الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

الثبات الانفعالي في وجه الملمات

بقلم : منى شكري العبود - سوريا

مستقبلنا كان آخر ما نطقت به ، غادرت الحياة و هي توصيني ألا نضيع شقائها
مستقبلنا كان آخر ما نطقت به ، غادرت الحياة و هي توصيني ألا نضيع شقائها


بعد سنوات طويلة و شاقة أنها سنة التخرج ، كنت أجتهد في تكثيف أوقات الدراسة و متابعة دروس أخوتي الأصغر مني ، كوني الشقيق الأكبر لثلاث فتيات ، يتيم الأب ، أعيش تحت كنف والدتي التي تهتم بشؤون المنزل والعمل لتأمين لقمة العيش ومصاريف الدراسة ، لقد استنزفت سنوات الشقاء قواها و بدأت زحفها تغزو جمالها  فأصبحت تبدو أكبر من عمرها ، لم تسمح لي أمي بالعمل يوماً، كانت كالطود العظيم في وجه الملمات.

- أرجو من الله أن يوفقك يا عمار.
-  و أرجو من الله أن يوفقني لما أرنو إليه لأسعدكِ يا أمي.
- قد اعتدت الحياة هكذا يا عمار ، ثم أنني سعيدة.
- أمي ، ملامح التعب قد بدأت تغزوكِ ، ألا تشعرين بذلك ؟ ، أني أخشى عليكِ من أذى قد يصيبك فجأة.

نظرت نحوي بعينين فاضت فجأة بالدموع ، ثم أردفت قائلة بكمية حزن جامحة لم اعهدها منها:

- لقد فقدت الإحساس بمرور الأيام ، تركت جزء منه ينام عند قبر والدك ، و الجزء الآخر ينام عند معاقل مستقبل أرجوه لكم ، لا أخفيك يا عمار منذ رحيل والدك وأنا أختنق بألم تأن منه روحي.

حاولت أن أكبت الشعور الذي راودني ، لم يكن بوح أمي مجرد كلمات ، بل كان مسدس محشو بطلقات مليئة بمشاعر الأسى والحزن و الإرهاق أصابتني في وجداني ، كنت أشعر أن أمي بدأت تنطفئ ، خشيت الفكرة ، تعاركت معها في أعماقي، استعدت رباطة جأشي ، خطوت نحوها بوجه يزرع الابتسامة على شفتيه عنوة ، باغتها أتجرع عطفها:

-  أمي أنها سنة التخرج ، إنها السنة الأخيرة.
ابتسمت من أعماق قلبها ، نسفت بكفها الخشن قطرات الدموع التي بللت وجنتيها ، قبلت جبيني ثم أردفت برقة:

- سأفتخر بك على الدوام ، هيا فلتعود لدراستك فالامتحانات النهائية شارفت على الوصول ، إياك أن يداهمك الوقت يا بني.

كثفت أوقات الدراسة أكثر ، واصلت الليل بالنهار، كل ما تبقى لدي من وقت مجرد يومين على بداية الامتحانات النهائية.

 استيقظت صباح اليوم على جلبة هائلة وعويل و صراخ ، ركضت أتبع الصوت لأجد أخوتي الثلاثة يقفون فوق رأس أمي و ينتحبون بحدة ، أبعدتهم عنها ، وجدتها ترتجف بحدة ، عيناها تحملق في سقف المنزل ، سألتها بصوت قلق قطع الحروف أرباً:
- ما بكِ يا أمي؟.

رفعت كفها بجهد بالغ عانقت به وجنتي، ثم أشارت لي أن اقترب منها ، ثم همست في أذني بصوت تحشرج في حلقها:

- ستكون كما عهدتك فلتعدني ، إياك أن يضيع شقائي في مهب الريح.
تقاذفت الدموع من عيني تغسل وجهها ، ثم ابتعدت عنها و صرخت بحدة في وجه أختي علياء:

- فلتطلبي الإسعاف على الفور، سنفقدهـ......

لم أكمل كلمتي حتى بدأت أمي تشهق أنفاسها بحدة، حاولتُ التشبث بالحياة كي لا تفارقها ، رجوت الموت أن يدعها وشأنها ، انتحبت أمامه ، تذللت إليه ، ازدحم المكان لكنني لست هنا ، نقلنا أمي إلى المستشفى ، كل شيء مضى كوميض سريع ، أشعر أنني في حلم ، توقف كل شيء عندما قال الطبيب:

- البقاء لله.

سقطت على كرسي كان بجانبي فقدماي غدت هشة لم تعد تقوى على حملي ، لكمت جبهتي ، سمعت أنين قلبي ، صرخ أخوتي ، استهجنت أختي علياء تصرخ:

- أمي لم تموت ، كيف لها أن تموت و هي في صحة جيدة ؟ ثم أن العجز لم يعرف دربها ، لا زالت أمي صغيرة السن على مجابهة الموت.

توجهت نحوي أختي سماح باكية ، جلست القرفصاء وتشبثت في عضدي ، صرخت في وجهي بحنق شديد:

- فلتفعل شيء يا عمار.

تبعتها أختي علياء وليلى ينظرون إلي بعيون تنتحب يرجوني أن أفعل شيئاً ، عانقتهم قائلاً:
- لقد ابتلعها الموت ، لقد انتهت.

تنحنحت الشمس و زحفت خيوطها الذهبية معلنة فجر جديد ، دوران الأرض لا يقف عند فقدان عزيز علينا ، نظام الكون لا ينتظر مضي الألم ، أن لم نجري معه فسيسبقنا ، و أن سبقنا سنبقى ورائه أبد الدهر ، عندها لا ينفع ندم ولا سعي.

قلبي يئن من الألم المفرط الذي أصابه ، نظرت نحو أخوتي بعجز ، لملمت فتات الطاقة المتبقية وتوجهت نحو علياء ، رفعت رأسها ونظرت نحوي ، كتمت شهقاتها خلف كفها الناعم وغاصت في نوبة بكاء عارمة، جلست القرفصاء أنظر إلى وجهها المخضب بالدمع، باغتها قائلاً:

- ثم ماذا ؟.

أجابتني بحدة:

- سأبقى أبكي إلى أن أحشر في حلقوم الموت و يلتهمني.
- هل كان شقاء أمي لا يعنيكِ إلى هذا الحد يا علياء؟.
حدقت بي بنظرة ارتياب، ثم أضافت بصوت جلجل في المكان:
- بالله عليك يا عمار أنني اختنق ، لم يعد يغريني من نعيم الحياة شيئاً ، بالله عليك دعني و شأني.

أضفت بهدوء شديد:

- سأدعكِ بعد أن تجيبيني، هل سيرضي أمي ما تقولينه و إن غدت تحت التراب ؟ ، مستقبلنا كان آخر ما نطقت به ، غادرت الحياة و هي توصيني ألا نضيع شقائها.
صرخت بحدة جعلت الجميع ينظر لي لأنهي حديثي معها:

- تباً للمستقبل و تباً للدراسة ، و تباً لكل شيء ، أنني لا أرغب سوى بموت يعانقني فجأة.
أجبتها بحدة:

- لكنني سأكمل ما بدأته أمي يا علياء ، لست أناني لأضيع شقاء أمي هباءً منثوراً.


النهاية .......

تاريخ النشر : 2021-07-01

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

بضع قطرات
روح الجميلة - أرض الأحلام
هدية عيد الحب
وفاء محمد - مصر
رياح الحرية
منى شكري العبود - سوريا
حنا مسعودة - قاطنة الكهف
محمد بن علي - المغرب
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

المتسولون الأغنياء
استيل - اليمن
ماذا ستفعلون لو أصبحتم مخفيين؟
حلمت بأنني أركض على جسَر
رُقَية - العراق
خطب ما
مجهولة
الشيطان يرتدي تنورة
سارة زكي - مصر
هاي جريف
ميرنا أشرف - مصر
كسرة النفس
سليمة - ليبيا
أحاجي الفراعنة :جرائم غامضة وألغاز مظلمة
قصتي
عرض
التعليق على هذا الموضوع مغلق حاليا
تعليقات و ردود (6)
2021-07-13 21:23:53
432723
user
5 -
متابع من الصامتين
احسنت ...ما اقساها الحياه
2021-07-04 19:12:30
431372
user
4 -
حمرة الغسق
💔
2021-07-04 08:55:24
431285
user
3 -
عدنان اليمن
أخي العزيز الغالي

عظم الله أجركم أخي , ورحمه الله على والديك واسكنهم الجنه.

أخي الحبيب حفظك الله , والدتك رحمه الله عليها أكملت مشوار والدك رحمه الله عليه لتصلوا إلى بر الأمان (تأهيلكم للحياه) .
والان المسوليه عليك أخي فاكمل مشور سُلاله النبلاء ودم الانبياء أيُها الشامي الاصيل.
أخي الان مسوليه خواتنا عليك , فامك رحمه الله عليها تركت فراغ , فانت الان الام والأب والأخ , فارعى خواتنا كما كانت أمك رحمه الله عليها ترعاهم.

.....
2021-07-01 21:41:45
430935
user
2 -
شبح
قصة حزينة و مؤلمة،مليئة بالعواطف و المشاعر،أيضاً إن الحياة لا تتوقف عند موت عزيز علينا،يجب أن نكمل حربنا في هذه الحياة من أجل تأمين مستقبلنا حتى نترك خلفنا أولاد يدعون لي أو اترك مصحف في أحد المساجد يكون حسنة جارية لكل من يقرأ منه
2021-07-01 15:14:56
430871
user
1 -
اية
قصص مليئة بالعاطفة والإنسانية كالعادة، ليتها كانت أطول، متحمسة للمزيد من إبدعاتك
تحياتي لك وتقديري
1 - رد من : عدنان اليمن
هذه ليست إبداعات , هذه حقيقه حدثت وتحدث في البيوت الصامته , يموتون لتستمر حياه الاجيال , لتصل الاجيال إلى الفجر , يموتون وكلماتهم

لاتدفنونا بالدموع.....
وخلدونا بالصمود......
بِحُباً نثرنا حياتنا......
ليشروق فجركم ولو كنا بالقبور......
فلا تضعفوا من بعدنا.....
2021-07-04 08:58:47
move
1