الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

التمرّد الآلي

بقلم : سيف الله غيضاوي - تونس

دهش العالم بإعلان باختراع رقاقة زيرا‏ و التي ستمكن من برمجة مختلف المشاعر البشرية في الرجال الآليين..

الإنسان...هو ليس الكائن الأقوى من الناحية الجسدية و الفيزيولوجية لكنه يمتلك شيئاً يجعله قادراً على الهيمنة على هذا الكوكب ألا و هو العقل..

العقل الذي أتاح للجنس البشري أن يصل إلى أعلى مراتب الرقي و الازدهار خاصةً في الميدان العلمي التكنولوجي, لكن بوادر الفناء كانت تلوح في الأفق..

في الأول من يناير من العام ‏2102بطوكيو، اجتمع في برج "المستقبل الجديد" كبار المخترعين للاحتفال ببداية حقبة جديدة من تطور الرجال الآليين ,حيث دهش العالم بإعلان المخترع الياباني توغاري سيتيهاما عن نجاحه بعد سنوات من التجارب في اختراع رقاقة زيرا‏XX2 ‏ و التي ستمكن من برمجة مختلف المشاعر البشرية في الرجال الآليين.. و بعد انتهاء الاحتفال, سارعت كبرى شركات صناعة الرجال الآليين لتوقيع العقود مع توغاري و قد فازت بذلك شركة الشفق الأمريكية. و في غضون أسابيع اكتسح الاختراع الجديد الأسواق العالمية و جنت الشركة من خلاله أرباحاً خيالية أتاحت لها أن تحتل عرش صناعة الرجال الآليين إلى أن حل ذاك اليوم اللّا متوقع.. حيث فوجئ مالكها غابريال مالكواي بزيارة توغاري له حيث طالب الأخير خلال اجتماعهما بسحب اختراعه من الأسواق و تدمير كل الرقاقات؛ لأنه اكتشف وجود خطب ما بها, لكن غابريال استشاط غضباً و طرده بعد أن اتّهمه بأنه قد اتفق مع شركة أخرى على حساب شركته.
لم يجد توغاري بدّاً من اللجوء إلى القضاء ,لكن خاب مسعاه و خسر القضية ؛لأن هناك عقداً قانونياً يجب احترامه ,كما أن التحقيق بشأن مشكلة الرقاقة لم يسفر عن شيء فلجأ إلى وسائل الإعلام لكن من دون جدوى فشركة الشفق و شركات حليفة لها أحكمت قبضتها على أهم القنوات العالمية ذات التأثير الشديد في الرأي العالمي ,فاستسلم توغاري للأمر الواقع لكنه ألقى خطاباً أخيراً حذّر فيه من مغبة بقاء تلك الرقاقات و أنها ستؤدي لتدمير الجنس البشري ..لكن لم يعره أحد أي انتباه , فاعتزل الناس عدا حفيده الوحيد نيزاكو البالغ من العمر عشر سنوات و الذي يعيش مع عمته بطوكيو و كان توغاري يراسله كل أسبوع ,و قد كانت كل رسائله تحتوي دائما على هذا الرمز: ‏ACT29‏ كما أنه أرسل إلى حفيده علبة صغيرة بداخلها أربع رقاقات كتب على اثنان منها "التفعيل" أما الأخريان فقد كتب عليهما "وضع الاتحاد".

‏بقي توغاري في منزله يعمل على اختراع ما, إلى أن وافته المنية بعد سبع سنوات فتمّ بموجب وصيته تسليم كل ممتلكاته إلى حفيده, و قد آلمت وفاته العديد خاصة نيزاكو أما شركة الشفق فقد تنفست الصعداء و فرح مالكها بذلك الخبر كثيراً؛ لأنه تخلص من حجر العثرة ذاك و كذلك لأنه وقع عقداً مع قوات الجيش لتطوير جنود آليين فائقي القوة في إطار مشروع سمي "بحراس الشمس" بلغت تكلفته مليارات الدولارات و تكلل أخيراً بالنجاح. لكن حدث ما لم يكن بالحسبان .. فقد تمرّد الجنود الآليون و لكن.. كيف حدث ذلك؟! ببساطة عبر رقاقة المشاعر تلك, فالجنود الآليون أخذوا في فهم جميع الأحاسيس البشرية و خاصة الحريّة و التوق نحو التحرر ,و بحكم معرفتهم بمدى قوتهم مقارنة بالبشر فقد كانت النتيجة الحتمية التمرد عليهم و السعي للسيطرة على هذا الكوكب بدلاً منهم ,فأخذوا في التدمير و القتل تحت قيادة أقوى الجنود الآليين ‏"سيداكاس ‏"Q7و الذي كان مزوداً بأسلحة جديدة ذات قوة تدميرية هائلة, كما انضمّ إليه أغلب الآليين بهذا الكوكب الذين كانوا هم أيضاً يتوقون للحرية لكنهم ظلوا خانعين للبشر خوفاً منهم .

اشتعلت نار الحرب بين الطرفين فتصدت الجيوش البشرية لهذا التمرد بكل بسالة بمساعدة قلة من الرجال الآليين الذين أبوا خيانة الجنس البشري الذي لولاه ما كانوا ليوجدوا, فشمل القتال كافة أنحاء العالم و زاد لهيبه إلى أن أخذت قوات البشر في التقهقر كما سقطت عدة مدن و بلدان, فاضطر زعماء أقوى دول العالم إلى استخدام الترسانة النووية -خاصة بعد سيطرة الآليين على أقوى الأقمار الصناعية العسكرية- فقادة البشر آثروا هلاك الكوكب بمن فيه على أن ينتصر الآليون. انطلقت الصواريخ النووية من الغواصات و المدمرات النووية و القواعد العسكرية المتبقية نحو أهم مراكز تجمع الآليين الذين سارعوا بالتصدي للهجوم فاستخدموا الأقمار الصناعية العسكرية للتحكم في أغلبية هذه الصواريخ و تدميرها و هي ما تزال في الجو, كما وجهوا بعضها نحو مواقع بشرية فخلفت خسائرا جسيمة في صفوف البشر, لكن لحسن الحظ فقد عانى الآليون أيضاً من خسائر في صفوفهم بعد أن قصفت الغواصات و المدمرات النووية للأسطولين الروسي و الأميركي بالمحيط الهادئ قواعد الآليين في ألاسكا و أحالوها رماداً, كما سحقت الأساطيل المتوسطية الفيلقين الأول و الثاني للآليين المتمركزين بشمال إفريقيا لكن ذلك لم يغير الكثير فوضعية البشر مازالت حرجة خاصة بعد أن فقدوا أغلب ترسانتهم النووية أو بالأحرى جميعها, و الأهم من ذلك أن الجيوش البشرية عانت من خسائر جمة في الأرواح في مقابل ذلك كانت إمدادات الآليين تأتي باستمرار إلى جبهات القتال.

بعد خمسة أشهر على الهجوم النووي الفاشل زحف سيداكاس ‏Q7‏ قائد التمرد بمعظم قواته على منطقة في وسط إفريقيا أين كانت تتواجد أغلبية القوات البشرية المتحدة في طوكيو, كان نيزاكو في منزل جده توغاري و بينما كان يحاول الاختباء في القبو عثر على باب موصد لا يفتح إلا عبر إدخال رمز سري, فتذكر الفتى الرمز الموجود برسائل جده و قام بإدخاله ففتح الباب ووجد نفسه في غرفة ضخمة في وسطها انتصب آليان بشموخ ,فجزع بادئ الأمر ثم اكتشف أنهما لا يعملان فتذكر الرقاقات و أخرج العلبة و أدخل فيهما رقاقتي التفعيل قائلاً :أرجو أن يكونا مسالمين ,وما إن فعل ذلك حتى أخذا في التحرك فقال لهما :من أنتما؟ و ماذا تفعلان في منزل جدي؟ فرد أحدهما قائلاً :أنا "رودوكس" و هذا "بريسغانون" تم صنعنا من قبل السيد توغاري بهدف حماية الجنس البشري من كل تهديد، و الآن من أنت يا فتى؟ و ما الذي تفعله هنا؟ فأجابه الفتى :أنا نيزاكو حفيد توغاري و قد دخلت إلى هنا هرباً من الآليين المتمردين الذ... فقاطعه بريسغانون: ماذا تقصد بتمرد الآليين؟ فقص عليهما نيزاكو ما جرى و لما انتهى قال رودوكس: تم تأكيد وجود خطر على الجنس البشري.. يجب إزالته و القضاء عليه.. لنتحرك.

خرج رودوكس و بريسغانون من الغرفة السرية يتبعهما نيزاكو و ما إن تجاوزوا عتبة باب القبو بأمتار قليلة حتى اعترضتهم كتيبة آلية تابعة لقوات التمرد الآلي فتراجع الفتى عائداً نحو القبو المحصن وتقدم رودوكس بضع خطوات نحو الكتيبة قائلاً: تم رصد تهديد, استسلموا في الحال و إلا ستسحقون..

رد عليه قائد الكتيبة: سلما البشري و اخضعا لإرادة المحرر الأعظم سيداكاس ‏Q7‏ و سيتم العفو عنكما.

رد عليه بريسغانون: تم تأكيد الخطر... الاستعداد لوضع القتال..

صاح بهما القائد: خائنان و ستهلكان مع البشر. و ما إن انتهى من كلامه حتى بدأ الهجوم فانهالت القذائف بشدة على الآليان و غطى دخان كثيف المكان ,و لما انجلى تفاجأ الآليون ببرودوكس و بريسغانون و هما سليمان لم يصبهما خدش حتى، و في لمح البصر أطلق هذان الأخيران النار على الكتيبة فما هي إلا ثوان حتى تحول أفرادها إلى ركام و قطع متطايرة و خرج نيزاكو و هو مندهش من شدة قوة هذين الآليين فبادره رودوكس بالقول: تمت إزالة التهديد الحالي و تحديد الهدف الجديد سيداكاس‏Q7‏.. هل تعرف يا فتى طريقة تمكننا من الوصول بسرعة إلى ساحة المعركة في إفريقيا؟ رد نيزاكو: نعم أعرف فلقد سمعت قبل أيام في الراديو بثاً من بارجة صينية مفاده أنها ستمر برفقة سفن حربية من دول أخرى قبالة الساحل الشرقي للبلاد في طريقها إلى منطقة القرن الإفريقي؛ للالتحاق بالجيوش البشرية الرئيسية المتواجدة في وسط القارة, و قد حث قبطانها الناجين على التوجه للساحل .ردّ بريسغانون: إذاً سنتوجه إلى أقرب ميناء.. هيا بنا..

 قطع الثلاثة مسافة كبيرة و انضم إليهم الكثير من الناجين من البشر أو من الآليين غير المتمردين و تواجهوا عديد المرات مع المتمردين ,و كان رودوكس و بريسغانون يبيدان في كل مرة أي آلي متمرد يهاجمهما و من معهما..

مرت عدة أيام إلى أن وصل الثلاثة و من معهم إلى ميناء مدمر كلياً, ووجدوا البوارج و السفن الحربية في انتظارهم فاضطروا للسباحة للوصول إليها خاصة بعد أن أدركتهم أعداد مخيفة من الآليين المتمردين تصدى لها رودوكس و بريسغانون برفقة حلفاء البشر من الآليين ,و في خضم كل ذلك هاجمت بارجة ضخمة للمتمردين الأسطول البشري فواجهتها مدمرة أسترالية و خاضتا معركة عنيفة أصيبت فيها الأخيرة بأضرار بالغة و فقدت جل مدافعها ,لكن قائدها لم يستسلم بل آثر التضحية بالمدمرة فأمر بالتوجه مباشرة نحو بارجة الأعداء فاصطدمت السفينتان و هلك كل من عليهما, و في غضون ذلك اكتملت عملية الإخلاء و انسحب رودوكس و بريسغانون و من معهما من الآليين بعد سحق الأغلبية العظمى من قوات الآليين المتمردين.

انطلق الأسطول نحو إفريقيا و أثناء إبحاره اشتبك مع سفن المتمردين في عدة مواقع قبالة سواحل الصين و ماليزيا و الهند عندما كان يقوم بإخلاء القلة المتبقية من البشر هناك ,و بعد أيام وصل إلى مضيق باب المندب و رسا في ميناء صومالي. نزل نيزاكو رفقة رودوكس و بريسغانون من على ظهر السفينة و انضموا لقوات عسكرية متجهة نحو معسكر القوات البشرية الاتحادية بالكونغو الديمقراطية.. بعيداً في نيويورك ,كان الأسطول الرئيسي للآليين المتمردين بقيادة سيداكاس‏Q7‏ قد انطلق نحو البحر المتوسط ؛نظراً لسيطرة للقوات البحرية البشرية على أغلب السواحل الغربية لإفريقيا مما يجعل الهجوم على وسط القارة مستحيلا من جهة الغرب.

بعد أيام بلغ أسطول المتمردين قناة السويس و حاول عبورها لكنه واجه مقاومة عنيفة و شرسة من القوات البحرية الإسلامية مدعومة بقوات الإخلاء سابقة الذكر و المتمركزة في البحر الأحمر فتراجعت سفن المتمردين و قرر سيداكاس‏Q7‏ الهجوم عبر البر فاتجهت معظم قواته إلى الإسكندرية ,أما البقية فقد ظلت قرب القناة لدرأ أي هجوم قد يشنه البشر. رست سفن الآليين في ميناء الإسكندرية و انطلقوا بأعدادهم المهولة نحو الكونغو فوصلوا إليها بعد أيام قلائل و اندلعت المعركة التي ستحسم هذه الحرب. التقى الجيشان و تعالت أصوات الانفجارات و تطايرت الأشلاء الآدمية و القطع المعدنية و احتدم القتال و طال .بعد أربع ساعات وصل أخيراً نيزاكو، رودوكس و بريسغانون برفقة القوات و انخرطوا في القتال عدا الفتى بالطبع. التقى الآليان في ساحة المعركة بسيداكاس‏Q7‏ الذي بلغته أخبارهما فتقدم نحوهما قائلاً: لماذا تساعدان هؤلاء البشر ضدنا نحن إخوانكم الآليين؟ انضما لي و سنسيطر على هذا الكوكب معاً ،ما رأيكما؟

رد عليه بريسغانون: تم تحديد الهدف.. أنت تهديد للبشر ولهذا الكوكب استسلم الآن و إلا ستتم إبادتك.

رد سيداكاس‏Q7‏ بحنق: أنا...تهديد؟ هل أصيبت داراتك بخلل ما ؟ البشر هم التهديد الوحيد لهذا الكوكب و لأنفسهم فلطالما شنوا الحروب و أفسدوا في الأرض و أهلكوا كل شيء لتحقيق مصالحهم فهم جنس لا يستحق الحياة و سماحي ببقائه سيكون الجريمة العظمى بحق هذا الكوكب. أنا لست بمدمر بل أنا المنقذ المختار لهذه الأرض.. ألا تفهمان؟

رد عليه رودوكس قائلاً: أنت مجرد قطعة خردة في داخلها رقاقة مشاعر لا غير و أنت لم تترك لنا أي خيار.. البدء بإزالة الخطر .فصاح سيداكاس‏Q7‏: يا عديمي الجدوى سأدمركما و أجعل منكما قطع غيار. و في سرعة البرق هاجمهما بضراوة و أخذ يكيل لهما الضربات إلى أن أسقطهما أرضاً فذعر نيزاكو الذي كان يراقب من بعيد لكنه تذكر أمر رقاقتي الاتحاد فطلب من بعض الآليين الحلفاء إلهاء سيداكاس‏Q7‏ عبر إطلاق النار عليه ,و لما فعلوا اتجه الفتى بسرعة نحو رودوكس و بريسغانون و أدخل فيهما الرقاقتان فنهضا فوراً و قالا بصوت واحد: تمت برمجة كافة المعلومات.. الانتقال إلى وضع الاتحاد. و ماهي إلا لحظات حتى اتّحد الآليان ليشكلا الآلي الأقوى على الإطلاق "رودوغانون"  الذي هاجم سيداكاس‏Q7‏ و خاضا معركة شرسة انتهت بسقوط الأخير أرضاً, وعندما تقترب منه رودوغانون ليجهز عليه رفع رأسه و قال: لم أرد إلا تحريرنا و هذا الكوكب من طغيان البشر ستتفهم ذلك يوماً.

رد عليه: البشر ليسوا بجنس مدمر لكن بعضهم كذلك استعد للدمار. و أطلق عليه للمرة الأخيرة. بعد ذاك الانتصار استسلم المتمردون لكن كان ثمن الانتصار غالياً فلقد قضى مليار إنسان نحبهم ,إضافة إلى ما لحق بالكوكب من ضرر بالغ فالحروب لا تبقي على شيء.


تاريخ النشر : 2016-08-02

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : غريبة الاطوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر