الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

قتلتُ لوحدتي

بقلم : Shadwoo Shadwoo - مصر

أتريد ان تلعب معي ؟ أعدك أني سأكون فتاة جيدة..

فيما مضى في بلدة صغيرة ..كان من عادات اهلها ان يدفنوا اطفالهم بمنازلهم, و هذه العادة تعود لامرأة مات طفلها الرضيع فلم تستطع مفارقته لذا قررت دفنه بالمنزل ليشعر بحنان امه معه ,و منذ ذلك الحين اصبح دفن الاطفال في المنازل عادة في تلك البلدة.

في يوم من الايام وسط الضحكات في المنزل :
- أبي أهذه العروس التي كنت أطلبها منك ؟
- نعم هل اعجبتكِ يا عزيزتي ؟
- إنها جميلة جداً ، شكراً يا أبي .

قبّلت الطفلة اباها و اسرعت لتلعب بالعروس وهي تضحك .

سألت الأم زوجها :
- أليست تلك العروس غالية الثمن ؟
- تمنيت لو اعطيها حياتي لكني لا استطيع (قالها والدموع تغمر عينيه وهو يشاهد طفلته تلعب).
- ستكون بخير وسيشفيها الله لنا .
- كيف وقد قال الاطباء غير ذلك ؟ (يشعر بالحسرة)
- قاطعته قائلة : لا تقل ذلك ستكون بخير ,الأطباء لا يعلمون شيئاً.

 مرت الأيام على الأب والأم كالسنين و هما يشاهدان طفلتهما تذبل يوماً بعد يوم بسبب مرضها الخبيث, لم يكن بيدهما حيلة سوى الدعاء الممزوج بصوت الدموع.

جاء اليوم الذي كسر قلبهما..

- أمي.. هل سأموت ؟
- لا لا تقولي هذا ستكونين بخير (قالتها والدموع تنهمر كالمطر) .
- لقد قال لي الاطفال اني سأذهب لمكان سأكون فيه لوحدي ولن تكوني معي ، أصحيح يا أمي انك ستتركينني هناك وحدي ؟
- كفّي يا ابنتي انا معك ولن اترككِ أبداً.
- أبي ، أيمكنني أخذ العروس معي حتى لا اشعر بالوحدة ؟

لم يتمالك الأب نفسه فخرج من الغرفة و قد أنفجر من البكاء ..و ما ان خرج حتى سمع صوت زوجته تصرخ فعلم ان طفلته ماتت.. كان صراخها كالصاعقة عليه.

(يا أيتها النفس المطمئنة ,ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي, و ادخلي جنتي) صدق الله العظيم. (هكذا انتهى القارئ من تلاوته حتى سمعوا صراخاً يخرج من البيت ,اعتقد الناس ان الأم تصرخ حزناً على ابنتها, لكنهم وجدوا الجميع يجري نحو البيت).

- أجننتِ !! ما الذي تفعلينه ؟

- لا لن يأخذوا ابنتي بعيداً عني, ستظل معي (قالتها وهي توقف الناس من حمل الكفن حتى يدفنوها بمدافن القرية)
- ابتعدي من الطريق دعينا ندفنها قبل الظلام.
- لا ستدفن بغرفتها مثل باقي الاطفال لن تبتعد عني.
- انها ليست رضيعة كي ندفنها بغرفتها إنها في الثامنة من عمرها.

و بعد إصرار الام على ذلك و منعهم من الخروج بابنتها ,دفنوها بغرفتها و دفنوا معها العروس كما أمر والدها.

*** 
مرت الأيام و الأسابيع و الام لا تصدق موت ابنتها إلى ان علمت في يوم من الايام أنها حامل بالشهر الثاني ,وهي أساساً لم تكن تريد الجنين في ذلك الوقت فقد كانت صدمة ابنتها قوية عليها ,لكن الأب قال لها هذه هدية من الله لا ترفضيها.. فوافقت.

مرت 6 شهور لتكمل الطفلة شهرها الثامن ,و بينما الام نائمة وجدت من يضع يده على بطنها فقامت مفزوعة, اعتقدت انه زوجها يطمئن عليها لكنها وجدته نائماً, فعادت للنوم مرة اخرى و قالت ربما خيل لها.

جهزا غرفة الطفلة و ابى الوالد أن يضعها بغرفة اختها ؛لأنها تعتبر قبر, و كانت غرفة اختها كما هي بملابسها وألعابها.

يوم الولادة.. كانت الأم نائمة من شدة تعبها لكنها صرخت مستيقظة على ضربة شديدة على بطنها فنقلها زوجها الى المستشفى اعتقاداً منه انه الطلق - كما يسمى ..

تمت الولادة ,رجع الأب والأم بعد أيام للمنزل كي تنير الطفلة البيت او هكذا ظنّا.

مرت الايام.. استيقظت الأم على صوت تهويدة كأن احداً ما يغني و يصحبه صوت موسيقي كالصوت الذي يأتي من الالعاب.. تتبعت الصوت الى أن وقفت أمام غرفة ابنتها الميتة "ملك"، تقدمت الأم لتفتح الغرفة و قدماها لا تحملانها و جسدها يرتعش من الرعب حتى فتحت الباب لكن الصوت كان قد اختفى .. أغلقت الأم الباب ثم عادت لتنام بجانب طفلتها وهي لا تتوقف عن التفكير بذاك الغناء حتى غطت بنوم عميق.

قبّلت الأم طفلتها وتركتها تنام قليلاً ثم ذهبت لكي تعد الطعام الى ان يعود زوجها من العمل, و اثناء انشغالها بتحضير الطعام سمعت الأم صوت الغناء من جديد ثم توقف لحظات ,بعدها ركضت الأم الى غرفة طفلتها و بكائها ممزوج بالصراخ .

حملت الطفلة واخذت تهدئها وتقرأ القرآن الى ان سكتت و عادت للنوم .. وفي الليل نامت بجانبها فرأت ابنتها الكبيرة - المغطاة بالتراب - تحمل الطفلة وهي تغني ,و الطفلة تبكي .. ثم اقتربت منها وهمست لها (لا تبكي انتِ بأمان معي) ، ثم استمرت بالضحك كالمجنونة و استيقظت الأم مفزوعة وهي تستعيذ من الشيطان.

*** 
مرت شهور.. لم يحدث شيء الى ان جاء يوم و دخلت الأم غرفة الطفلة لترتبها لها قبل نومها.. أثناء ترتيب الغرفة وجدت تراب .. أخذت تتبع التراب وتنظفه الى ان.. صرخت بأعلى صوتها ثم وقعت مغمياً عليها .

استيقظت و وجدت نفسها على السرير و حولها زوجها و جيرانها يطمئنون عليها و هي كمن أكل القط لسانها ، بعدما غادر الجيران سألها زوجها: ماذا حدث ؟.. لكنها كانت تردد بكلمات غير مفهومة

- اهدئي قليلاً ثم قولي لي ماذا حدث ؟
- لقد رأيتها .
- ماذا رأيتِ ؟
- لقد رأيت العروس التي احضرتها لملك.
- أي عروس تقصدين ؟
- العروس التي احضرتها لها قبل مماتها, العروس التي طلبتها منك كثيراً .
- يبدو أنك تتخلين أشياء من كثرة مجهودك.
- انا لا أتخيل اقسم لك لقد رأيتها بغرفة الطفلة.
- مستحيل.. لقد دفنتها مع ملك و أهل القرية يشهدون على ذلك.
- يجب أن نحضر شيخاً ، أخشى أن يمس ابنتنا بسوء ( قالتها و هي تلتفت حولها ).

باليوم التالي احضروا شيخاً..  و ما ان دخل البيت حتى صار يتلفت حوله وهو يتلو آيات من القرآن, لكنه انصرف بعدها فوراً من دون أن يتكلم.

 بعدها بيوم ذهبا إليه ..

- لمَ تركتَ البيت مسرعاً يا شيخ ؟ هل هناك مالا تريد إخبارنا به ؟
نظر إليهما ثم قال :
- يا ابنتي هناك من روحه لا تجد راحة في منزلك.
- ماذا تقصد ؟ روح من ؟
- عندما حضرت الى منزلك و تلوت القرآن ,سمعت أحداً يصرخ و يقول كلام غير مفهوم, كان الصوت يشبه صوت طفلة وقد فهمت بعضاً من كلماتها.
- من هي هذه الطفلة أهي ابنتي ؟ ماذا قالت؟ أرجوك ساعدنا يا شيخ.
- انها تغار منها يا ابنتي (قالها وهو يشير للطفلة بين يديها ) ولن ترتاح حتى تأخذها معها
غادري البيت يا ابنتي قبل ان تأخذها منك.
- أغادر ؟ كيف أغادر و أترك من يذكّرني بابنتي ؟ انه يحمل ذكرياتي معها.
- لقد خسرتِ واحدة يا ابنتي وهذا قدر الله ، لكن ان بقيتِ فستخسرين الأخرى أيضاً..

 
أسرعت الأم للمنزل وهي تجهز أغراضها للرحيل و معها زوجها الذي اخبرته بكلام الشيخ ,و قد حل الظلام وقتها لكنهما قررا أن لن يمكثا فيه ساعة اخرى خوفاً على طفلتهما.

قبل أن يغادرا وجدا الابواب قد أغلقت عليهما , و صوت صرير باب غرفة ملك وهو يفُتح كفيل بأن يقتلهما من الرعب..  وجداها تخرج من الغرفة و هي تجر اقدامها المتسخة بالتراب و تقول بصوت مهزوز :

- ألم تقولي يا أمي انك لن تتركيني ؟ لم أعد أريد لعبتك يا أبي فهي لا تكلمني ..أنا اريدها هي (مشيرةً بصبعها للطفلة ) .

شعرت الأم بالرعب مما تراه و هي تضم طفلتها وتترجى ابنتها أن تتركها في حالها.

- ارجوكِ يا ابنتي اتركيها ، سآتي انا معكِ و سأكلمك و أغني لكِ.. لكن ارجوكِ اتركيها.

- لااااااااا ( صرخت بها ) أريد الطفلة أعطوها لي.

ظلت ترددها و هي تجر اقدامها نحوهما و الأب يحاول فتح الباب حتى كسره..  خرجا مسرعين لكن المصباح سقط على الأرض عند كسر الباب فبدأ المنزل يشتعل و الفتاة تصرخ بداخله كأنها شيطاناً من الأرض.

كادت الأم أن تقفز للنار لكي تنقذ ابنتها ؛ناسية تماماً أنها في الأصل ميتة (فقلب الام لم يرَ سوى صراخ ابنتها ) لكن زوجها أمسكها و أبعدها فوراً و سارا مبتعدين عن البيت والنار تصعد للسماء ومعها صراخها.

( لااااااااا لا تتركاني لوحدي  أمي)..

 ***
هاجر الأب والأم ومعهما الطفلة الى المدينة حيث كبرت الطفلة لتصبح شابة , و ما زال المنزل كما هو فلم يقبل الاب عروض بيعه بل ابقاه على حاله. لكن اهل القرية أكدوا أنهم يسمعون صوت غناء من المنزل في كل ليلة. قيل أن بعض أطفال القرية اختفوا ولم يجدوا لهم أثر, و قيل ايضاً أن هناك من سمع ليلاً صوت صادر من المنزل ينادي على الاطفال قائلاً (تعال لتلعب معي ،لدي حلوى من اجلك).

الآن بعد أن علمت من أنا ، أتريد ان تلعب معي ؟ أعدك أني سأكون فتاة جيدة..

 

من قال ان الوحدة تقتل صاحبها ؟ .. فهناك من يقتل لأجل وحدته..


تاريخ النشر : 2016-08-05

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : غريبة الاطوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر