الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

في مَهَبَ كورونا

بقلم : منى شكري العبود - سوريا

لقد ضاع شقا عمري، لقد ضاع كل شيء في مَهَبَ كورونا
لقد ضاع شقا عمري، لقد ضاع كل شيء في مَهَبَ كورونا


لم تهدينا سنة 2020 م سوى المزيد من القهر و الموت ، لتكن من ضمن مصائبها جائحة كورونا التي قد ضربت أنحاء الأرض ، مع شعار "خليك في البيت" بدأ الخوف يتسلل إلى قلوبنا ، زحام غير طبيعي يضج في قاع المدينة ، أزمات معيشية قد ضيقت من حالها جائحة في وطن ممتلئ بالجوائح المتفاوتة ، نفذت السلع الغذائية برمشة عين ، تهافت الناس على شرائها خوفاً من جوع يطرق فترة حظرهم فيقتلهم ،

لم يحدث قبل الآن أن جائحة ضربت مشارق الأرض و مغاربها بهذا الشكل ، كان تعداد المصابين يزداد يوماً بعد يوم ، إلى أن بدأت تلوكنا بأضراسها بشراسة ، لتبتلع واحداً تلو الآخر ، طُوقت البلد بأسرها بقوانين و نظام صارم يفرض عقوبات شتى على من يخترقها ، الكعبة المشرفة مفرغة من المعتمرين فلا أحد يطوف حولها ، المدارس أُغلقت ، المطاعم و المولات الكبيرة أُغلقت ، شُل اقتصاد البلاد ، و بعض منها قد انهار تماماً.

استيقظت من نومي فوجدت ظلام دجوجي يملأ حجرتي ، أنرت المصباح الذي بجوار سريري أتأمل الجدران و تلك الثقوب التي لم ألقي لها بالاً قبل الآن ، أن اليوم هو مساء نهاية الحظر ، ننتظر الغد بفارغ الصبر ، فجأة صوت صراخ ملئ المنزل تبعه صوت تكسير زجاج ، قفزت من على سريري فزعاً أتبع مصدر الصوت ، لأجد والدي يحكم قبضتيّه حول ساعدي أخي عمار الذي يحمل بيده سكيناً و وجهه محتقن بالدماء، يزمجر غاضباً:

- و الله سأقترف مصيبة في نفسي وأنتهي أن لم تدعوني أخرج ، تباً للفيروس و تباً للمرض ، سأخرج مهما كلفني الأمر ، أفضل الموت على أن أبقى سجين هذه الجدران.
صرخت أمي ترجوه باكية:

- كفاك حمقاً يا عمار، أرجوك يا ولدي أن تهدأ، إنهم يعتقلون كل من يخترق قوانين الحظر.
زمجر غاضباً:

- لقد تم تمديد الحظر شهر آخر ، أيّ أن عيد الفطر سنقضيه بين هذه الجدران ، تباً للمرض و لكورونا ، لن أبقى في المنزل ، سأخرج وأن كلفني الأمر حياتي.

رمت أمي جسدها أرضاً فلم تعد تقوى أطرافها على حملها ، تجهش ببكاء حار ، تبكي قهراً و تصرخ بأعلى صوتها تناشد الرب أن يمدنا برحمته ، بينما عمار يقاوم جسد والدي الكهل بحدة ، توجهت نحوه غاضباً ، انتزعت السكين من يده بجهد بالغ ، صرخت في وجهه :
- متى سننتهي من حماقة مراهقتك يا فتى و يحك ؟.
صرخ في وجهي:

- دعني من مثاليتك يا عامر ، إننا نختنق بين هذه الجدران التي تضيق على قلوبنا يوماً بعد يوم.

انهار تماماً ، جلس أرضاً و قد غرق في نوبة بكاء عارمة ، هدأت من روعي ، توجهت نحو أمي ، قبلت يديها و مسحت بكفي خدها المضمخ بالدمع، باغتها اصطنع المرح:
- هل تم إلغاء موعد السحور لهذا اليوم يا أمي؟.

لاحت على وجه أمي ملامح الدهشة تُزاحم ملامح القلق ، أردفت قائلاً:
- أشعر بجوع يعبث في أمعائي ، هيا فلتُعدي السحور لنا الآن.

غمزت لها و لوالدي بطرف عيني ففهما ما أرنو إليه ، اقتربت من عمار أعانقه و أحاول أن أبث الطمأنينة في قلبه ، كان يرتجف بحدة ، ابتعدت عنه و أحكمت عيناي بعينيه المتقدتين بجمرات القهر، هرولت عيناي هرباً من لهيب حرقة عيناه ، تملكتني الحيرة و تاهت عني الكلمات ، حاولت جاهداً أن ألملم بعثرة الحروف ، باغته بتؤدة:

- حينما يقرع الموت أبواب الكرة الأرضية برمتها بفيروس تافه لا يرى بالعين المجردة يجب علينا أن نخشاه ، عندما يهم فيروس بقضم أرواح لا تحصى بنهم يجب علينا أن نخشاه.
قاطعني يضحك ملئ فراغ الصبر الذي في جوفه ، ثم صرخ في وجهي يلفظ قهره:

- أنني اختنق ، لقد أصبحت في حال يرثى لها، غدوت أسير الاكتئاب ، أخشى أن يتلقفني الجنون ، سئمت السجن خلف هذه الجدران ، انتظار رفع الحظر الذي استنزف طاقتي ، فما كاد ينتهي حتى تم تمديده شهر آخر ، أشعر أن الموت يطوق ذراعيه حول عنقي ، أنني أشعر بالاختناق يا عامر ، و غرق في نوبة بكاء جديدة خشيت ألا ينجو منها ، ربت على كتفه و عانقته بصمت ، عانقني بحرارة إلى أن أفرغ ما في جوفه ، اِبتعد عني، مسحت على رأسه بحنو زائد، باغته بلهجة دافئة:

- لما القنوط واليأس يا عمار ، ما دام رب السماء موجود ؟.
- لم يعد في جعبتي صبراً يا عامر، أنني بشر، لدي طاقة محدودة، والحبس خلف هذه الجدران قد استنزفها.

باغته قائلاً بينما عيناي تتفرس الإجابة من شفتيه بنهم:
- من فرض عليك الحجر الصحي ، أهي والدتنا أم والدنا ؟.
نظر لي مشدوهاً و ظل صامتاً ، نظرت إليه شزراً ثم أردفت بنبرة صوت مهدئة قدر المستطاع:

- ألا تدرك أن غضبهما يهز عرش السماء ؟.
طأطأ رأسه خجلاً ، أسرف في المزيد من الدموع، أجابني بنبرة يشوبها الندم:
- لم أقصد فعل ما حدث ، أن الشيطان تمكن مني.
أضفت بهدوء قائلاً:
- الفراغ هو الذي جعل للشيطان سلطة عليك ، فلتمارس شيء تحبه ، فلتعتبرها فترة نقاهة ، عش السعادة بعمقها ، لا تتبع التفاصيل.

طالعني بازدراء، ثم قاطعني ضاحكاً بسخرية بينما الدمع لا زال عالقاً بأطراف أهدابه:
-عن أي سعادة تتكلم يا عامر ؟ غدونا في سجن كبير إلى سجن أصغر فأصغر ، من وطن إلى حي إلى منزل ، محرم علينا أن نتنفس كما نحب ، قد غدى النفس حارقاً خلف الكمامة ، رائحة المعقمات والمطهرات قد احتلت أنفي و لم تعد تفارقه.

- دعك من التفاصيل يا أخي ، جميعنا في الحظر ، و جميعنا حبيسيّ الجدران ، و جميعنا نختنق مثلك و أكثر.

طالعني مشدوهاً ، أردفت متعجباً:

- أو تظننا لا نشعر مثلك ، البعض منا أسوأ منك حالاً ، التجئ إلى الله تلقى راحتك ، عش السعادة مهما كانت الظروف ، نحن من نصنع السعادة يا أخي.
نظر إلي شزراً وهو يقول:

- كيف نصنع السعادة ؟ ألا تعلم أن الإنسان قد جُبل على (كل ممنوع مرغوب).
أجبته بتؤدة:

- أعلم يا عمار ، لكن فلتفكر مثلي لمرة واحدة كل مرحلة في الحياة لها مذاقها الخاص بحلوها و مرها ، و قد تضع في جوفنا بصمة لا تُمحى ، نحن خلف هذه الجدران التي تخنقك نحافظ على أرواحنا و أرواح من نحب ، لكل شيء في الحياة ثمن يا عمار ، لذلك أنا اخترت أن أجعل هذه الفترة من حياتي جميلة ، لذلك منذ بداية الحظر أعددت برنامج يومي زاخر بالمهام لكي لا يتبقى لدي وقت لأفكر بما تثقل به كاهلك.

- أنني ألاحظ انشغالك الدائم بالقراءة والكتابة لكنك تعلم أنني أكره الكتب ، لا يمكن أن أكون مثلك أو أن أستطيع أن أكون مثلك.

- لكنك تحب الرسم كما تحب الموسيقى ، لدينا كراسات كثيرة وألوان كثيرة ، لديك بين يديك معلم يُسمى اليوتيوب يمكنك تعلم كل ما تحب ، كما يمكنك سماع الموسيقى التي تحب ، فترة الحظر هذه يا عمار جعلتني أشعر بدفء العائلة الذي انتشله مني العمل والدراسة و اللهث خلف الدنيا ، فلتستمتع بنعم قد حرم غيرك منها ، انظر لما بين يديك ، هناك نعم كثيرة تستحق الابتسامة ؛ صمت لبرهة ثم أردفت مؤكداً : و أولها العافية.

كان ينصت لي بصمت بينما رأسه مطأطأ ، سادت لحظة صمت رهيبة قطعها صوت أمي التي تدعونا للسحور و الدمع قد جعل عينيها كبالونين منتفخين، توجهت نحوها مبتسماً ، قبلت يديها كثيراً إلى أن جعلتها تضحك ، وجهت نظري نحو عمار ففهم مغزى نظرتي ، توجه نحو أمي وعانقها ، بثت أمي دعائها للسماء ترقيه بالمزيد من الرضا، اقترب والدي نحونا ، باغتنا قائلاً:

- هداك الله يا عمار وأصلح حالك يا ولدي.
توجه عمار نحوه يقبل يديه و يطلب السماح ، و توجهنا نحو مائدة الطعام بعد أن غسلنا أيدينا جيداً ، فجأة...

صوت صراخ و بكاء ملئ الأرجاء ، خرجنا من المنزل نتبع الصوت ، كان الصوت يصدر من الطابق الرابع ، خطونا الأدراج ثلاث و أربع سوياً إلى أن وصلنا شقة خالتي سعاد ، طرقت الباب فزعاً ، فتحت خالتي الباب و وجهها المحتقن بالدماء مُلئ بالدموع ، يتبعها أطفال ابنتيها مرام و رُفيدة، تحركت شفتي بسرعة أسألها عن ما حدث بهلع ؟ صرخت بحنق شديد:

- لا تقتربوا مني ، ابتعدوا إلى الوراء كثيراً ؟.
تسمرت أقدامنا في الأرض نظرنا إليها مشدوهين، و ملامح التعجب والفزع ممتزجة على ملامحنا، باغتتها أمي بحدة:
- ما الذي حدث يا سعاد ؟ هل وقع مكروه ؟.
- عودوا بخطواتكم إلى الوراء لأخبركم ، لا تقتربوا مني.

أذعنا لأوامرها دون نقاش ، سقطت خالتي أرضاً تجهش بالبكاء ، باغتنا خروج الدكتور كريم جارنا في الطابق الأرضي من شقتها يرتدي كمامته و عينيه تفتر يميناً و شمالاً يتبعه زوج خالتي ، سألهم والدي على الفور عن ما حدث ؟ أجاب الدكتور كريم بأسى من خلف كمامته:
- مرام و رُفيدة مصابتان بفيروس كورونا !.
قاطعته خالتي بصوت يمزقه الندم:

- ظننته مجرد مرض عادي ، لم يخطر لي أن الفيروس اللعين اخترق جسد ابنتيّ.
ربت زوج خالتي على كتفها و ساعدها على النهوض لتفسح الطريق للطبيب ، أكمل الطبيب بأسى:

- حالتهما حرجة ، لهذا اتصلنا بالإسعاف ، أدعو الله لهما بالشفاء العاجل ، أرجو ألا تخالطوا أفراد هذا المنزل مجدداً ، وأن تلتزمون بعزل تام في منزلكم ، و هم كذلك حتى الأطفال منهم.

رحل الطبيب ، صفعت جبهتي ، فغرنا فاهنا مشدوهين ، بكت أمي حال خالتي ، أنزوى أبي بزوج خالتي على جنب يتحدث إليه و بينهما مسافة تقيه خطر العدوى أن كان مصاباً هو الآخر، نظرت إلى عمار قلت له مؤكداً عما حدث منذ قليل في منزلنا :

-  أرأيت ؟.

هز رأسه بأسى ، باغتنا صوت خالتي التي تجهش ببكاء حار:
- اللامبالاة هي السبب ، لم نؤمن بوجود الفيروس منذ ظهوره إلى أن طال ابنتيّ ، كنا نخرج ونذهب ونجيء براحتنا غير أبهين بالتقييد بالنصائح التي كانت تطرق رأسنا أينما توجهنا علها تعيدنا إلى صوابنا ، في التلفاز في الكتب الأوراق الشوارع الأحياء ، حتى أعداد ضحايا الفايروس لم ترهبنا يوماً ، كيف ترهبنا و نحن لم نصدقها ، إلى أن جنينا حصاد ما زرعنا داخلنا بأنفسنا ؛ غاصت بنوبة بكاء من جديد و هي تردد : تباً للاستهتار.

بكت أبنة مرام الكبرى البالغة عشر سنوات بحدة ، قاطعت خالتي تسألها:
- هل ستشفى أمي يا جدتي ، أم أنني سأغدو يتيمة من الطرفين ، لا أم و لا أب.
وضعت خالتي يدها على فم الصغيرة تسكتها على الفور بينما وجهها يعتصر ألماً تبكي بحرقة ، شهقت نفساً طويلاً ثم زفرته بحدة لتستطيع الإجابة ، قالت لها بصوت متهدج :
- ستُشفى بإذن الله.

قالت الصغيرة ليلى أبنة رُفيدة البالغة من العمر ست سنوات :
- و أمي هل ستُشفى يا جدتي ؟.

مسحت خالتي على رأسها بحنو زائد ثم أجابتها بصوت تعبث به غصة الألم:
- يا فرحة أمكِ المنتظرة بعد سبع سنين عجاف ، ستشفى.
قطع الحديث بصوت بكائه العالي الصغير فؤاد أبن مرام البالغ أربع سنوات من العمر و هو يردد:

- أريد ماما... أريد ماما الآن.
نظرت خالتي للأطفال بحرقة تجهش ببكاء حار ، عانقت الصغير فؤاد ثم نظرت إلينا بعينين ينزوي بهما الرجاء:
- أدعوا الله لهما بالشفاء العاجل.

وجهت عيناي للسماء أرجوه بدعاء خالص أن ينجيهم ، بينما أمي تغص بالدعاء فيجرج متقطعاً ، وصل الإسعاف و حمل الممرضين الملتزمين بلباس خاص يقيهم العدوى بنات خالتي ، بينما وقفنا بعيداً عنهم نراقب ما يحدث ، قالت أمي بأسى تمتزج حروفها بملوحة دموعها:
- يا ويل قلبي عليهم ، يا ويل قلبي...

ربت على كتفها ، أكملت بأسى:
- لم أستطع معانقة أختي و التهدئة من روعها ، لم أستطع الاقتراب منها أو من رُفيدة و مرام للاطمئنان عليهم يا عامر ، ويح هذا المرض اللعين!.
- فترة و ستمر إن شاء الله يا أمي.

نعم أنها مرت ، لكن ليس بالنهاية التي كنا نرجوها، أنني في المقبرة ! أضع الآس على قبر أول فقيدتين من عائلتنا ألتهمهما فيروس كورونا بنهم و تركا خلفهما أيتاماً انجبهما الاستهتار.
مر شهر رمضان ببطء مميت ، لم تمر علينا أجواء رمضان و فرحته ، كان ممتلئ بالكآبة ، تكبيرات عيد الفطر تملئ الأجواء ، لكنني لا أشعر بأجواء العيد ، لا مفرقعات مضيئة تبهج السماء ، لا أصوات للمصلين الذين خرجوا لتوهم من صلاة العشاء يهنئون بعضهم بالعيد ، الشوارع خالية من الإنس.

مرت الأيام و أخيراً رُفع الحظر مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية ، عادت الشوارع تضج في الأرجاء ، البهجة تملأ الوجوه ، و مع الوقت عادت الحياة شبه طبيعية ، عُدت للتو من جامعتي ، لا يوجد أحد في المنزل ، كل فرد منا منشغل بمهامه ، دخلت إلى الحمام على الفور و غسلت يدي جيداً و استبدلت ملابسي بعد أن أخذت دشاً سريعاً ، رن هاتف المنزل حتى مل المتصل بعد أن لم يجد رد ، خرجت من الحمام اقتربت من الهاتف لأرى من المتصل ، كان أخي الأكبر رائد المسافر إلى الخليج للعمل وتأمين مستقبل زاهر له ، توجهت نحو هاتفي المحمول فوجد المزيد من المكالمات الفائتة، عاودت الاتصال به ، جاءني صوت المرتجف ألقى سؤاله متلهفاً للإجابة:

- أين أنتم ؟ اتصلت بالجميع لم يجبني أحد حتى على هاتف المنزل ، هل وقع مكروه لأحد؟.

- لا تقلق ، ليس هناك شيء من هذا ، كل منا منشغل في مهامه ، أمي هاتفها في المنزل بالتأكيد هي عند خالتي تساعدها بأحفادها و مهامها المنزلية ، و عمار في المدرسة، و والدي في عمله.

زفر هواء القلق بشدة ، ثم قال مبتهجاً:
- سآتي لزيارتكم قريباً.
انفرجت أسارير وجهي فرحاً ، فقد مر على غيابه سبع سنوات ، باغته بسرور:
- ننتظرك بفارغ الصبر.

- لدي بعض الإجراءات مثل تحليل كورونا وما شابه ، سأنهيها ثم أحجز على الفور.
- كم ستبقى عندنا ؟ يجب أن تكون زيارة طويلة بعض الشيء ، فما مر من السنوات طويلٌ جداً على أمي بالأخص.

- في الحقيقة لا أستطيع البقاء أكثر من أسبوع ، لم يسمح لي مدير العمل بأكثر من ذلك وإلا سأطرد، و ما لم تعلمه لدي دفع أقساط الشقة التي اشتريتها من مشروعات قريبة من منزلنا ، يجب أن أكمل أقساط 70% من ثمنها حتى أستلمها لنبدأ بمرحلة الأكساء ، و المؤسف أنني بعد توقيع العقود اكتشفت أن هناك شرط جزائي ينص على أن تأخرت بدفع خمسة أقساط من ثمنها سأُحرم من المبلغ كاملاً ولا شقة لي عندهم ، و لديهم الآن في ذمتي ثلاثة أقساط واجبة الدفع ، سأسددهم عند آتي إليكم.

- ماذا ؟.
- للأسف هذا ما حصل.
- و هل والداي يعلمون بهذا ؟.
- بالطبع.
- بالتوفيق إن شاء الله.

أبهج الخبر فؤاد والدتي  و ملئت زغردتها المنزل بالبهجة ؛ أنه اليوم الموعود ، أعدت أمي مختلف أصناف الطعام التي يحبها رائد ، طرق الباب بهدوء ، هرولنا نحوه فرحين ، ننثر قُبل الحنين و الشوق ، نبتسم من جوف قلوبنا فرحين ، بينما أخي رائد ينظر إلينا مشدوهاً من تغير أشكالنا وطولنا فترة غيابه.

في مساء اليوم التالي كنا نجلس في الصالة نتحدث عن أحداث شتى حصلت في غياب أخي و نضحك من قلوبنا عند حدث مضحك ، بينما والدي يتابع نشرة الأخبار، وأمي في المطبخ تعد لنا مشروباً ساخناً ، فجأة علا صوت والدي يصرخ:

- لقد عادت فترة الحظر، تباً لهذا الفيروس اللعين.
ألتفت أخي رائد إلى التلفاز و قد أمتقع وجهه ، هرول وجلس نحو والدي بينما جسده يرتجف ، ضرب جبهته عندما علم بإغلاق المطارات ، هرولت أمي نحوه ترتجف وتربت على كتفه، علم والداي سبب قلقه كما علمت ، باغته والدي:

- لا تقلق يا بني ، لكل أمر حل ، فقط قل يا رب.
- لكن يا والدي مدير العمل أكد على أمر فصلي أن تأخرت عن موعدنا ساعة واحدة ، لدي العديد من المشاكل معه ، لقد حذرني كثيراً ، لقد ضاع كل شقا عمري يا أبي.

تجلّد والدي ثم ربت على كتفه ليشد من أزره ، مرت إجازة أخي مكللة بالمزيد من التوتر والقلق، والمطارات لا زالت مغلقة للأسف ، رن هاتف أخي ، رد بسرعة ليخبره صديقه أنه تم فصله من العمل، أغلق الهاتف وجلس أرضاً يبكي بحرقة وهو يردد:
- لقد ضاع شقا عمري، لقد ضاع كل شيء في مَهَبَ كورونا.


النهاية ....

تاريخ النشر : 2021-04-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

يوميات موسوس
نور إبراهيم - قنا _ مصر
السلام في زمن الفوضى
روح الجميلة - أرض الأحلام
طعم الورق
حسين الطائي - العراق
المرتـدّ
رفعت خالد المزوضي - المغرب
مقهى
اتصل بنا
قصص

من تجارب القراء الواقعية

الشبح خلف القفص
Nairoze - السودان
عصبية و صراخ زوجي تقتلني
مشكلتي مع تناول اللحم
عيون القطط
عذاب - سوريا
بداية النهاية
Moriarty - الأقصر اسنا
منزل جدتي
فاتن - السعودية
حب قد كسرني
عبد اللطيف - ليبيا
لماذا أنا ساذجة و مغفلة هكذا ؟
رونق - المغرب العربي
فيسبوك
يوتيوب
قصتي
عرض
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
تعليقات و ردود (9)
2021-05-12 09:16:44
421260
user
8 -
رهف
كعادتك أسلوب رائع، والعبرة قد وصلت
دام مداد قلمك
2021-05-07 23:48:54
420701
user
7 -
alice something
احببت طريقه السرد
لم أتأثر بالمحتوى لأن كل مايحدث بسبب كوفيد بالنسبة لي مجرد مسرحية ومرض نفسي لاغير ... شكراً
2021-05-01 05:10:19
419551
user
6 -
nana hlal
كتبت تعليقي هذا دون أن اقرأ القصة لسبب واحد هو انني مللت وسئمت من الحديث عن الفيروس في كل مكان في القصص والمنشورات والأخبار وحتى في النكات حرفيا في كل مكان وزمان لا أعلم متى سيصبح ذكرى وتنقطع أخباره...
2021-04-30 21:46:46
419474
user
5 -
منى شكري العبود
دمتم بخير، صحيح أنا من سوريا لكنني لست في سوريا أنني لاجئة.
والهدف من القصة العبرة فقط
دمتم سالمين.
2021-04-29 18:56:13
419218
user
4 -
مازن شلفة
قصة مبالغ فيها لأننا في سوريا نعيش في فوضى عارمة لا قوانين تطبق إلا بشكل محدود جداً والقلة القليلة هي التي تلتزم بالحجر ووضع الكمامة والحجر أصلاً طُبق لفترة قصيرة وكان بشكل جُزئي .
2021-04-29 17:09:44
419210
user
3 -
ماري
الغريب أنك من سوريا و خرجتي بهكذا قصة يا صديقتي
ففي سوريا لم تطبق الاجراءات الوقائية إلا على مستوى محدود جدا جدا جدا يعني في ذروة الفايروس المواصلات تغص بالبشر و لا كمامة ولا غيرو و هذا مجرد مثال و غيره كثير في الأفران أيضا الناس بالمئات في ظل أزمة الخبز
كان الله في عوننا
لكن في النهاية تبقى قصة لا تخلو من عبرة دمتي بخير و صحة
1 - رد من : مازن شلفة
👍
2021-04-29 18:53:06
2021-04-29 01:55:59
419119
user
2 -
عبدالله الحربي
مبدع اتمنى انزاقرأ لك قصص عن الحياه بحارات الشام القديمه تحياتي❤️🌹من المدينة المنوره
2021-04-28 16:37:09
419041
user
1 -
ملاك
قصة رائعة مشوقة مذهل ة👏👏👏
move
1