الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

خواطر متشرّد

بقلم : رجاء شنوفي - المغرب
للتواصل : [email protected]

خواطر متشرّد
من سيأخذ مكاني و ينزوي تحت عمود الإنارة ؟


-أنظري إلى ذلك المجنون , بالقرب من عمود الإنارة !!

- لا أظنه مجنون .. أعتقد أنه متشرّد يبحث عن مأوى , يقيه من صقيع هذا اليوم البارد .. و لعلّه وجده بين أكياس القمامة تلك .. هيا دعينا نصعد إلى الحافلة قبل أن ينتبه إلى وجودنا , و يرشقنا بطعام الأسبوع الماضي .

- معك حق .. هيا بنا .. 

لما كانتا ترمقانني بتلك النظرات الساخرة الباردة , و كأنهما تشمئزّان من فكرة أنني أتنفّس نفس هوائهم ؟! الم تريا من قبل , شخصاً أخذت منه الحياة أكثر مما أعطته !

أنا لم أولد مرتدياً هذا المعطف الرثّ , المرقعة ثقوبه بقطعٍ مختلفة الألوان .. و لا هذا السروال المهترىء الذي أكاد أسمعه يتوسّل لأنزعه عنّي , حتى بات ارتداؤه كعدمه ..

و رغم ذلك , فهو الذي يبقيني في خانة "المتشرّد" , لأني ما ان انزعه حتى أتحوّل إلى "مجنون" ..

اما قبعتي السوداء الغالية ، فلم أعد أتذكّر متى ارتديتها أول مرة !  فشعري العثّ لم يرى النور , منذ ان حصلت عليها .. أو ربما اكون سرقتها !.. أو أهداها لي أحدهم .. لا اتذكّر !

..آآآه ! و هل سيشكل ذلك أيّ فرق !! صرت متأكداً الآن أكثر من ذي قبل , بأنني لم أولد هكذا 

و بعد كل هذه السنوات التعيسة ، مازلت لم أعتدّ بعد على توسّد الأرض الرطبة كل مساء..

يا ترى ! على ماذا ينام أصحاب المنازل الفخمة ؟ أيعقل أنهم يلتحّفون أطناناً من الجرائد كل ليلة ؟ أم لعلّهم ينامون على أرضية دافئة جافة !

..مهلاً ! .. ذلك الصغير الحقير ! ما الذي يحاول فعله بعشائي ؟!

-هااايّ !! أترك ذلك الكيس أيها القزم !! نعم أهرب !! أيها الجرذ الحقير قبل أن أمسك بك , و اعلّمك بأن لا تعبث بأغراض غيرك !!

هآقد ذهب .. لعلّني كنت قاسياً عليه بعض الشيء ! .. لكن لم عسايّ ان أشفق عليه , ما دمت بنفسي لم أشعر بهذا الإحساس من قبل !!

لكن هذا خطأ .. و ان كانت الحياة قاسية عليّ ، فلا يجب أن تمنعني من التصرّف بلطف ..

الظاهر أن قساوة البرد , اتعبت أفكاري.. " لطافة "! .. ههههه... و من سيقدّر لطافة رجلٍ على عتبة الجنون ..

..ماذا ! .. لا !! اللعنة .. ليس الآن ..كم تزعجني قطرات المطر .. انها تخترق قبعتي الغالية و تلمس فروة رأسي.. حتى شعري العثّ لم يعد يقيني منها , بل صرت اشعر بها و كأنها تتساقط على رأسي كضربات سكينٍ , تؤلم و لا تقتل ...

آه أيها الموت العزيز !! أما تزال بعيداً عني , أم أن موعدنا اقترب ؟.. يبدو انني سأموت , و انا مازلت لا اذكر ان كنت سرقت قبعتي الغالية , أم وجدتها صدفة ! اليس هذا مثيراً للشفقة ..

..طيب يا ترى , ما الذي سيحدث بعد ذهابي عن هذه الحياة ؟ من الذي سيأخذ مكاني هذا و ينزوي تحت عمود الإنارة , الذي أصبح نوره لا يكاد يُرى ؟ و من سيتوسّد هذه البقعة الرطبة , التي أصبحت مزدحمة بأمثالي ؟ و من سيرث معطفي و سروالي ..و قبعتي الحبيبة ؟

....لا لااا !! لن أدعهم يسلبونهم منّي , كما سلبوني كل شيءٍ آخر في حياتي !! سآخذهم معي إلى القبر , حتى يقونني من نخر برد الشتاء لعظامي , و يؤنسوا وحدتي صيفاً .. مع انني لا أدري إن كنت سأحسّ بالفصول و انا تحت الأرض , كما أحسّ بها فوقه .. لكن يظلّ الإحتياط واجب

.. آآه ، يا له من شعورٍ مريح ! لعلّ التفكير قد جرف بأحاسيسي بعيداً , حتى ما عدت أشعر بالبرد .. كم هذا غريب !

و انطفأ عمود الإنارة ...


تاريخ النشر : 2016-02-11

أحدث منشورات الكاتب : لا توجد مقالات اخرى
انشر قصصك معنا
أحمد محمود شرقاوي - مصر
منى شكري العبود - سوريا
أبو عدي - اليمن
أبو عدي - اليمن
فرح - الأردن
براءة روح - أرض الله الواسعة
ابنة ادم
امرأة من هذا الزمان - سوريا
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
تعليقات و ردود (20)
2016-08-13 12:26:14
110760
20 -
احتمآلؤهه
الله الله عليككك
2016-03-03 12:29:46
80310
19 -
الهجوم الانتحاري
قصة جميلة رغم عدم ميلي لهذا النوع من القصص عادة فعند قراءتي لها اشعر بضيق شديد لتذكري ان في العالم مساكين كهذا المشرد.لااريد اطلاق هذا اللقب عليه فبعد قراءة خواطره يبدو انه ذو تفكير مميز لا يهاب مواجهة واقعه
2016-02-26 03:36:51
78411
18 -
الناصح
قصـتك تذكرنآ بمن يعيشـون في الشآرع الذي لا يرحم الله يعينـهم

آحسنـت النشـر , لكن هل إنطفآء عمود الآنآرة يدل على فقدآن

المتشرد الحيآة ؟
2016-02-25 13:20:29
78316
17 -
Omar H¤Nower
ذكرتني بقصة فتى السلم خاصة عندما جاء الطفل وصاح عليه هااااي ايها القزم اترك عشائي ههههه
2016-02-15 02:46:03
76721
16 -
لميس
شكرا قصة اعجبتني واثرت فيا الله يرحمهم برحمته
2016-02-15 02:17:09
76716
15 -
مغربي
احسنت رجاء قصة مؤلمة تنتمي لفئة الكوميديا السوداء .. وواقعية.. دكرتني بقصة بائعة الكبريت . ملاحظة هناك بعض الاخطاء الإملائية مثل يرمقانني الصحيح يرمقاني . يسلبونهم مني يمكن ان نقول يسلبونها مني فهي تستعمل للمفرد والجمع . انصحك بالقراءة كثيرا لصقل موهبتك .
هناك كتّاب كبار للقصة القصيرة مثل يوسف ادريس . مثل قصته الرجل والنملة وأرخص ليالي . ويمكنك ان تشاركي في مسابقة BBC للقصة القصيرة وستربحين جائزة مهمة هههه . اتمنى لكي التوفيق ... عبد المالك
2016-02-13 12:42:08
76553
14 -
Star
مؤلمة :
2016-02-13 07:14:11
76508
13 -
ام عمر
یاألهی کم هذا مؤلم‎;(‎
2016-02-13 06:23:22
76500
12 -
نا نا 13 / 2 / 2016
اﻻخت رجاء شنوفي من المغرب

عزيزتي انت كاتبه رائعه بحق . قصه تفيض باﻻحاسيس . تلك اﻻحاسيس التي بتنا نفتقدها ...صارت تضيع منا وتتﻻشى في زحمة الحياة .ولك اسلوب جميل مبدع . اخذتنا بنقله رائعه الى عالم المشردين .ظننت اني انسانه غريبه وحدي من يفكر بهم ويخاف نهايتهم . احمد الله ان هناك احدا غيري . بعض المشردين كنت اعرفهم عن قرب خصوصا اولئك الذين يفترشون طريقك المعتاد كل يوم بعضهم من يعترضك وبعضهم من يقبع صامتا تعتاد وجوده او تعتبره عﻻمه فارقه يستدل بها كجزء من الطريق تراهم كل يوم بنفس المكان حتى يصيروا جزءا من ذلك الرصيف وربما جزءا من يومياتك ..
طالما سالت نفسي كيف آلت بهم الحياة الى هكذا نهايه . هل يمكن للحياة واﻵخرين ان يديروا ظهورهم الى هذا الحد .
نعم هكذا تفعل الحباة احيانا بالمغفلين والطيبين لتنتهي حياتهم على ارصفتها عند اقدام اقرب حاوية قمامه .
هناك مشهد علق بذهني من سنين اراها تبدو بعيده .. كان ذلك في بيروت تحدبدا عند مطعم بربر ..شاب وسيم يبدو في الثﻻثينات من عمره واقفا على احدى الحاويات القريبه يلتقط اكياسا بها بعض بقايا الساندويشات ..والغريب انه كان مستمتعا ويأكل بنهم شدبد ..
ربما نسير ونحن ﻻ نعلم ان تحت اقدامنا تقبع هاويه . او ربما هي ثقه في غير محلها او زلة لسان او زلة قلم او زله من اي نوع توصل اﻻنسان الى ان يكون انطفأء عمود اﻻناره هو النهايه الرحيمه ..

نا نا
2016-02-12 16:02:15
76443
11 -
عابرة بين الايام نمضي
محزنة للغاية..اللهم أرحم ورأف بحال الفقراء يارب ..البارحة كنت افكر مليئاً بهم وكيف هي حياتهم
واليوم ارى قصة تتكلم عن واقعهم ..
2016-02-12 16:01:55
76442
10 -
المستجير بالله
اخر سطر
وانطفا عمود الانارة وليس عامود الانارة
شكرا قراتها لاخر حرف

الى ناطحة السحاب
اسمك المستعار كلما قراته اشعر انكي ستنهارين
وتقعين علي وتهشمين جسمي بل ستطحنيه وتسويه بالارض
اسمك ارعب عندي من اي قصة رعب
2016-02-12 15:36:19
76437
9 -
aya gharian
قصة رااااااااائعه جدا لقد احببتها احسنتي
2016-02-12 11:05:43
76379
8 -
كارمن
مؤثرة جدا
2016-02-12 10:43:37
76375
7 -
seema
مؤلم ..!!
2016-02-12 07:47:39
76358
6 -
جودي - فلسطين
موجعة ومؤلمة جدا..
خاصة انه هنالك الملايين من المشردين في كل انحاء العالم مأساتهم لا تقل عن مأساة هذا الرجل المسكين، فليرحمهم الله..
احسنت عزيزتي :)
2016-02-12 06:40:32
76348
5 -
ناطحه السحاب
جميله ومعبره رجاء..واسلوبك جيد
خصوصا بالخاتمه..وانطفاء عمود الاناره..
اغلب الناس اما يشعرون بالشفقه التي لا تتبعها مساعده
او يشعرون بالاشمئزاز..
كانت تسكن بالقرب مني في صغري بالدور الارضي اسره فقيره جدا تكاد تكون معدمه عملهم هو تلميع السيارات ومسكنهم كالجحر..فاحضروا مره ريسيفر صغير..كانت الام في منتهي السعاده والفرحه وهي تتوسل لي ان اساعدها في تركيبه
لم اكن حينها اعرف معني المعاناه..فتعجبت من فرحتها الشديده فسالت ابنه عمي فقالت لي
ان اولا ئك الناس بالكاد يشاهدون تلك الاشياء بالمقاهي بالشوارع وبالنسبه لها هذا الريسيفر معجزه ان يدخل بيتها ليس مثلنا بغرور قالت ولد ناوملعقه من ذهب بافواهنا..
كنت دوما اتمني ان اسكن بقصر وان يكون لدي الكثير من المجوهرات كاي فتاه صغيره حالمه..
لكن اظن انه من يومها علمت انني حقا بقصر وان الانسان يجب ان يتعظ ممن هم اقل منه شانا لا اعلي..
وان نعم الله علينا لا تحصي..ومع هذا نذم تلك النعم دوما..ونقول ماذا اعطاني ربي..
لقد فضل علي الكثير من خلقه...

الحمد لله..رضينا بالله ربا وبحكمه وقضائه خيره وشره..
2016-02-12 05:44:20
76341
4 -
عزف الحنآيـا
موجعة ومؤلمة جداً ..
أحسنتِ عزيزتي رجـاء شنوفي ..
2016-02-12 05:02:07
76340
3 -
"مروه"
مأساه جميله :(
2016-02-12 03:06:22
76322
2 -
غريبة الاطوار
اشكرك على كتابة هذا المقال الرائع
2016-02-12 02:27:59
76314
1 -
فطيم
القصة رائعة جداً جداً جداً
وهي تجسد معاناة المتشردين:(
ابدعتي اختي (رجاء)
موفقه
مع تحياتي
-فطيم
move
1
close