الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الساحر الشاب (3)

بقلم : احمد العراقي - العراق
للتواصل : [email protected]

قضيت الأيام الأخرى و أنا معتزلٌ في منزلي

بدأ خليل الكلام :  كنت أعرف أن شيئاً ما تغير فيك .. قبل حادث الدكتور عوني كنتَ قد بدأت تتغير ، وكنتُ أنا الوحيد الذي سمعك تقول تلك العبارة اللاتينية كما سمعتك من قبل تكلم نفسك باللاتينية عدة مرات ..


إذا كان هذا الشيطان - خليل - يعرف أكثر مما ظننته.. و يبدو أنه كان يعلم ذلك منذ فترة طويلة أيضاً ..


قال سيف دون أن ينظر إليّ : عندما جاءني خليل و طلب مني أن نلتقي على انفراد لموضوع يخصك ، ارتبكت في البداية وخشيت أن يكون شيء ما قد أصابك ، و لكنه طلب اللقاء في المسجد بعد الآذان ، فعلمت أن هناك شيء آخر ..


قال إبراهيم بصوت خافت : اتصل بي خليل وطلب مني اللقاء في المسجد و بعد الآذان ، التقينا عند الشيخ محمد (عمي) وحدثناه كل واحد بما يعرفه ، وأخبرناه أنك غالباً ممسوس أو أنك تستخدم سحراً ما ، بعد وفاة يونس كان الأمر شبه مؤكد أنك المسؤول عن الأمر بعدما رأيناك أنا وخليل تهرب بذلك الكتاب الأصفر ، و سقطت منه هذه الورقة !


أخرج من يده إحدى الأوراق التي عليها علامة النجمة الخماسية .. من بين جميع الأوراق ظهرت هذه الورقة التي يمكن لأي أحد أن يعرف أن لها علاقة بالسحر .. ربما لو وقعت ورقة أخرى لما عرف هؤلاء شيئا عن الكتاب واعتقدوا أنه مجرد كتابٍ ما .. وهنا خطر لي خاطر غريب .. كيف ظل هؤلاء أحياءاً رغم سرقتهم جزءاً من الكتاب؟ .. يبدو أن من يسرق جزءاً واحداً لا يحصل له شيء ، و لكن السرقة الممنوعة هي سرقة الكتاب بأكمله ..


قال خليل مقاطعاً أفكاري : بعد أن بحث سيف في أغراضك وجدنا أنك كنت تزور خالك عماد الساحر كثيراً قبل موته .. عرفنا ذلك من الكتب التي كان يضع فيها ختمه ..


هنا تذكرت من جديد ، كيف نسيت أن آخذ تلك الكتب معي ؟؟!!  كانت تلك حماقة كبيرة ولكن يبدو أن الكتاب قد أنساني غيره من الكتب .


قلت بصوت واثق : و ماذا تريدون الآن؟ لا ترجوا مني أن أعطيكم الكتاب و أعود معكم وأعتذر عن كل شيء .
قال خليل : بالطبع لا ليس بعد كل ما فعلته.. يجب أن تنال جزاءك .. و إنما هي مجرد فرصة أخيرة لك .
قلت بذات النبرة الواثقة : انتهى وقت كل هذا الهراء .. سأغفر لكم هذه المرة لأن لدي عملاً مهماً.. و لكن إن اعترضتم طريقي فسيكون مصيركم أسود من مصير هذين .


نظروا إلى حيث أشرت فوجدوا جاسم ومروان وخلفهما مجموعة من المتطفلين .. عندها أشار سيف إلى صاحبيه كي يبتعدا
إذن فلقد حضرت أيها الصغير .. يبدو أنك شجاع على الرغم من كل شيء .. ( قال جاسم )


كنت أتراجع للوراء ببطء حتى أضعهما تماماً في المكان الذي أريده داخل الدائرة و قد فعلت .. ثم قلت كلمات بين العبرية والعربية بصوت خافت كي لا يسمعني أحد ، ثم قلت بصوتٍ عالٍ : مروان .. ألم يحن الوقت لتتخلص من تبعيتك لهذا الوغد .. تحرر من هذه العبودية.. وتخلص من قيدك ومن سيدك ..


كان جاسم ينظر لي بنظراتٍ كأنها تقول ( ماذا يفعل هذا المخبول ) ولكنه لم يلحظ ومضة الشر على عيني مروان .. انقض مروان فجأة على جاسم وأخذ يضربه بقوة شديدة ، وقفت في مكاني أضحك عليهما من أعماق قلبي .. لم أستمتع هكذا منذ وقت طويل جداً .. انتفض جاسم وآخذ يضرب مروان حتى هشم نظارته ، حاول الناس التفريق بينهما لكنني لم أسمح لأحد بالتدخل .. استعملت تعويذة تبقي كل شخص في مكانه ينظر للمشهد..  سيمر وقت طويل قبل أن يعود هؤلاء لرشدهم .. ثم مسحت الدائرة التي كانت على الأرض .. سيستمر هذان في القتال بأية حال .. لاحظت أن الوقت قد تأخر فقررت الرجوع إلى منزلي ..


في الصباح علمت من الأخبار أن هناك شاباً ضرب صاحبه حتى الموت في ساحة ( .... ) وهو يقضي الآن فترة في السجن المؤبد وقد فقد عقله ، وقد يتم أخذه إلى مصحة نفسية ، أما الذين كانوا في المكان فهم لا يذكرون كيف وصلوا هناك ولا كيف حصل كل شيء كل ما يذكرونه هو رؤية الفتى جاسم يقتل مروان ..
غريب أمر هذا الشاب جاسم وكأنه قد تحول إلى (غول) بشري .. أليس كذلك؟ لا يمكنك لوم نفسي هذه المرة فقد كان غولاً من قبل ولم أفعل شيئاً سوى مساعدته على إظهار ما بداخله ، لم تنقل الأخبار أن الشرطة عندما عثرت عليه كان يمضغ في فمه قطعة من لحم صديقه مروان !!


بعد أيام كنت أسير في إحدى الأزقة المظلمة .. كان الوقت يتجاوز منتصف الليل وكنت أبحث عن نوع محدد من الفئران .. عندها خرج لي من الظلام أحد أولئك ( البلطجية ) وهو يحمل مسدسا ، توقعت أن يطلب - كعادة اللصوص - ما عندي من نقود.. ولكن كانت لديه مهمة محددة ..
- الكتاب !
- أي كتاب ؟
- لا تتحامق عليّ ، أنت تعرف ما اقصده جيداً .
- إذن لقد أرسلك سيف وخليل وإبراهيم أليس كذلك ؟ .


لم يجبني و لكنه أخذ الكتاب من يدي وهرب .. أحمق ! يعتقد أنه يقدر على العودة بهذا الكتاب حياً ، قلت بضعة عبارات لاتينية مرة أخر .. السحر اللاتيني هو المفضل لدي على الرغم من كل شيء ..  توقف اللص مكانه وقد تصلبت يداه وأسقط الكتاب ..  مشيت ببطء إليه ثم حملت الكتاب .. تعمدت ألا أقتله .. ليس الآن ؛ عليه أن يوصل رسالة إلى الثلاثي المرح ..


- قل لهم أن هذه الطريقة بلا فائدة ولا يمكن الحصول على الكتاب بالسرقة أبداً وإنما برضاي فقط ، ولا أنوي إعطاءه لهم بأية حال ..
و سرت تاركاً إياه يصرخ ويداه تتعفنان ببطء وقد أطلق ساقيه للريح .. عرفت لاحقاً أن خليل قد مات في المستشفى بعد أن بتر الأطباء يداه لسرطانٍ غريب ظهر فجأة فيهما !!


قضيت الأيام الأخرى و أنا معتزلٌ في منزلي ، ليس بسبب القراءة هذه المرة .. الغريب أنني توقفت للمرة الأولى عن قراءة الكتاب منذ أن حصلت عليه .. كنت حزيناً على موت صديق عمري خليل ، و لكن ذلك لم يكن سبب توقفي عن القراءة ..


السبب كان دعوة تلقيتها من إبراهيم لزيارة مصنع مهجور .. لست أحمق أنا أعرف أنه يريد الكتاب ، ولكن يبدو أنه قد تعلم الدرس .. لا يمكنه اخذ الكتاب وأنا حي وبالطبع لا يقدر على قتلي .. لذا الفضول الذي قتل يونس هو الفضول الذي جعلني أقف في المكان المهجور بعد منتصف الليل أنتظر مجيء إبراهيم ..


كنت واقفاً وقد وضعت الكتاب في شقتي هذه المرة.. لقد وضعت تعويذة حماية عليها وعلى المنزل كله.. كما أنه رأى ما حصل ليونس وخليل .. لا يمكن سرقة الكتاب ببساطة ..


فجأة شعرت بسائل غريب ينسكب علي فجأة .. هذا كازولين أو بنزين .. الرائحة نفاذة جداً.. عندها رأيت إبراهيم وهو يشعل النار في عود ثقاب ويستعد لإشعال المكان ، كان علي التفكير بسرعة ولم أجد ما أقوله ، كنت بحاجة للمماطلة
- هل سيف معك في هذه الخطة ؟
- لا ليس هذه المرة .. إنه في منزله يوشك أن يصاب بالجنون .. ولكني وجدت أن عقوبة الساحر منذ أيام الرومان هي الحرق حياً.. تبدو عقوبة مناسبة لك .. آسف لا شيء شخصي بيننا ..
- و أنا أيضاً آسف ..
- على ماذا ؟!


عندها قمت بخدعة سحرية لا يتقنها الكثيرون من السحرة .. قمت بتغيير مكانينا بسرعة.. فصار هو مكاني و أنا مكانه وكانت الشعلة لا تزال في يده .. كان آخر ما رأيته على وجهه هو الخوف والارتباك ثم اختفى وسط الدخان .. يبدو أنه كان بنزينا دون كازولين .. لو كان إبراهيم جيداً في حرق الناس لتعلم أن يستخدم الكازولين فالبنزين شديد الإنفجار بينما الكازولين يعطيك فرصة للفرار ..


قضيت الأسابيع الأخرى في شقتي و أنا أتأمل في الفراغ .. كان يبدو أنني على وشك الإصابة بالجنون ، الأمر يخرج عن سيطرتي .. لم يكن هذا ما أردته.. كنت أريد بعض القوة والسلطة ولكن قائمة الضحايا تزداد بشكل متسارع جداً .. الدكتور عوني ويونس ثم جاسم ومروان وبعدها خليل وإبراهيم من يدري ربما يكون أخي هو التالي.. قررت أن أضع حداً لهذه السلسلة ..


أحضرت كازولين وسكبته على الكتاب ثم أشعلت فيه النار .. بالطبع لم يشتعل الكتاب وهو شيء كان علي توقعه ولكنني أردت التجربة أولاً .. أخذت الكتاب وركبت السيارة وذهبت إلى النهر .. وضعت الكتاب في كيس أسود ثم رميته بعيداً .. وبالطبع لك أن تتخيل كيف أن الكتاب عاد وظهر فجأة في المنزل من جديد .. لا داعي لمحاولة التخلص منه هكذا.. الأمر واضح هذا الكتاب الملعون لن يتركني وشأني ويجب علي أن أرسله لأحد كي أرتاح..


لكن لابد من شيء آخر .. فكرت فيما حصل لخالي .. عندما أعطاني الكتاب لم يبدُ لي كشخص يوشك على الموت بل كان يريد التخلص من الكتاب .. أستطيع رؤية ملامحه الآن وهو يعطيني الكتاب ويودعني بسرعة كأنما يخشى أن أغير رأيي .. هكذا إذن .. ولكن الكتاب لم يعمل حتى مات خالي .


يجب أن أنقل هذا الكتاب لأحدهم كي أستريح .. أريد أن أموت ولكن ذلك غير مسموح لي بوجود الكتاب.. عندها خطرت ببالي الفكرة .. ماذا لو أرسلته إلى شخص أعرف يقيناً أنه لن يستعمله .. بدت لي الفكرة جيدة جدا .. لذا أقمت تلك المأدبة ودعوت إليها تلك الوحوش من جديد .. حراس الكتاب والذين كانوا يساعدونني طوال الوقت.. و أخبرتهم أنني قررت نقل الكتاب إلى شخص آخر و أخبرتهم باسمه  ..(سيف) ..


لهذا السبب تراني أشتري هذا الحبل وأربطه بالسقف.. ولهذا تراني أصعد على الكرسي .. ولهذا تراني أكتب هذه الرسالة.. و أعرف يا سيف أنك ستقرؤها.. لقد علمت أنك في طريقك إلى شقتي لمحاولة يائسة .. هذه الطريقة الوحيدة صدقني .. أنا آسف على كل شيء.. وأريد أن أشكرك على كل ما فعلته لأجلي .. كنت نعم الأخ ونعم الصديق .. شكراً على كل شيء ..


***
هذه الرسالة الطويلة وجدتها بجانب أخي الذي انتحر ليتخلص من عذابه .. وجدتها بجانب جثته وبجانبها الكتاب الملعون .. الكتاب موجود عندي في القبو منذ سنوات ولم أفتحه أبداً ولا أنوي ذلك أبداً.. مرت على هذه الحادثة 7-8 سنوات ومازلت أحتفظ بهذه الرسالة.. كانت ذكريات مريرة ولكني سأخفيها كي لا يتهمني أحد بالجنون ..


أخي المسكين الذي ما زلت لا أدري إن كان في وعيه وهو يقوم بكل تلك الأمور .. ولكن على الرغم كل شيء فقد كان في وعيه عندما وافق على أخذ الكتاب .. لقد مات في سبيل أن يقطع السلسلة.. ولكن ذلك لا يغير حقيقة أنه بوعي أو بغير قد قتل ستة أشخاص لا ذنب لهم ..


الآن أعرف لماذا السحر محرم في كل الديانات السماوية و لماذا السحرة ملعونون في كل مكان وزمان ..
ليرحم الله ضحايا هذا الكتاب الملعون ..
و ليرحم الله أخي المسكين الذي لم يعلم فداحة ما يفعله إلا بعد فوات الأوان ..

الخاتمة ..

 


تاريخ النشر : 2016-06-16

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حمزة عتيق
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر