الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

حياتي كساحر(الجزء الثالث والأخير)

بقلم : علي النفيسة - السعودية
للتواصل : [email protected]

صفحاته مكتوبة بالدم ومغلّف خارجياً بجلد حيوان أقرب إلى جلد الخيل

اندهشتُ صراحةً من تعلّق أبو سراج بهذا الكتاب وتهديده لي، يبدو واثقاً بنفسه رغم كبر سنه ، ولهذا السبب دفعني الفضول إلى الاطلاع على كتاب الظلام عند عودتي إلى البيت، فعندما تصفحته وجدته كتاب ضخم جداً يحتوي على 817 صفحة ، وكالكتاب أوراقه صفراء قديمة يحتوي على رسومات وأشكال هندسية وتعاويذ سحرية وأسماء للشياطين، إلا أنه يختلف في أن بعض صفحاته مكتوبة بالدم ومغلّف خارجياً بجلد حيوان أقرب إلى جلد الخيل.

الكتاب يتألف من أقسام، ويضم في مقدمته قائمة بأسماء السحرة وتواريخ تنصيبهم إلى مرتبة الأقطاب ابتداءً من أول ساحر الذي تعاقد معه المارد "محار" حتى آخر ساحر ورد في القائمة ، ما زلت أوجه صعوبة في فهم المعلومات التي فيه.

يتناول الكتاب بشكل عام عن أسرار السحر الأسود وتاريخ قبيلة "الغرمان"، وبعض الأدوية والأعشاب الطبية والخلطات السرية لها (الطب الشعبي)، وكذلك المعارك التي شهدتها قبيلة الغرمان حيث يذكر بأن هذه القبيلة شهدت معارك طاحنة للعديد من قبائل الجن ، من ضمنها المعركة التي شهدتها مع أقوى قبيلة كانت في الجزيرة العربية تدعى قبيلة الأباغرة وهي قبيلة تفوق الأولى عدداً ويحرسها أضخم أنواع الجن وقتها وكانت جميع القبائل تهابه ا، وقد انتصرت عليها قبيلة الغرمان بقيادة زعيمها "محار"، وذلك بسبب تعاويذ سحرية تستخدمها قبيلة "الغرمان" في الحروب ، وهي تعاويذ خطرة جداً، وقد خصص لها فصل مستقل في هذا الكتاب.

كما خصص الكتاب قسم خاص عن التعاويذ لطرد الأرواح التي تسكن الإنسان، كما يتحدث في بدايته عن حياة أول ساحر في القائمة أي الساحر الذي تعاقد معه الزعيم "محار"، وهو في الحقيقة في الأصل ليس ساحراً، ملخص حياته أن اسمه الحقيقي "جابر"، وهو في نهاية العقد الرابع ، كان جابر شخصاً فاسداً أخلاقياً فقد تم زجّه في السجن بسبب اغتصابه لفتاة مع أمها وقتلهما بطريقة وحشية ، بالإضافة إلى جرائم أخرى ارتكبها من سرقة وجرائم نصب واحتيال على الناس، ولقد حكم عليه بالإعدام ، وقبل تنفيذ الحكم بيومين أتاه الزعيم المارد "محار" في المنام، فقد وجد "محار" فرصة مناسبة لعرض خدماته عليه ، فاتفق الأول مع الثاني على أن يزود الأول الثاني بأسرار وعلم السحر الأسود ليصبح أقوى ساحر، وبالتالي يستطيع من خلال سحره الهروب من السجن بشرط أن يقوم الثاني بتدوين كل ما يتلقاه من الأول في كتب ، وفعلاً فمن خلال هذا السحر استطاع جابر الهروب من السجن حيث شبّ حريق غامض في السجن واختفى بعدها دون أي أثر له.

يذكر الكتاب بأنه يتضمن على قوى سحرية خفيّة ، فإذا استطاع الشخص الحصول عليها يصبح أعظم ساحر في الجزيرة العربية ، من خلال اطلاعي على كتب السحر توصلت إلى نتيجة وهي أن للسحرة مراتب كالسلم الوظيفي للموظف العام تبدأ بمرتبة طالب (أي ساحر مبتدأ) ثم شيخ الحلقة ، ثم شيخ الخلوة ثم الأوتاد ثم الأقطاب ، وأن كتاب الظلام يتضمن مراسيم لتنصيب أعلى مرتبة من مراتب السحر وهي مرتبة الأقطاب حيث أن هناك عدة أقطاب موزعة حول العالم ، وأن هذا الكتاب يختص فقط بقطب واحد وهو قطب الجزيرة العربية، والذي يهمنا من هذا كله والذي صعقني وصدمني هو وجد اسم جدي ضمن قائمة أسماء السحرة (في آخر الأسماء) ، معنى ذلك أن جدي كان أعظم ساحر في الجزيرة العربية، أثرها تيقنت أنه للأسف كان يمارس السحر وقد أحزنني ذلك، جعلني أبكي بشدة من اثر الصدمة، كما تيقنت سبب قيام ذلك المزعج أبو سراج بإزعاجي ، فقد زودني هتّاف بمعلومات عنه أكدت لي بأنه هو الآخر يمارس السحر، واستنتجت من ذلك أن هذا الكتاب الذي أهداه لي جدي بمثابة كنز لدى السحرة.

في اليوم التالي لتصفحي لكتاب الظلام أتاني اتصال على هاتفي النقال من المزعج أبو سراج لا أعلم كيف حصل على رقمي ، وكان يلح علي في الحصول على ذلك الكتاب ، وقد رفضت ذلك ، ثم أصبح يهددني بأني إذ لم أحضر الكتاب عند مغيب الشمس اليوم التالي ، فإنه سيلحق الأذى لأسرتي، و لكنني لم اكترث له.

وفعلاً فقد نفذ وعيده فقد دب حريق مفاجئ في بيتنا لا نعلم سببه أتلف معظم ممتلكاتنا ، وأصيبت والدتي بحروق طفيفة نُقلت أثرها إلى المستشفى ، وعند إطفاء الحريق بفضل مساعدة رجال الإطفاء وبعض الجيران ، أتتني رسالة نصية من أبو سراج نصها كالتالي:

هذه هي البداية.

وسرعان ما ثار غضبي فاستدعيت خادمي هتّاف ، ودمي يغلي غلياناً من شدة الغضب:

- بماذا أخدمك يا سيدي ؟

- اسمع أريدك أن تتخلص من ذلك المزعج أبو سراج بأي طريقة .

- لا أستطيع يا سيدي.

- ماذا قلت ؟

- أبو سراج ساحر بمرتبة الأوتاد ليس بساحر عادي ولديه من الجن الخدم الكثير، فلا استطيع مواجهته.

- إنك لا تنفع بشيء .

تذكرت حينها أن هتّاف مخصص لخدمة السحرة المبتدئين ، ومن الطبيعي أنه لا يستطيع أن يلبي طلبي هذا ، و أصبحنا نفكر معاً قرابة ساعة ونصف في حل يوصلنا للتخلص من ذلك المدعو أبو سراج.

- سيدي توجد طريقة للتخلص منه لكن تستلزم المخاطرة .

- قل ما عندك .

- هناك تعويذة تسمى تعويذة التعطيل وهي تعطل القوى السحرية لأي ساحر، ستجدها في كتاب الظلام في الصفحة رقم 362 ، استخدمها عندما تقابله ، عندها سأتولى أمره لكن..

- لكن ماذا ؟

- أخشى أن ينال منك قبل تلاوتها، وقد يصل الأمر إلى قتلك ، فأبو سراج ساحر فطن وعديم الضمير.

فكرة ذكية من هتّاف فهو لا يستطيع مجابهة أبو سراج لكن لا يمنع ذلك من يعطيني حلول موجودة في ذلك الكتاب ، ومن حسن حظي أن هذه التعويذة لا تتطلب عمل مسبق بل يكتفي بتلاوتها ، إلا أنها طويلة بعض الشيء فهي حوالي ثلاثة أسطر ، فاضطررت إلى حفظها على ظهر غيب ، وبعدها تواصلت مع أبو سراج هاتفياً غير مبالياً بالمجازفة واتفقت معه على أن أقابله في بيته لأسلمه الكتاب.

كان البيت من الطين في منطقة نائية على أطراف المدينة التي أعيش فيها ، عندها شككت بأن الأمر فيه ريبة ، والذي أثار شكوكي أكثر فأكثر هي وقت المقابلة وهي الساعة الوحدة بعد منتصف الليل.

فعندما ذهبت إلى المكان المقصود ، دخلت ذلك البيت إلى أن أتاني ذلك الصوت:

- أهلاً أيها الساحر الصغير، هل أحضرت الكتاب ؟

- نعم.. خذه .

ألقيت الكتاب على الأرض بطريقة توحي بأني مستاء منه ، وقد أخذه أبو سراج وهو في قمة الشغف لرؤيته قائلاً:  لأكثر من عشرين سنة وأن انتظر هذا الكتاب وأخيراً حصلت عليه.

ثم قال: إن جدك المرحوم أعظم ساحر عرفته والآن سآخذ مكانه

- لا أسمح لك بأن تقول ذلك عن جدي.

- ههههااااا مسكين.

- لستُ مسكيناً .

- ألم تسأل نفسك لماذا ليس لديك إخوة ؟ لقد أجهضت والدتك عدة مرات بسبب جدك المرحوم.

- كيف ؟

- لقد قام جدك بعمل سحر يمنع والدتك من الإنجاب بسبب عقوق أبيك له ، فقد كان المرحوم يكره أبيك كل الكره .

جراء جملة  أبو سراج الأخيرة دارت في رأسي شريط الذكريات للخلف، تذكرت توبيخ جدي لأبي عندما كنت صغيراً، وعبارته تلك التي قالها له:

- إنك عاق لأبيك .

- أبي ما تطلبه محرم ولا يجوز.

- أصمت ليتك لست ولدي ، أتمنى أن يكون ابنك سامي أفضل منك.

بعد انتهاء شريط الذكريات التي دارت في رأسي، وعدتُ إلى أرض الواقع، باغتني أبو سراج بحركة سريعة جداً وقام بخنقي بيد واحدة ورفعني للأعلى ، لم أتوقع من أن شخصاً مسناً تكون لديه هذه السرعة والقوة.

- أتحسبني أبله يا سامي ؟ أعلم منذ البداية أنك أحضرت حارسك المعتوه هتّاف .

- كلاّ لم أحضره.

- كاذب ، لن تنطلي علي حيلك .

ثم شد في قبضته على عنقي أكثر كدت أموت من شدتها ، وألقى بي مباشرةً ليرتطم رأسي بالحائط ، كدت أفقد وعي من قوة الارتطام فقد أحسست بدوار شديد ، فقلت في خاطري هذه فرصة مناسبة لتعويذة التعطيل ، فبدأت بتلاوتها، وأمسك بي  أبو سراج مرة أخرى ورفعني بيده على نفس الوضع السابق وأنا مازلت مستمراً في تلاوتها، وقال :

- ما هذه تعويذة ؟ هل تتوقع أنك ستكون أقوى مني أيها الساحر الصغير؟ ستكون نهايتك على يدي يا سامي.

وأخيراً انتهيت من تلاوتها بصعوبة وأنا أكاد ألتقط أنفاسي بسبب الاختناق ، وفور انتهائي منها سقطتُ على الأرض و وجدتُ أبو سراج ينظر إلى  كلتا يديه بتعجب واستغراب لا يعلم ماذا حصل له ، ولم تمضي سوى ثواني بسيطة إلا و أتفاجئ برأس أبو سراج يتدحرج نحوي منفصلاً عن جسده بأعين مفتوحة ودماء متناثرة في أرجاء المكان ، وقد لطخ جزء من دمائه ملابسي.

غضبت من هتّاف بسبب ذلك ، لم أكن أنوي قتل أبو سراج ، لكن تذكرت عندما قلت لـهتّاف : أريدك أن تتخلص من ذلك المزعج أبو سراج بأي طريقة ، لكن حصل ما حصل ولا ينفع الندم.

والذي أحزنني وصدمني هو ما فعله جدي بعائلتي ، جدي الذي أحببته أكثر من أبي ، عندها تيقنت أن عالم السحر والسحرة مليئة بالكذب والخداع والخيانات، فأبو سراج ساحر محتال ونصاب كان ينصب علي في البداية بحجة أن يتخلص من الكتاب ، وجدي الذي تعلقت به في صغري اكتشفتُ أنه حرمني من الإخوة

في نهاية هذه القصة أود أخبركم بأن عالم السحر والسحرة مليئة بالكذب والخداع والخيانات والكفر والعياذ بالله ، فأبو سراج ساحر محتال ونصاب كان ينصب علي في البداية بحجة أن يتخلص من الكتاب ، و جدي الذي تعلقتُ به في صغري اكتشفتُ أنه حرمني من الإخوة فضلاً على أنه ساحر واستغل براءتي و ولعي بالقراء والمعرفة وأقحمني في هذا الجحيم ، كما أني ندمتُ كثيراً لدخولي هذا العالم ، وللأسف جاء هذا الندم متأخراً، وذلك بعد مرور عشرات السنين إلى أن أصبحت في الأربعينات من عمري ، لأني دفعتُ ثمن ذلك ، وكان الثمن هو حد الساحر ضربةً بالسيف ، فبالرغم من أني أصبحتُ ساحراً بمرتبة الأقطاب على مر السنين إلا أنه كشف أمري وتم القبض علي.

وأختمها لكم بنص حكم القاضي:

"وحيث ثبت لدينا إدانة المدعى عليه / سامي بن فلان آل فلان بالقيام بأعمال السحر والشعوذة ، فقد حكمت عليه بحد الساحر ضربةً بالسيف حتى الموت.


تاريخ النشر : 2016-11-15

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر