الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

شاعر الحياة

بقلم : نور الفارسي - تونس
للتواصل : https://www.facebook.com/nour.fersi.1

من تلك الليلة صرنا نقضي الليالي نائمين فوق الرصيف

أسمع أصوات عديدة من كل النواحي , أصوات رجال تاركين أعمالهم و عائلاتهم ليثملوا حتى الموت ... و بينما أنا أغني سمعت صوت أحدهم يسألني صائحا :

- ما هذا الصوت الرديء أراهن أن صوت زوجتك أو أمك أحسن بكثير من هذا الصوت .. أليس كذلك أيها الرجال .

لم أرى شيئا في تلك الأثناء إلا الظلام لم أعد أستطيع التركيز من شدة الغضب لم أعد أستطيع سماع أي صوت إلا صوت ضحكاته اللعينة فنهضت من فوق المقعد مسرعا و ضربته بزجاجة خمر على رأسه فسالت الدماء في كل مكان و أغمي عليه و قد كانت هذه الليلة هي ليلة فقدان عملي .

لم أعرف ماذا أفعل كانت أفكاري مشوشة لن أجد عملا بعد الآن لن أجد مالا لدفع الكراء أو لتغذية أطفالي فقد وجدت هذا العمل بعد عناء شديد ... أشعلت سيجارتي و بقيت ليلة كاملة وحيدا في الشارع أبحث عن حل لكني لم أجد أي حل. نظرت لساعة يدي فوجدت أنها تجاوزت الرابعة صباحا فقررت الرجوع للمنزل كان دخولي للمنزل مطرودا من العمل صعبا جدا لم أعرف كيف سأواجه أطفالي بهذه المصيبة التي حلت بنا وبينما كنت متجها لغرفتي فتحت باب غرفتهم المجاورة لي فوجدت ابني يوسف الذي لم يتجاوز عمره الثامنة يغط في نوم عميق ثم التفت لأخته مريم التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها تبكي في صمت فجلست بجانبها و سألتها بصوت خافت عن سبب بكائها فأجابتني بأنها قد بللت فراشها فالمسكينة منذ وفاة أمها التي هي زوجتي بمرض السرطان صارت تبلل فراشها فنهضنا معا لأساعدها على الاغتسال ثم ذهبت للنوم مليئا بالهموم التي أحملها فوق ظهري.

أفقت في الصباح الباكر على صوت ابني يوسف يحاول ايقاظي فقد نسيت وقت مدرستهم من شدة التعب فأعددت فطور الصباح بسرعة و أوصلتهم للمدرسة ثم عدت للمنزل و أحظرت ورقة و قلم بدأت أتفقد الطعام الباقي في المنزل و أحتسب المال المتبقي لدي و أدون في الورقة ثم خرجت للبحث عن عمل فزرت العديد من الملاهي الغنائية و الشركات و المحلات و المقاهي و اتصلت بالعديد من الأصدقاء لكن لم يساعدني أحد و لن يساعدني أحد بسبب الماضي المليء بتعاطي المخدرات بعد وفاة زوجتي فبقي لي حل واحد و هو زيارة مديري السابق صاحب الملهى الليلي الذي كنت أغني فيه فوجدت المغني الجديد يتجول في المكان و يستعد لأول ليلة له ... فاتجهت لمكتب الرئيس فصاح في وجهي قائلا :

- ماذا تفعل هنا أيها الأبله ألا تستحي من نفسك أأنت سعيد بفعلتك ليلة أمس لقد عرضتني لمشاكل عديدة و عرضت مكان رزقي لفقدان سمعته اذهب من هنا قبل أن أتصل بالشرطة يا عديم الفائدة .

- أرجوك انني لا أستحق كل هذه القسوة انني أب لطفلين و لدي مسؤوليات كثيرة أرجوك انني أطلب منك أخر فرصة سوف أفعل ما تريد مني حتى أنني سوف أشتغل ساعات اضافية بالمجان أرجوك لقد استفزني ذلك القذر ... استفزني .. .

- أخرج من ممتلكاتي الآن و أشكر ربك أنك لست بالسجن نتيجة فعلتك عندها سوف يبقى طفلاك بدون أب .

رجعت لمنزلي خائب الأمل ساخرا من حالي لأنني إنسان تافه و عديم المسؤولية ثم جلست على الأريكة مصدوما من الحالة التي أوصلت نفسي و عائلتي إليها . بعد ساعات اتجهت إلى المدرسة لأرجع أطفالي الى المنزل و عند وصولنا للمنزل قمت بإعداد العشاء وبينما نحن نأكل قال يوسف :

- أبي أ أستطيع الحصول على المزيد من الطعام فأنني ما زلت جائعا ؟

فحل الصمت الطاولة لثواني ثم قلت له :

- كل ما لديك فقد نسيت أن أتسوق , لهذا الطعام قليل .

ثم بعد عدة دقائق قالت ابنتي :

- ألن تذهب للعمل الليلة فأنت بملابس المنزل على غير عادتك .

فأجبتها بأنه في بعض الأحيان على الكبار أن يأخذوا إجازة لمدة لإراحة أعصابهم و أجسامهم ...فرد ابني :

- نحن لا نريد إتعابك يا أبي أليس كذلك يا مريم ...؟ و هل للصغار أيضا أخذ اجازة صغيرة لإراحة أعصابهم ؟

فضحكنا قليلا ثم قمنا بغسل الصحون مع بعض و خلدنا للنوم لكنني لم أذق طعم النوم الا لساعتين تقريبا و في تلك الساعتين حلمت بزوجتي رحمها الله تأتي إلي من مكان شديد البياض تصفعني على و جهي و تعاتبني و تلومني على الحالة التي وصلنا إليها ثم قبل أن تذهب و أستفيق قبلتني في جبني و قالت بأن الله لن يتركني وحيدا و علي أن أتحل بالأمل و أن كل شيئا سيكون بخير .

أفقت في الصباح على نفس الحال فالروتين سوف يقتلني انه يدمر كل خلايا عقلي و جسمي خصوصا و أنني جالس في المنزل بدون عمل, كل يوم و أنا جالس على نفس الحال حتى أن أطفالي أحسست أنهم فهموا ما يحصل لنا خصوصا ابني الكبير يوسف و كلما اقترب أخر الشهر لدفع كراء المنزل أزداد جنونا و خوفا في نفس الوقت لقد أغلقت كل الأبواب في وجهي حتى مفعول النيكوتين الذي كان يهدئ من روعي لم يعد لدي المقدرة على شراء ذلك السم فقد قاربت النقود التي لدي على النهاية فقد بعت كل شيء ثمين لدي لكي يأكل أطفالي و لتغطية مصاريف دراستهم لقد كان يومي متمثلا في العناية بالأطفال و النوم و كتابة كلمات أغاني و أشعار لأملأ وقتي و لنسياني همومي التي لا نهاية لها ...

في يوم من الأيام عندما ذهبت لأصطحب أطفالي من المدرسة إلى المنزل لم أجد يوسف فقد وجدت الا مريم و عندما سألت المعلمة عنه فقالت انه تغير كثيرا فقد صار قليل التركيز و سلوكه قد تغير كثيرا... وعندما ذهبت للبحث عنه وجدته يتجول في الشارع يطلب المال من الناس فانهارت كل أعصابي و تقطع قلبي من هذا المشهد الذي رأيته و سالت دموعي من شدة حرقتي فاتجهت نحوه و أمسكته من يده و ذهبنا للمنزل دون أن يتحدث أحدنا ولا كلمة ...

و عند وصولي للمنزل لم أرد التحدث معه في هذا الموضوع لم يكن بمقدوري الكلام معه أصلا , فجأة طرق الباب و عندما فتحت وجدت صاحب المنزل يريد أجرته لكن للأسف لم يكن لدي نقود فأغلقت الباب و بقيت أترجاه لكي لا يرميني مع صغاري في الشارع لكنه لم يوافق و أعطاني مهلة أربع ساعات لأجمع الأغراض و أرحل من المنزل و إلا سوف يتصل بالشرطة.

كان هذا اليوم من أبشع الأيام التي عشتها و كانت هذه الليلة هي أول ليلة لي ولأطفالي في الشارع و قد كانت ابنتي تتضور جوعا و تترجاني للرجوع للمنزل لكن ليس بيدي حيلة ... قضينا ليلتنا الأولى نائمين فوق أغراضنا في مبنى مهجور و بينما نحن نائمين إذ بثعبان كبير يقترب من يوسف فنهضت مسرعا و بقيت أضربه بصخرة كبيرة الى أن مات ثم حملت ابني و بقينا نبكي الى أن جفت دموعنا و قد بللت ابنتي نفسها في هذه الليلة مرتين و من تلك الليلة صرنا نقضي الليالي نائمين فوق الرصيف نأكل ما يعطينا اياه الناس هذا اذا أعطونا شيئا لنأكله و لم تكن حادثة الثعبان هي الوحيدة فقد تعرضت أغراضنا للسرقة أيضا من قبل بعض الشباب الفاسدين ...

و في يوم من الأيام بينما نحن نبحث عن المساعدة اشتمت ابنتي رائحة دجاجة مشوية و هي تتضور جوعا فقررت سرقتها من المحل فأخذت أطفالي لمكان بعيد عن المحل و طلبت منهم انتظاري ثم رجعت وحدي فدخلت المحل و طلبت منه دجاجة مع بعض البطاطا المقلية فأخذتها و هربت دون دفع ثمنهم لكن صاحب المحل لم يتركني و بقي يتبعني لكن عندما رأى صاحب المحل أطفالي لم يفعل شيئا و رجع إلى محله .

و بعد أيام من العذاب و التعب و المبيت في الشارع و الإحساس بالموت بينما أنا حي أرزق و عذاب التفكير في إعطاء أطفالي لعائلة غنية ... رن هاتفي فلم أجب في المرة الأولى لكن في المرة الثانية أجبت :

- مرحبا كيف حالك سيد نور , أنا السيد موسى و أنا أشتغل منتج و موزع أغاني و قد شاهدتك كيف تجري هاربا من صاحب محل الدجاج المشوي و أراهن على أنك تحتاج لنقود و لمأوى فقد سقطت منك أوراق تحتوي على أشعارك التي فيها كلمات عذبة أنت موهبة ضائعة يا سيدي أنت فنان حقيقي ... لحسن حظي أنني وجدت في الورقة الثالثة اسمك و رقم هاتفك أتريد أن نتقابل لنتحدث اذا كنت تريد إجراء عقد ؟

لم أعرف ماذا أقول لم أصدق ما سمعته فقلت باكيا :

- نعم ... طبعا ...طبعا ... أنا حقا ممتن ...أنا ممتن ...شكرا ... لا أعرف ماذا أقول ....لا ... أعرف...

و منذ ذلك اليوم تغيرت حياتي إلى أحسن مما كنت أتخيل و أنا الآن من أنجح الفنيين و قد كانت أول قصيدة تم نشرها لي هي المشردين و قد تحولت إلى أغنية مشهورة جدا و حصلت على العديد من الجوائز و بيعت منها العديد من النسخ و أما ابني الآن من الأوائل في قسمه و السنة المقبلة سوف يسافر للدراسة في جامعة توجد ببلد مجاور أما ابنتي مريم بعد العديد من الجلسات لدى الطبيب النفسي شفيت تماما و لم تعد تبلل فراشها و هي ناجحة أيضا في دراستها ... الحمد الله .


تاريخ النشر : 2016-05-29

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر