الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الساحر الشاب (2)

بقلم : أحمد العراقي - العراق
للتواصل : [email protected]

الساحر الشاب (2)
السحرة لا يهتمون بالنقود أو الشهرة

ربما كان أول نفع حقيقي للكتاب هو عندما جاء الدكتور " عوني " إلى الصف ليلقي علينا محاضرة لا أول لها و لا آخر .. الدكتور عوني هو أحد أولئك الذين لا يستحقون هذا اللقب إطلاقاً .. أحضر شهادته من إحدى الدول الأوربية التي تُباع فيها الشهادات بالنقود ..  وهو لم يكن يفقه أي شيء سوى شتم الطلاب بأقذع العبارات .. كان ذلك بعد موت خالي بثلاثة أيام ..


كنت شارداً أنظر في الكتاب بينما أفكر في واقعي الكئيب والغضب واضح على تقاسيم وجهي ، أردت فقط أن أصرخ وأحطم كل شيء .. لم يطل الأمر كثيراً حتى شعرت بأحدهم يصيح بي .. قفزت من مكاني هرعاً لأرى الدكتور عوني ينظر لي نظرة حانقة وهو يصيح بكلمات لا أفهمها ولا أسمع شيئاً منها ، لكنها كانت على الأرجح من الشتائم التي يملأ بها فمه طوال الوقت..


 نظرت للطلاب فرأيتهم بين مقهقه ومستمتع بالأمر ، و منهم لا يبالي على الإطلاق .. عندها حصل شيء غريب فعلاً .. فجأة و من دون وعي مني بدأت أقول ألفاظاً لاتينية بصوتٍ لم يسمعه غيري وغير صديقي خليل الذي يجلس بجانبي .. بعدها وقع الدكتور عوني على الأرض وهو يصرخ ويصيح وعلى وجهه أبشع علامات الألم .. كألم بروميثيوس والرخ يلتهم كبده.. ثم بدأت جمجمته تتشقق شيئا فشيئا والدم يسيل منها.. بدأت حالة هيستيريا جماعي تجتاح الصف والطلاب يصرخون ويبتعدون عن الدكتور الذي وضع يده على رأسه يحاول جمعه ..


استغرق الأمر دقائق بدت كأنها ساعات حتى صمت الدكتور للأبد .. وقع على الأرض والدم يسيل من رأسه ليغرقه بالكامل ، كان المنظر بشعاً جداً.. وكنت لا أزال واقفاً بعدما قلت تلك العبارة اللاتينية.. ابتسمت بشكل باهت ثم جلست في مكاني و كأن شيئاً لم يكن ..


 ثم بعد لحظات عاد وعيي إلي فانتفضت من مكاني و أنا أنظر إلى جثة الدكتور عوني وهي ملقاة على الأرض .. لم يلاحظ أحد أو يحاول الربط بين ما حدث للدكتور عوني وبين ما كان يفعله في آخر لحظات حياته .. كان يصرخ في وجهي ويتهمني بأن رأسي فارغ لا يحتوي إلا على ثمرة جوز متعفنة .. الوحيد الذي لاحظ ذلك هو صديقي الوحيد خليل ..


 لاحظت أنه بدأ يتحاشاني في الأيام التي تلت تلك الحادثة.. غالباً لم أكن لأهتم بالموضوع ولكن خليل هو صديقي الوحيد لذا سألته محاولاً التظاهر أني على طبيعتي ، و لكنه قال لي " كان الأوربيون يقولون ( أقتل أي شخص يتكلم اللاتينية بطلاقة ما لم يكن القس الكاثوليكي نفسه ) و أنت لست قساً كاثوليكياً على ما أظن " .. دهشت للحظة و لم أرد عليه ثم أخذت كتابي وخرجت ..


إنه ذكي بالفعل فلقد لاحظ الكلمات وعرف أنها باللاتينية وفسر الموقف بسرعة ، ولا أظن أنه لم يلاحظ الكتاب الذي أحمله معي أينما ذهبت بل وألصقه أحيانا بالشريط اللاصق على جسمي كي لا يسرقه أحد .. العنوان يقول بوضوح أن من يسرق الكتاب أو يأخذه بدون إرادة صاحبة فسيلقى عقاباً أليماً .. و أن الطريقة الوحيدة لانتقال الكتاب هي بموافقة صاحبه وإن كان عبر الاحتيال أو الخداع ..


الحقيقة أن ما حصل بعد تلك الحادثة كان طبيعياً جداً ، و لم تحصل أية أحداث غريبة سوى جثث الحيوانات التي كانوا يجدونها قرب شقتنا .. جثث للقطط و الكلاب وأحياناً بعض الطيور .. حصل ذلك بضع مرات ثم تعلمت كيف أخفي جثث الحيوانات ..


فيما بعد قررت أن أنتقل إلى الشقة التي كان خالي عماد يسكنها .. لم يكن أحد قد استأجرها بعد وبالطبع عرفت طريقة الحصول على النقود.. كانت طريقة سهلة جداً و لكن لا تتوقع مني أن أشرحها لك .. على كل حال عرفت أن السحرة  لا يهتمون بالنقود أو الشهرة ، ومن يفعل ذلك فهو مجرد نصاب يبيع الوهم .. المال وسيلة لا غاية ..  بالطبع واجهت معارضة شديدة من أخي ولكن استطعت إقناعه في النهاية ..


الواقع أن الكتاب قد منحني " كاريزما  " قوية لا يمكن تجاهلها ، وكل ما أطلبه لم يكن أحد يقدر أن يعترض عليه .. بقيت في تلك الشقة وقتا لا بأس به.. كانت أربعين خالي قد انتهت ولكنني لم أنزع الأسود أبداً.. ليس لحزني على خالي بالطبع ولكن لأنني شعرت بأن هذا اللون يناسبني .. و لم أستطع التخلي عن ذلك المعطف الذي كان خالي يرتديه ، ولا عن الكتب الأخرى التي كانت على مكتبته رغم أنها كانت مجرد كتب لا قيمة حقيقية لها..


باختصار تحولت إلى نسخة جديدة عن خالي عماد .. كان أخي سيف يزورني في هذه الأيام كثيراً ولكنني أخبرته بطريقة مهذبة أنه ضيف غير مرغوب به.. كانت العطلة قد انتهت أخيرا وقد مرت سنة كاملة على تلك الحادثة حتى نسيها الجميع بمن فيهم أنا.. لم تكن عندي مشاكل مع الأساتذة وقتها و إنما مع الطلاب .. مازال جاسم هناك يبحث عن أي فرصة ليزعجني .. ومازال الثعلب مروان وراءه وهو يمدحه لأي عمل يقوم به .. نموذج مثالي للمنافق وأنا واثق أنه سيكون محامياً أو مستشاراً ناجحاً ..


على كل حال ما زلت أعاني من الفضوليين الذين لا يتقبلون فكرة أن يكون أحدهم صامتاً منعزلاً لوحده .. على رأسهم يونس الحسوني .. كانت الأمور تسير على ما يرام وكان يبدو أن الأمور قد صارت في صالحي عندما قرر ذلك الأحمق أن يشبع فضوله.. يقولون أن الفضول قد قتل القط وهذا ما حصل تماماً.. قرر يونس أن يفتش في كتبي عن شيء ما.. لا أدري ما هو ولكنني اعرف أنه من طبائع يونس أن يفتش في أي شيء أمامه.. هو ليس لصاً والكل يعرف هذا ولكن لا أحد يقبل أن يتلصص أحد على خصوصياته..


 كنت قد غفلت للحظات عن الكتاب وتركته بين بقية الكتب على المنضدة.. عندها وجد يونس الفرصة في التفتيش فلم يقاوم هذه الفرصة.. لقد وجد ذلك الكتاب المصفر.. لم يهتم بما فيه لأنه يبدو قديما فقد رجح أنه غير مهم .. كانت أول مرة يسرق فيها  أحدهم الكتاب .. و لكنها كانت الأخيرة أيضاً.. عندما كان يقرأ ذلك الكتاب رجعت أنا إلى الصف وكان أول ما فعلته هو التأكد من الكتاب .. لا أصدق أنني نسيته هكذا .. كان خطأ مني ولكنه كلف يونس حياته..


وصلت إليه لأجد أنه في مقعده وقد وضع رأسه على المنضدة .. هززته قليلاً ولكنه لم يتحرك.. عندها جاء الآخرون عندما شعروا أن الأمر غير طبيعي ، فيونس مشهور بحيويته ونشاطه الدائمين كأن لديه وقودا لا ينفذ.. قمت بهزه بعنف و أنا أصيح عليه ، ثم رفعت رأسه فكانت المفاجأة .. كان الدم يسيل من أذنيه و أنفه و أما عيناه فلا  أعرف كيف أصفهما ، فمن الصعب وصف شيء غير موجود.. بعد بعض الملاحظة وجدت أنهما سقطتا من محجريهما على الأرض عند قدميه.. و كانت هناك قروح عديدة على جسمه.. كانت تشكل كلمات عبرية ولاتينية..


لحسن الحظ أن أحدا لم يلحظها عداي .. كانت تقول بوضوح (لا أحد يسرق الكتاب) .. كانت مكتوبة على جبينه و أنا متأكد انه كان هناك مثلها على جسمه ولكن يبدو أنها اختفت.. أخشى أن يكون أحد الأطباء الجنائيين يعرف اللاتينية أو العبرية.. في وسط الصياح وحالة الجنون أخذت الكتاب بخفة دون أن يلاحظ أحد وخرجت من القاعة.. لم ألحظ نظرات خليل إلي وهو يتهمني بأنني القاتل .. ولم أعلم أنه قد ذهب لزيارة أخي سيف وتبادلا الأخبار ولم أعلم بالتأكيد مؤامرتهما على حرق ذلك الكتاب .. كانت لي عيون منتشرة في كل الأرجاء ولكن ما أدراني أنهما سيلتقيان في المسجد بعد الأذان وقبل الصلاة .. الوقت الذي تهرب فيه كل الشياطين ..


الضحيتان الثالثة والرابعة كانتا جاسم و مروان .. كان ذلك بعد أيام قليلة من موت يونس .. الحقيقة أنني لم أتمنى موت يونس فقد كان شاباً مرحاً و طيباً رغم فضوله الزائد عن الحد ولا أزعم أن أحداً تمنى موته.. ولكن يبدو أن جاسم قد قرر أن يسلي نفسه ويصنع ذكرى جديدة للمدرسة كي ينسيها ذكرى موت يونس .. ليس لطيبة قلبه بل لان حادثة يونس الغريبة كانت منتشرة جداً ولم يعد أحد يتذكر بطولات جاسم ، لذا قرر أن يعود إلى مركزه واختارني لحسن حظي أو سوء حظه .


كنت جالسا في المطعم أطالع الكتاب من جديد.. كنت أضعه بين دفتي كتب أكبر و أحاول أن أخفيه عن أعين الفضوليين .. آخر ما أريده هو ضحية فضولية أخرى .. هذا سيجعلني مركز الشك الأول .. ولكن لا أحد يمكنه اتهامي أنني شققت رأس مدرس عن بعد وفجرت رأس طالب ما من الداخل .. لا أحد سوى سيف وخليل وقد انضم لهما شخص ثالث هو إبراهيم شاهين .. طالب مصري يدرس معنا ويبدو أنه صار صديق خليل ..


على كل حال جاءني جاسم ويتبعه مروان كذيله ، لا داعي لوصفهم يكفي أن تعرف أن جاسم هو القوي ومروان هو الضعيف النحيل ذو النظارات.. كان رد فعلي قد صار قوياً بحق حيث ما إن مد يده لسكب كوب اللبن عليّ - كالعادة -  حتى أمسكت بيده وبحركة خاطفة سكبت الكوب على رأسه هو .. اجتمع الناس حولنا وهم يضحكون ، كان الأمر مسلياً قبل أن ينقلب السحر على الساحر.. رفع يده ليهشم رأسي وكدت أن أرد عليه لولا أنا سمعنا صوت العميد يصرخ وهو يدخل من الباب ويحاول تفريقنا ..


 لو كنت قد فقدت أعصابي لقمت بتفجيرهما معا ولكنني وجدت أنه لدي فرصة للمرح أكثر .. صرخت قائلاً " سنكمل المباراة بعد ساعة في ساحة (....)  " انطلقت صيحات الاندهاش من الطلاب وارتسم الغيظ على وجه جاسم ، خرجت دون أن انظر للوراء .. لمحت إبراهيم شاهين يركض إلى جاسم ويطالبه بالتريث وعدم قبول التحدي .. ولكن في هذه السن من المستحيل أن يرفض الشاب التحدي ورد الإهانة .. لو كنت مكانه لفعلت الشيء ذاته و إلا لأصبحت أضحوكة الجامعة كلها ..


ذهبت قبل الموعد بربع ساعة وأحضرت طبشوراً أحمراً و خفيفا كي لا يراه أحد ، و بدأت أرسم الدوائر على الأرض و أملؤها بالكلمات والحروف والطلاسم .. قررت أن استخدم مزيجاً من العربية والعبرية.. سنمرح كثيرا ولكن الأمر سيكون بشعا أيضا.. انتهيت فوجدت سيف وإبراهيم يركضان إلي ليحاولا منعي من ارتكاب أي شيء.. أوقفتهما بسرعة وصرخت فيهما أن يبتعدا عن الدائرة ..

 

انتظراني حتى خرجت و كان أول ما فعله سيف أن لكمني بيده فسقطت أرضاً ، بينما صرخ إبراهيم فيه كي يتريث.. لو كان شخصا آخر لما استرد يده ولكنه أخي على الرغم من كل شيء لذا تمالكت أعصابي ووقفت .. عندها وصل خليل وكانت أول مرة أعرف فيها بشأن اجتماعهم وتآمرهم على آخذ الكتاب .. يبدو أنهم قرروا مواجهتي بالحقيقة وليكن ما يكون ..

 

يتبع ...

 


تاريخ النشر : 2016-06-15

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حمزة عتيق

التعليق مغلق لهذا الموضوع.