الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

على قارعة الطريق

بقلم : الليل المقدّس

على قارعة الطريق
بائعة متجولة تبيع الحليّ المصنوع يدوياً


شعرتُ ببعض الضيق كعادتي , فأنا طائرٌ متمرّد على الأقفاس , لا يحكمني روتين او نظام..

تركت كل اعمالي المتراكمة على سطح مكتبي المُهمل , و خرجت للتنزّه وسط زحام القاهرة سيراً على الأقدام..

متأمّلاً المباني الفخمة و العتيقة التي عفى عنها الزمن , لترسم لوحةٍ زمرّدية للمحروسة لا مثيل لها..

و مدّدت ناظري للأفق , الى الناس و احوالهم..

تلك تثرثر بالهاتف , و هذا يتحدث مع ذاك , و تلك عائدة , و هذا ذاهب .. فرسم الزِحام بلونه الرماديّ في عيني بعض الأنس و السعادة..و مددّتُ عينايّ الى المحال المُتجاورة , حين يدخلها الناس و يخرجون محمّلين بالحاجيات !

ذاك متجرٌ للحلويات ، و هذا متجراً لبيع الدمى ، و هناك يقبع متجرٌ للأجهزه الكهربائية ..و على الصفوف الموازية الأخرى تقبع متاجر الملابس , و كل ما يشتهيه الإنسان من لوازم المعيشة..

نظرت الى السماء و قد زينتها الّلألىء , بعد ان نُثِرَت النجوم على بساطها الأسود القاتم .. و الى ذلك العرجون القديم الشامخ , الذي تحوطه الظلمات من جميع الجهات..

و رست قدمايّ على قارعة الطريق , بعد ان ابت ان تكمل المسير الاّ اذا استراحت .. فتوجهت للرصيف الإسفلتي المقابل ..

و جلست على مقرُبة من سيدة ذات ملابسٍ رثّة , تنساب من عينيها دمعتان شفّافتان بحجم قطرتا المطر, يتشقّق لهما القلب ..فهمِمّتُ سائلاً ايّاها :
-ماذا دهاك يا خالة ؟!

فقالت بحزنٍ بادي على وجهها :
-ابنائي جائعون , و ليس معي ما يسدّ الم بطونهم ..و لم ابِعّْ شيئاً يُعيننا..فكيف لي ان انظر لأعينهم المترقّبة , و يدايّ خاويتين ! و الله خيرٌ لي ان اموت , على ان اعود خالية الوفاض من ايّ طعام

فنظرت الى السلعة التي تعرضها ..فوجدتها قلادات قديمة , تبدو مصنوعة يدويّاً .. فاشتريتهم بسعرٍ يرضيها..

ففرِحَت , و جمعتهم لي في صندوق.. ثم انصرفتُ انا بعد التحيّة , مُتوجهاً الى منزلي ..فوضعت الصندوق فوق الطاولة , و تابعت تنفيذ اعمالي المتراكمة..

***

في صباح اليوم التالي , توجّهتُ لعملي .. و في اثناء دردشتي مع الزملاء , اثارت زميلتي موضوع :

-هل سمعتم بحادثة البارحة ؟
فقلت انا : ايّة حادثة ؟!

فأجابت : لقد انتحرت امرأة فقيرة في الطريق العام , لأنها عجزت ان تبيع ما تحمل من سلع .. و قد نشرت الجريدة هذا الخبر , اليوم صباحاً .. اظن ان هذه الحادثة ستتحوّل لقضية رأيّ عام.. المسكينة ! بعد ان عجزت عن اطعام ابنائها , فضّلت الموت على العودة اليهم خاوية اليدين ..
و قد عرفت الصحافة بالأمر من خلال رسالة كتبتها : تذكر فيها معاناتها و اولادها , و سبب اقدامها على رمي نفسها امام السيارات على الخطّ السريع .. راجيةً ان يتولّى احدهم رعاية ابنائها اليتامى الجائعين..

و انا كنت استمع لحديث زميلتي بدهشة ! بعد ان تذكّرت تلك السيدة التي قابلتها مساء البارحة.. فاستفسرتُ عن ما كانت تبيعه , فأجابتني زميلتي :
-لحظة .. الجريدة على طاولتي , سأقرأ لك الخبر

و عرفت حينها : ان السيدة كانت تبيع الحلى المصنوعة يدويّاً , و بأنها انتحرت بحدود الساعة التاسعة ليلاً

و هنا ! اتسعت حدقتا عينايّ , لأنني اذكر بأنه نفس الوقت الذي التقيت به مع تلك السيدة على الرصيف المقابل للطريق العام ..

فهمِمّتُ مُسرعاً للمنزل , مُفتشاً عن ذاك الصندوق .. و رغم انني قلبت المنزل رأساً على عقب , الاّ انني لم اجد ايّ اثرٍ له , و كأنه تبخّر !
-اين الصندوق ؟! انا متأكّد بأنني وضعته فوق الطاولة ....آه المال !! سأتأكّد من نقودي

ففتحت محفظتي و عددّتُ مالي , فوجدته كما هو قبل تلك النزهة , و لم ينقص منه شيء !

اذاً من قابلت ؟! و مع من تحدثت ؟! و هل كانت نفس السيدة التي انتحرت لاحقاً ؟!
انا متأكّد انني لم اكن اهذي , و متأكّد جداً من لقائي بها ..

و الى اليوم , مازالت تلك الأسئلة تحيّر خاطري !

تاريخ النشر : 2016-02-14

أحدث منشورات الكاتب : لا توجد مقالات اخرى
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

لغز الطبق الطائر
بائع النرجس - مصر
خواطر متشرّد
رجاء شنوفي - المغرب
حبي الأناني
KSA - Ladylove
حلم
غريبة الاطوار - سوريا
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

المتسولون الأغنياء
استيل - اليمن
ماذا ستفعلون لو أصبحتم مخفيين؟
حلمت بأنني أركض على جسَر
رُقَية - العراق
خطب ما
مجهولة
الشيطان يرتدي تنورة
سارة زكي - مصر
هاي جريف
ميرنا أشرف - مصر
كسرة النفس
سليمة - ليبيا
أحاجي الفراعنة :جرائم غامضة وألغاز مظلمة
قصتي
عرض
التعليق على هذا الموضوع مغلق حاليا
تعليقات و ردود (10)
2018-02-03 17:55:38
201591
user
10 -
✍✍✍✍
القاهره المدينه التي تقهر ساكنيها كما المستعمرين..
2016-02-23 09:24:29
77740
user
9 -
maha
قصة جميلة جدا جدا
2016-02-17 05:18:52
76837
user
8 -
غريبة الاطوار
قصة رائعة جدا جدا
تسلم ايدك
2016-02-17 04:21:04
76832
user
7 -
عزف الحنآيـا
قصة محزنة ومؤلمة جداً جداً
نهايتها مبهمة إلا انها تتناسب مع هكذا قصـة
الليل المقدس أحسنت ..
تمنياتي لك مزيد من الإبداع والتآلق ..
2016-02-16 23:12:55
76814
user
6 -
مسلمه
قصة جميله تحياتى
2016-02-16 16:36:11
76788
user
5 -
seema
فكره جيده واسلوب جميل وقلم جديد وقضيه إنسانيه تخللها الرعب رغم قله سطورها ..
أحسنت/ي ~
2016-02-16 14:48:11
76775
user
4 -
قصي النعيمي
أهلا
قصة محزنة و مرعبة في آن واحد...
روح تلك المرأة لم يزل طليقا تحركه نسائم الأمل و تربطه ذكريات الحرمان، و تقاطع طريقك بها حينها.

لا أدري هل استغللت قلمك لعرض القضية أم استغللتها لقلمك!، و لكنك أحسنت.
اكتب روتين و نظام بالضم و ليس روتينا و نظاما بالفتح
2016-02-15 04:50:10
76727
user
3 -
❤❤❤كوثر❤❤❤
هل حقيقية قصتك
2016-02-14 22:40:49
76699
user
2 -
"مروه"
اسلوبك جميل جدا ووصفك رائع . تحياتي ^^
2016-02-14 17:58:49
76685
user
1 -
هيلرلين
ربما تكون سافرت بزمن الى الأمام او ربما قابلت قرينتها او ماشابه او ربما حلمت بأنك خرجت من المنزل وقابلتها وانت في الحقيقه لم تقابلها اساساً !!
move
1