبة ، فقهقهت بشدة ،

خرجت وعيناي تبحث عن زوجي في كل الوجوه لأخبره بفرحة العمر ، اتصلت به عدة مرات لكن هاتفه مغلق ، ذهبت إلى منزلنا، لم يكن بحوزتي مفاتيح منزل قد قررت وهبه لأخرى ، طرقت الباب كثيراً ، لا يوجد أحد ، ذهبت إلى مكان عمله لأفاجئ بغيابه عن العمل منذ شهر، لم تسعفني ذاكرتي إلى مكان آخر أجده فيه ، عدت إلى المنزل و في قلبي غصة ، قد أطرقني عقلي بفوات الأوان يبشرني بزواج زوجي بأخرى ، بكيت الفكرة ، انتحبت فكرة دمار الفرحة ، دعوت الله أن لا يكن الأمر كذلك ، ليستجيب دعائي على الفور بوجود زوجي أمام باب منزل والداي ، هرع نحوي و عانقني بشدة ، بكى منحياً جانباً مفاخر العرب بمقولة أن الرجال لا يبكون ، بكيت بصحبته ، ابتعد عني قليلاً ، مسح بكفيه دموعي ثم قال وعيناه ملؤهما الحب:

- أنتِ تكفيني من العالم ، لا أريد أطفالاً ، و لا أنثى غيركِ تناديني حبيبي ، أريدكِ أنت فقط.

باغته ضاحكة بفرح شديد:

- قد غدى في أحشائي فرحة عمرنا.



النهاية .....

تاريخ النشر : 2021-04-05

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

بحر الشمال يحترق
روح الجميلة - أرض الأحلام
لستَ صديقي
حمرة الغسق
د.واز
د.بلال عبدالله - اوكرانيا
هانكو سان
أحمد محمود شرقاوي - مصر
مقهى
اتصل بنا
قصص

من تجارب القراء الواقعية

أتمناه نصيباً لي و لكن ؟
قطرة أمَل في بحر الآلام !
زهرة الامل - ليبيا
كتب السحر طريق إلى الجحيم
الكاتب الصامت - الجزائر
كيف السبيل إلى برّها ؟
هل سُرِقَتْ شخصيتي ؟
آية - جمهورية مصر العربية
براءة مفقودة!
حياة - مصر
فوضى في سن الـ 14
العشق المحرّم
إيهاب الحمادي - عمان
فيسبوك
يوتيوب
قصتي
عرض
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
تعليقات و ردود (11)
2021-04-09 00:00:52
415664
user
11 -
شبح
من أجمل القصص التي قرأتها سلمت أناملك
2021-04-08 16:20:47
415590
user
10 -
amira rt
اروع و اجمل و انجح قصة رائعة راقت لي جدااا 💗💗💔
2021-04-07 00:50:15
415177
user
9 -
ظلال
من أجمل ما قرأت المشاعر وصلتني صراحة استمري
2021-04-06 05:53:52
414953
user
8 -
امرأة من هذا الزمان
رائعة جديدة من روائع الاستاذة منى...سلمت اناملك.....🌸
2021-04-06 04:27:17
414944
user
7 -
اية
كالعادة، كمية إنسانية كبيرة والكثير والكثير من الابداع..
قصة رائعة
بانتظار القادم
تحياتي
2021-04-05 19:45:22
414881
user
6 -
‏عبدالله المغيصيب
‏الجزء الأخير من التعليق

‏طيب أخيرا في باب الملاحظات وهو مفهوم استيعاب ماقد ينظرله على انه نقص اوفرق اوعجز بين الناس والبشر بعضهاببعض

‏وهي تنقسم إلى وجهين
فوارق لاخيار للانسان فيها

‏مثل الشكل الطول العرض المرض الاصل اللون الجنس إلى آخره

والوجه ‏الاخر فروق يمكن خلق الفرص في تغيرهااوتبديلهااوعلىالاقلتحسينها
‏وهنا نتكلم عن ظروف قد تكون اجتماعية اقتصادية الطبقية جغرافيه امنيه الخ ‏يملك الفرد إذا أحسن الاجتهاد هامش كبير في تغيرها ‏بعد توفيق رب العالمين


‏بالنسبة إلى الوجه الثاني احسنت الأعمال الأدبية من قديم و حول العالم التعامل معه والمساهمه ‏في تعديل الكثير من المفاهيم القانونية والشعبيه لتحسين فرص اوضاعها

‏لكن ما زالت المشكلة في الوجه الأول حتى في الأعمال الدرامية من قديم وحتى اليوم وهي تنميط بعض المعالجات لها
‏وهنا حتى لا متوسع كثيرا فقط أود الحديث بخصوص الظروف الجسديه
‏الكثير من الأعمال من قديم حتى الآن تقدم ذروةسعادةخواتيم ابطالهاوهوانه المشلول قدمشىوالاعمىابصر والخ
‏او كما هنا العاقرحملت

‏وكأنه لا هناء ‏لأصحاب البلاء غير ان يشفوا والا ٠٠٠٠
‏صحيح انه الظرف المثالي ومنها الصحي هو طموح كل إنسان ولكن في نفس الوقت يجب ‏تقديم أعمال ابطالها استطاعواالتعايش ‏مع تلك الظروف وخلقوامن الضعف قوةبل ومكانةونجاح
‏أي أنهم اجبروا الآخرين ‏على تغيير المفهوم وانظرةلاالعجزوالظرف بحد ذاته


‏وشكرا تحياتي وبالتوفيق في الأعمال القادمة
2021-04-05 18:56:52
414872
user
5 -
‏عبدالله المغيصيب
‏اما عن الملاحظات حسب وجهة نظري المتواضعة

‏كما قلنا نعم هنالك تطور في عملية ‏التعبير من خلال الصورة المشهديه الدراميه
‏ولكن ما زال الطابع اللغوي الإنشائي هو السائد ‏يفضل في مجال كتابة القصة توظيف ‏اغلب العناصر إذا ما قلنا كلها لخدمة الحالة الدرامية ‏ومنها بالتأكيد اللغة المؤثرة حتى لا يأخذ العمل ‏طابع الخواطر لا القصة الأدبية

‏كذلك لا يفضل الاسترسال في كل لحظه واخرى في مطولات فلسفيه واحاديث داخليه لشخوص ‏لا تنتهي نعم هي مطلوبة لكن ضروري يتم توزيعها ‏وحسب الضرورة و مدى التأثير لها وقوه وقعها ‏على نفس القارئ
‏وليس استهلاكهامن لحظةالبدايةوحتىالنهايةفتفقدتاثيرها

‏كما أنه هنالك تغليب لرسالةالانسانيةعلىاهميتهاولكن ‏على حساب السيناريو الدرامي المتقن
‏يعني هنالك حالة درامية لكن جدا مبسطة ومدرسيه ‏وكأنها المهم إيصال الرسالة باي شكل وخلاص
‏حسب وجهة نظري إذا اللعبة الدرامية ما تخدم العنوان السامي ‏هنا معاد نكون أمام قصة أدبية وإنما امام حصه توجيهه دراسيه
‏يجب المزج ما بين الخطين



‏الباقي في الجزء الآخر من التعليق
2021-04-05 18:18:40
414867
user
4 -
‏عبد الله المغيصيب
‏سلام عليكم مساء الخير على الجميع
‏ومبروك العمل الجديد للاخت ‏الكريمة الكاتبة والنشر في الموقع الرائع


‏حسنا قصة جديدة جميلة وكما هي العادة ذات رسالة إنسانية سامية ‏الذي اعتاد قلم الكاتبة تسليط الضوء ‏من خلال أعمالها الهادفة لتناول ‏العديد من القضايا الاجتماعية التي هي جزء من حياه ‏كل مجتمع وإسره وفرد ‏في العالم عموما وفي الواقع العربي على وجه الخصوص ‏الفقر والحروب الأهلية الهجرة الاعراض الصحيه والخ
‏وبالفعل كل ما كان الكاتب قريب من احوال الناس وشؤونهاوشجونهاوجعل من قلمه منبرلهاكلما وقعت اعماله في وجدان ‏الجمهور والناس وقعهافي قلوبهم وعقولهم وشغف متابعتهم والمزيدمن ‏الانتشار بينهم
فطوبىلكل ‏قلم راقي وموهوب وصاحب رساله


‏بالنسبة إلى الجوانب الفنية ما زال المحافظة على النقاط القوية في قلم الكاتبة وهي اللغة البلاغيه المنمقه والمعبرةوالقويه
‏كما هنالك تحسن رسم وتنسيق ‏المدخل أول مقدمة بدأت تأخذ أكثر الطابع الأدبي من الأسلوب التقريري سابقا
‏وبعض من التحسن في التعبير المشهدي الدرامي لا ‏المعتمد بشكل شبه مطلق على اللغة الانشائية ‏كما ظهر اكثر في الأعمال السابقة

‏اما عن بعض الملاحظات حسب وجهة نظري المتواضعة

‏الباقي في الجزء الآخر من التعليق
2021-04-05 18:11:42
414863
user
3 -
يسري وحيد يسري
شعرت بالتوحد مع المقالة من شدة تأثري بها، تحياتي وتمنياتي لك ولزوجك بالارقي في حياتكما
2021-04-05 16:36:16
414838
user
2 -
سلوى
قصه معبرة وجميله سلمت يمينك وربي يوفقك وتحققي ما تطمحين اليه دمتي بخير🌸🌹
2021-04-05 13:49:52
414794
user
1 -
عُلا النَصراب
"لو صبر القاتل على المقتول كان مات لوحده"
لو صبر شهر زيادة لكان توج بالصبر والرضا وبقلبها من الجيد انه عاد في اللحظات الأخيرة "والا كان هيكون شكله وحش اوي قدامها"

الحمد لله الذى وهبك القلم فنعم الكاتبة أنت سدد الله قلمك ونفعنا بك ونفعك به
move
1