الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : قصص من واقع الحياة

سأهرب من وطني

بقلم : مرام علي - سوريا

سأهرب من هذه الخيمة و من موطني و من ذكرياتي و من أحزاني إلى مكان لا أعلمه
سأهرب من هذه الخيمة و من موطني و من ذكرياتي و من أحزاني إلى مكان لا أعلمه

اخفض رأسك و سد أذنيك لقد جاءت.

جاءت بلا رحمة تسقط على رؤوس الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ، جاءت من دون سابق إنذار أو موعد .

مع مطلع صباح اليوم اشتد القصف على مدينتنا و بالأخص الأحياء التي نسكن فيها ، فأسرعت أنا و إخوتي الصغار و أمي بالدخول إلى الغرفة الصغيرة ظناً منا أنه هنا مكان آمن.

فجلسنا في حضن أمي و كنا ، أربعة أخوة ، و لقد استشهد أبي منذ فترة ليست ببعيدة ، و كلما سمعنا صوت طلق ناري غطينا رؤوسنا وآذاننا في حضن أمي خوفاً من سقوط القذائف على منزلنا ، بقينا على هذه الحالة لمدة ساعتين ونحن نسمع تراشق النار .

لقد كان المكان حالك بالسواد فالقذائف لم تقضي على البشر فقط بل قطعت الكهرباء ، وعندما هدأ القصف و أصبح الجو ساكناً أردنا الخروج ، لكن أمي لم تسمح لنا حتى نتأكد أنه لم يعد خطر ، وانتظرنا قليلاً حتى جاءت قذيفة على منزل جيراننا و جاءت إلينا قطع الشظايا و لم نعد نرى غير الغبار و لم نعد نسمع غير صوت البكاء والصراخ : يا الله ماذا حدث ؟ أرجوكِ يا أمي دعينا نخرج من هذا البلد ، أرجوكِ ، لكن ماذا ؟ لا أسمع صوت أمي ولا أختي الصغيرة ، ما الذي حدث .
 
اقتربت من أمي و وجدت دماء تسيل منها و في حضنها أختي الصغيرة ، أمي ، أمي أرجوكِ اسمعيني ، أرجوكِ ، هيا يا أمي أرجوكِ دعينا نذهب ، لا تتركينا هنا ، و بدأ أخوتي بالبكاء والصراخ أكثر على منظر أمي ، لقد جاءتها شظايا القذيفة من كل مكان ، حتى أختي الصغيرة لم تسلم من القذيفة ، و بقينا على هذه الحالة إلى اليوم الثاني.
 
و نحن نبكي و نستغيث فقد رحل أغلب الجيران و أصبحت الحارة خالية تماماً ، إلى أن جاء عمي في اليوم الثاني و قال لنا : هيا لنذهب من هنا ، سيتجدد القصف بعد قليل ، فقلت له : لن أذهب و أترك أمي و أختي هكذا ، فقال لي : ما العمل ؟ لقد رحل الجميع و هذا المكان خطر جداً ، فسلمت أمري لله و قمنا بدفن أمي و أختي في حديقة منزلنا على عجل ، و طول الطريق أفكر في هذه الأيام التي مرت بنا ، فقدت أبي و أمي و أختي و لا أعرف ما الذي ينتظرنا ، إلى أن وصلنا مع بيت عمي إلى مخيم بعيد عن مدينتنا ، يا الله ما هذا ، هل سنعيش هنا ، هل سنبقى في هذا المكان ، يا الله ما الذي حل بنا ، ما الذي حل بعائلتي و بمدينتي ،

إلى أن جاءني صوت زوجة عمي القاسية تقول لي : هيا نظفي هذه الخيمة لتسكني فيها أنتِ و أخوتك ، فخيمتنا لا تتسع لعائلتنا و لكم ، فقلت لها : نعم سأنظفها ، كانت خيمة مهترئة و وسخة جداً لا تحمي من حر الصيف ولا من برد الشتاء ، نظفناها أنا و أخوتي و جلسنا بها و كنا نعمل أنا و أخوتي كالخدم عند عمي و زوجته و أولادهما ، فكانا لا يعاملانا معاملة جيدة و كانوا يأخذون حصتنا من المساعدات والأغذية ، و كنا نعمل بجمع الحطب والبلاستيك و كان الجو بارد جداً في هذه الأماكن ، و لكن ماذا سنفعل ؟ فقد كانت تهددنا زوجة عمي إن لم نعمل فلن نحصل على وجبتنا بالغداء ، و كنا نأكل وجبة واحدة ، و أصبحت كالأم لإخوتي أطعمهم و أغسلهم و أعلمهم و أحافظ عليهم ، فأنا الأخت الكبيرة لهم ، و كنا نجلس كل مساء نسترجع ذكرياتنا حول نار الحطب المشتعلة و نذكر كم كانت عائلتنا سعيدة قبل سبعة أشهر ، فقط منذ سبعة اشهر فقد تحولت حياتنا لجحيم منذ وفاة والدي ، و نذكر مدرستنا وحارتنا و أصدقاؤنا ، لكن من مستحيل عودة تلك الأيام .

 إلى أن سمعت صوت زوجة عمي تناديني من خلف الخيمة  فذهبت اليها ، و قالت لي : لقد جاءك عريس ويريد عمك أن يزوجك بشاب ثري ويريد الشاب أن تذهبي معه إلى خارج المخيم ، لكن أنا غضبت هنا و قلت لها بأني لا أريد الزواج و أريد تربية أخوتي ، فغضبت و قالت : إن لم توافقي على الزواج سأقوم بحبسك في الخيمة أنتِ و أخوتك و سأمنع عنك الطعام ، دخلت خيمتي وعيوني مليئة بالدموع و ألتف أخوتي حولي : ما بك يا أختي ، و أنا أقول لهم لا شيء ، هيا نامو ، و ثاني يوم جاء عمي يهددني بأن أوافق على الزواج و إلا سيفعل بنا ما لا يحمد عقباه ، فقلت له : إما أن آخذ أخوتي أو لا أتزوج أبداً و هذا قراري.
وعند المساء ذهبت للحمام وعندما عدت إلى الخيمة لم أجد أخي أيمن ، بحثت عنه كثيراً لكني لم أجده ، و ذهبت إلى خيمة عمي.

- عمي أرجوك لم أجد أخي ايمن ، أين ذهب؟.

عمي بكل برودة أعصاب : لا أدري أين ذهب ، ابحثي عنه فقد تجدينه يلعب مع الأولاد .
 بحثت عنه لكن لا جدوى ، و بحثت و بحثت و بقيت على هذه الحالة لمدة يومين ، و بعدها رأيت الناس مجتمعة حول شيء لم أعرفه ، و اقتربت لأرى ماذا يحدث ، وهنا كانت الصدمة ، فقد وجدت أخي و أصبحت أصرخ : أخي ايمن أرجوك هيا استيقظ ، لكن لا حراك به ، فقد سُلبت جميع أعضاءه من القلب و الكليتين و كل شيء ، لقد قتلوه و شوهوا جسده الطري ، كيف فعلوا ، هذا كيف طاوعتهم قلوبهم ؟ و أنا أبكي و أنتحب عند جثته و أصرخ .

فأصبحت أجلس في الخيمة لا أخرج منها أبداً ، انا و أختي وحيدتين حزينتين.

و بعد شهر جاء عمي ليعيد الطلب على زواجي ، و لكن هذه المرة غير ذلك العريس ، فقد كان عمره في الستينات بينما أنا لم أتجاوز العشرين ، و جاء عمي بنبرته القاسية و توعده لي ، لكن لا ، لم أعد مثل قبل فقد تحملت كثير من الصدمات ولن استسلم ، و عندما سيحل المساء سآخذ أختي و نهرب من هنا إلى غير هذا المكان ، و ليس لدينا شيء إلا التوكل على الله ، سآخذها و سنذهب بعيداً كي لا أصبح أنا ضحية زواج مدته شهرين فقط للتسلية  و بعدها أتزوج غيره ، سأهرب كي لا تصبح أختي خادمة عند زوجة عمي و أولادها ، سأهرب عسى أن نجد طريقاً نسلكه بسلام ، سأهرب من هذه الخيمة و من موطني و من ذكرياتي و من أحزاني إلى مكان لا أعلمه.
 
هذه قصة صديقتي و قد أحببت أن أسردها لكم قصة حقيقية ، أسأل الله لها التيسير في أمورها.

تاريخ النشر : 2021-07-30

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

القدر
نورالدين الجزائري - الجزائر
ما يُكنّه قلبي
ورد - الكويت
مخيف ومجهول بذات الوقت!
غريبة في عالمي - سوريا
استشارة
محمد - بلد المليون شهيد
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

المتسولون الأغنياء
استيل - اليمن
ماذا ستفعلون لو أصبحتم مخفيين؟
حلمت بأنني أركض على جسَر
رُقَية - العراق
خطب ما
مجهولة
الشيطان يرتدي تنورة
سارة زكي - مصر
هاي جريف
ميرنا أشرف - مصر
كسرة النفس
سليمة - ليبيا
أحاجي الفراعنة :جرائم غامضة وألغاز مظلمة
قصتي
عرض
التعليق على هذا الموضوع مغلق حاليا
تعليقات و ردود (22)
2021-08-08 17:53:24
437581
user
14 -
ياسمين
اتمنى ان تأتى الى مصر😢
2021-08-05 19:39:40
437138
user
13 -
حياة
😔😢
2021-08-05 15:46:20
437083
user
12 -
مادارا اوتشيها
المفترض ان يعامل العم ابناء اخيه مثل ابناءه
كنت اظن ان قلبي قاسي لكن اكتشفت بعد قراءتي للقصة انني اكره من حولي ولذلك لا احزن عندما يصيبهم شيء
2021-08-01 12:34:08
436316
user
11 -
رولا
والله و جعني قلبي من القصة كان عليها الهروب من البداية قبل ان يقتل اخاها
2021-07-31 13:19:32
436100
user
10 -
زهرة الياسمين
طيب حبيبتي انتي كيف عرفتي كل هالتفاصيل عنها! هل معها جوال ام عن طريق اشخاص ام قريبه منها!
قصتها مؤلمة بشكل كبير امانه طمنينا عنها وحاولي تجمعي مبلغ او تنشري على الفيس بلكروبات قصتها لعلها تتعثر بولاد حلال ويساعدوها🥺
1 - رد من : مرام علي
عن طريق الجوال
احاول قدر مستطاع التخفيف عنها والحمد لله تيسر لها الخروج الى بلد آخر
2021-07-31 14:59:47
2021-07-31 02:09:35
435969
user
9 -
مها..الخليج العربي
يا ليتني لم أقرأ هذه المشكله
قلبي وجعني .. يا رب ساعد كل محتاج و ألطف بحال الجميع يا رب يا رب.
1 - رد من : مرام علي
سلامة قلبك ...آمين كان الله بعون الجميع
2021-07-31 15:00:45
2021-07-30 23:18:02
435958
user
8 -
المهدي
اعلمي ان الفرج قادم و ان الحياة ستتحسن اليمن كذالك يعيش نفس المأساه.
1 - رد من : مرام علي
إن شاء الله بالفرج العاجل لجميع المسلمين
2021-07-31 16:50:34
2021-07-30 23:02:42
435957
user
7 -
هاني
لاحول ولا قوة الا بالله
2021-07-30 18:19:58
435922
user
6 -
molly
هل المخيمات التي تعيشين فيها في كردستان العراق ؟
1 - رد من : مرام علي
انا اسكن في مدينة سورية ولكن صديقتي هي من كانت في مخيمات سوريا
2021-07-31 17:03:25
2021-07-30 17:54:26
435915
user
5 -
ياسر
وهسة شو اخبارها يعني هربت من عمها ووين راحت
1 - رد من : مرام علي
الحمدلله وجدت اولاد الحلال وساعدوها وذهبت الى بلد آخر
2021-07-31 16:51:36
2021-07-30 14:12:26
435879
user
4 -
إنسان ميت
الله يعينها على ما ابتلاها و اصابها هي و شقيقتها
فعلاً الاب سند للعائلة و بموته يُقصم ظهر عائلته
اتمنى ان ينال عمها الحقير اشد العقاب هو و الافعى زوجته و ان تخرج صديقتك و شقيقتها من هذا الوضع السوداوي و تبتسم لهما الحياة
1 - رد من : مرام علي
آمين اتمنى من الله ان ينالو عقابهم عاجلا غير آجل
2021-07-30 17:13:06
2021-07-30 14:00:09
435875
user
3 -
صاعد
هذه المصائب والحروب يتحملها من لم يكونوا بالأتقياء البررة، ولا بالأقوياء الفجرة!!
2021-07-30 13:57:07
435873
user
2 -
جوجو
لا اعلم قد اضطرب قلبي وانا أقرأ
تضاعفت نفسي و شعرت بالأسى
هذا الكلام لصديقتك :
يا صديقتي لا تعلمي ما هي حكمة الله ، ربما اراد الله لعائلتك ان لا يعانوا اكثر فقربهم اليه و اخذ ارواحهم بإذن الله لمكان اجمل ، وربما تركك انتي و اختك على قيد الحياة حتى تدعي لهما
يا صديقتي انتي في بداية العمر ولا تعلمي بالتأكيد سيكتب الله لكي كل خير
وسيعوضك اضعاف هذا الأسى و الألم
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)

والله قال وبشر الصابرين ، فيا ترى ما هو بشرى هذا الصبر؟
يا صديقتي عند الله لا يضيع شيئا و بالنسبة لمرت عمك سيحاسبها الله خاصة بأنها تقسو على ايتام وتظلمك
يا صديقتي لستي انتي من تعاني ، كلنا نعاني لكن بمختلف الاشكال ، وكلنا قد ابتلينا بشئ

فالدنيا دنيئة ، لا يوجد فيها فرح مكتمل

وتأكدي سيعوضك الله ، ففترة صعبة بحياتك لا يعني انها ستكون كلها صعبة و قاسية

سيبدل الله حزنك الى فرح ، وسيعوضك فالله لا ينسى
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)

فأسأل الله بأن يفرح قلبك قريبا وييسر لك كل خير ويبعد عنكي كل اذى
1 - رد من : مرام علي
شكرا لكي على هذا الكلام اللطيف جوجو
اسأل الله الفرج لجميع المسلمين
2021-07-30 17:12:25
2021-07-30 12:33:23
435849
user
1 -
شخصية مميزة الى صاحبة المقال
لم اجد ما اقوله الا اعانها الله من المفروض ان عمها يقوم بحنايتها لا ان يبيهعا بأبخس الأثمان لكهل في ال60 من عمره
1 - رد من : مرام علي
صحيح انه عمها ولكن لايحمل بقلبه الا حب المال حسبناالله ونعم الوكيل اعانها واعانناالله جميعا
2021-07-30 17:10:16
move
1