الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

رياح الحرية

بقلم : منى شكري العبود - سوريا

هنا يجد نفسه بين أسراب العصافير حيث الهواء الطلق
هنا يجد نفسه بين أسراب العصافير حيث الهواء الطلق

 
تنحنحت السماء و امتعضت الغيوم تتلبد في كبدها تنذر بأمطار غزيرة ، بينما جون يجلس على غصن شجرة ضخمة ، يكلفه الصعود إليها شقاء المقاومة والألم ، و المزيد من الخدوش التي تملئ أطرافه ، هنا يجد نفسه بين أسراب العصافير حيث الهواء الطلق ، هنا قد نثر فتات ذكرياته و أحلامه وأماله ، ليلتهما واقع يضنيه ، ولا يتبقى له سوى آلامه ، فجأة يباغت سكونه صوت صديقه مايكل الذي يصرخ بحدة ليصل الصوت إليه:

- جون ، أن السيد ابانوب يبحث عنك و يتوعدك بالمزيد من العقاب.

بدأ جون طريقه للنزول بتململ ، و كما المعتاد في النزول يحرم المرء لذة الصعود وصل حيث يقف صديقه مايكل ، باغته ضاحكاً:
- هل هو غاضب مني بشدة ؟.
حملق مايكل في وجهه مشدوهاً، ثم باغته بحدة:
- أجننت يا جون ؟، لن تهنأ بوجبتك لهذا اليوم و لن تدفئ بين طيات فراشك ، سيطردكَ خارج المنزل ترتعش من حدة البرد والصقيع وأنت تضحك ، ثم أنني لا أراك ترتعش خوفاً كالعادة.

أجابه باسماً بينما عيناه الطفولية تلألأت بماسات تقاذفت على خده الممتلئ بصفعات السيد ابانوب:

- لا زلت ممتلئ بنسمات الحرية ، في هذا اليوم استنشقتها بحدة لأعبئ رئتي بالمزيد منها.
- كفاك سخفاً يا جون ، هذه النسمات التي تتبجح بها ستجلب آخرتك.
أردف بأسى:
- أرغب بالعودة حيث عائلتي يا مايكل ، لقد اشتقت لهم كثيراً.
انهار ثبات مايكل أمام لفحات الشوق، أردف بحروف قطعتها دموع الحنين:
- و أنا كذلك يا جون ، لا زلت أذكر بسمة أمي ، و لمسات أبي ، لا زلت أذكر حجرتي ، ألعابي ، جميع أشيائي.

قاطعه جون قائلاً بحنق لعثمته شهقات ألمه:
- إلى متى سنبقى على هذه الحال ؟ أنني سئمت حياة التشرد ، لقد بلغت عامي الثاني عشر وأنا في قفص السيد ابانوب ، أحلم أن يعاملني كما يعامل كلبه على الأقل.
صمت قليلاً ليسترق النفس ، ثم أضاف بحنق:
- يجب أن أبحث عني عائلتي؟.

- كفاك سخفاً جون ، أنت لا تذكر حتى اسم عائلتك، تذكرك وجه أبيك وأمك لن يفلح بالعثور عليهم ، ثم أن السيد ابانوب سيجدك و لو كنت في قعر الجحيم ! ، ألا تذكر ما حل بدانيال عندما علم السيد ابانوب بأنه فكر بما تفكر به الآن؟.

انتفض جون رعباً و دب الارتعاش في سائر جسده ، فمجرد تذكر ما حدث يكفي ليجعل قلبه يعارك قفصه الصدري بعنف شديد ، باغته مايكل بأسى قاطعاً سلسلة ذكريات عفنة:
- هيا لنعد حيث ينتظرك يوماً أسود.

عادا سوياً بخطى ترتعش خوفاً حيث السيد ابانوب، ما أن رأه جون حتى غرق في نوبة بكاء يتخللها المزيد من الخوف والارتعاش ، تقدم منه السيد ابانوب بخطى سريعة و بدأ بجلده بسوط قد جهز للعقاب لكل مخطئ ، ثم وضعه في الزريبة بين المواشي و الدواب ، حيث الرائحة التي لا تُحتمل و الصقيع الذي يملئ المكان ، كما حرم جون من الطعام والشراب والدفء ، أغلق السيد ابانوب خلفه الباب بإحكام بعد أن أمطر جون بالمزيد من الشتائم والوعيد بعقاب أقسى أن ترك عمله بالتسول مرة أخرى واختفى.

مر يومان على فترة عقاب جون ، أخرجه السيد ابانوب و قد كان جسده النحيل ينتفض بوجل ، قدم له الطعام والشراب ، تحامل جون على نفسه لنصب جسده الذي بات كقطعة قماش بالية ، و بدأ بالتهام الطعام والبكاء في آن واحد ، بينما يرمقه السيد ابانوب بنظرات استحقار، و لسانه يكرر الشتائم والمزيد من الوعود بعقاب أقسى أن كررها، انهى جون طعامه سريعاً ، أمسكه السيد ابانوب من ثيابه بأطراف أصابعه ثم رماه أرضاً خارج المنزل ، امتلأت ثياب جون الرقيقة بمياه ثلجية ، إثر الثلج الذي غطى البلدة ليلة الأمس ، ضحك السيد ابانوب ملئ شدقيه على ارتعاش جون ، ثم صاح في وجهه بحنق شديد:

- إياك أن يحل المساء دون أن تعوض ما فات بسبب تمردك ، أفهمتَ يا فتى؟.
ثم دخل وصفق الباب خلفه فارتعشت الجدران من قبضة رجل مثله ، فكيف حال الأطفال معه؟.
اقترب منه دانيال الذي يقفز على قدم واحدة ، ربت على كتفه بأسى ثم قال له:
- هيا يا صديقي إلى العمل.

أومئ جون بينما دموعه تتعانق مع الرياح على وجنتيه فتجمد الدماء في عروقه ، ركض مايكل نحوه وعلى وجهه ابتسامة غناء، عانقه يبث له شوقه ، و بكى الصديقان بصحبتهم دانيال ؛ ما أن ابتعدوا عن المكان حتى باغتهم جون بما جعل أفواههم تنفغر وملامحهم ترتعش خوفاً:
- سأهرب!.
صاح الأثنان في آن واحد:
- ماذا !.

صرخ جون بحنق شديد:

- سأهرب ، سأبحث عن عائلتي ، لن أقف مكتوف الأيدي أمام ظلم واضطهاد السيد ابانوب لنا.

قاطعه دانيال بحدة:

- و هل هروبك يستحق ؟ ، من مجرد التفكير بالأمر قد غدوت على قدم واحدة ، أتريد أن تصبح مثلي ؟ ، ثم قل لي ما الذي في هروبك يستحق أن تجازف لأجله ؟.
أجابه جون بحنق شديد كاد أن يقتلع حنجرته:

- رياح الحرية تستحق أن أموت لأجلها.

عم صمت مطبق كلٌ منهم غارق بأفكاره ، باغته مايكل بشفاه ترتجف:
- أنت تعلم أنك تفكر بسرعة دنو أجلك يا جون، أرجوك أن تهدأ وتستسلم للأمر الواقع ، لن يجدي تمردك نفعاً ، ثم أن هربت أنت ماذا سيحل بنا ؟ ، ألم تفكر بذلك؟.
صمت جون ملياً ثم قال بتؤدة:

- ستنكران معرفتكم بهروبي ، ثم أنني لن أترككم في جحيمكم هذا.
سأله دانيال بحماس:
- ما الذي تفكر بفعله؟.
- سأبلغ عنه الشرطة ، ثم بعد أن أنتهي منه سأذهب للبحث عن عائلتي.
أجابه دانيال بخيبة أطفأت شعلة حماسه:
- لكنهم يعلمون بأمره و هم متواطئون معه.

أجابه جون بإصرار:

- أعلم ذلك ، لذا سأذهب إلى منطقة أخرى.

ذهب جون حاملاً على عاتقه أحلام وآمال تعلقت به ، وصل إلى محطة المترو ، صعد إحدى القطارات دون تحديد الوجهة لكنها الأبعد عن منطقته ، وصل نهاية الرحلة ، ترجل من القطار و وقف شارعاً يديه ، استنشق الهواء بحدة باسماً ثم زفره ضاحكاً، سئل المارة عن قسم شرطة المنطقة ، وصل مبتغاه، سُئل كثيراً عن طلبه ، لكنه أصر على جملته التي جعلته يرى مدير القسم (لأمر في غاية الخطورة) دخل إليه بعيون تعانق الأرض و أقدام ترتعش،

بهيئة تنم عن حياته المليئة بالألم والعذاب و التشرد، سأله المدير عن مراده ، ما أن سمع جون صوته حتى نظر إليه يحملق في وجهه ببلاهة ، شرد جون في ذكرياته يبحث عن صاحب الصوت والصورة التي يراها الآن ، هو متأكد أنه يوجد لهذا الشخص في عقله ملف خاص به ، فقد مر عليه قبل الآن، كرر مدير القسم سؤاله كثيراً بينما جون لا زال يحملق به ببلاهة إلى أن تملكه الغضب ، صرخ مدير القسم في وجهه بحنق شديد:

- ويحك ، ما الأمر الخطير الذي جئت لأجله يا فتى ؟.
فأجابه جون بعيون باكية بحرقة:
- أنا جون...

نظر المدير إلى وجهه مشدوهاً ، و قد استرخاء ملامحه المشدودة ، وقف و توجه نحو جون بخطى تدب الأرض فتحدث صوت ارتجاج بها، جثى على ركبتيه بجانبه بينما تزاحمت الدموع في عينيه، حملق في وجهه كثيراً ، دقق في ملامحه ، لامس وجنتيه برقة ، رفع بيده خصلات شعره الأشقر الغبراء العفراء عن جبينه ، ثم باغته بعد أن عانقه:

- ويحي ! كيف لم أعرفك ؟ لقد ذبت شوقاً إليك ، لم تتغير كثيراً ، نعم أنك ولدي المفقود جون ، لقد كبرت يا فتى.

النهاية ......

تاريخ النشر : 2021-06-24

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

حنا مسعودة - قاطنة الكهف
محمد بن علي - المغرب
الطريق نحو الخطيئة
هيفاء - المغرب
قلب من الكراميل
روح الجميلة - أرض الأحلام
لا حيلة مع أهل المكان
محمد بن علي - المغرب
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

مفارقات الحياة : لماذا ينتحر الاغنياء والمشاهير؟
الصديقة الطفيلية
ألماسة نورسين - الجزائر
لا أدري ماذا أفعل
طفل الجن والإنس
قانون الجذب
مدحت - سوريا
حلمين غريبين
رهام - تونس
كتب محو الأمية
كافية - الجزائر
سأهرب من وطني
مرام علي - سوريا
قصتي
عرض
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
تعليقات و ردود (7)
2021-06-26 14:16:01
429981
user
6 -
استيل
القصه قصيره وحلوة..ومرة

حزينة جدا ، لكن في النهاية يلتقي بأبوه وهذا احلى شيء


عندي تسائلات؟

ليش ما بحث أهله عنه؟
ليش ماذكرتي أنه يرجع ليحرر اصدقائه؟


وعندي اخر سؤال هل قصتك هذه استلهمتيها من قصة ريمي؟

وتحياتي لك 🌼
2021-06-25 15:19:23
429819
user
5 -
شموخ ملكه
قصة رائعة و ومؤثرة

سلمت يداكِ
2021-06-24 18:34:40
429716
user
4 -
شبح
قصة جميلة مليئة بمشاعر الألم و الحزن،فكم من طفل يتيم و متشرد يعيش بالشوارع بدون ملجأ أو بيت دافئ و دون سند و حنان.

اسلوب كتابي جميل أتمنى لك المزيد من التقدم و النجاح
1 - رد من : مهجة
بالله علييك....هو انت كمال،شبح القصر...اللي عايش فأمستردام؟؟؟
ممكن ترد لو سمحت؟؟؟؟؟؟؟هدخل كل شوية اشوف ردك..............
2021-06-25 12:08:32
2021-06-24 17:05:41
429689
user
3 -
جوجو
يا لها من قصة جميلة ، الكتابة شيقة والصور الفنية عميقة ، التناسق بين الفقرات مميز و القصة اللطيفة
الشعور فيها عميق
استمري وبالتوفيق :)
لكن ما اريد سؤاله هل هذا القسم فقط لقصص الرعب ام هو عام؟
2021-06-24 15:08:32
429661
user
2 -
مروة على
قصة معبرة
فكم من قلب تألم ولم يجد من يحنو عليه
فأحيانا تحمل الأقدار الإنسان إلى مبتغاها حتى لو فى وقت متأخر
2021-06-24 15:00:15
429659
user
1 -
اندرو
رائعه جدا
تشبه كثيرا من قصه" دروب ريمي"
تحياتي
move
1