الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

أنا وحيد ! أتمنى الموت

بقلم : عاصم - مصر
للتواصل : [email protected]

لا أعلم حتى اليوم ما سبب كره البشر جميعاً لي

لأول وهلة عندما يقع نظرك على العنوان قد تظن أنه مكرر و مستهلك ، و تأفف مصطنع من شاب يندب حظه لسببٍ وهمي .. لكن هذه التجربة لجاري المريض و سأذكرها على لسانه ..

اعتدت منذ أن خلقت أن أعيش وحيداً ، لم يكن لي في يوم من الأيام أي صديق لدرجة أنني كنت أتعجب و أتساءل عن السبب ، مات أبي من ثلاثين سنة ، و تربيت على يد أم جاهلة قاسية القلب كالحجارة ، و التصقت بي صفة اليتم حتى أصبحت أعير بها ، تعودت على الفقر منذ سنوات طوال و لم أشتكي ، عملت كل شيء تقريباً و تعرضت للإهانة مراراً من المرضى و الظالمين و المتجبرين ، وحقّرت من أقرب الأقربين و من الجيران و الأهل .

كان العيد الماضي تقريباً هو العاشر على التوالي لم أرى فيه اللحم حتى أنه كان جار لي قد ذبح ، و لعزة نفسي لا يعلمها إلا الله و لكني حقاً كنت أشتهي اللحم و قد هم المفرق أن ينادي علي ليعطيني آخر كيس لحم ، فنهره صاحب الذبيحة و قال له " يا عم سيبك منه ده ، روح إديها للحاج فلان " و على حد علمي أنه قد ذبح هو أيضا جملاً و عجلاً صغيراً و خروفين ، و لكن الفقير حتماً لا أحد يأبه له ، و لا يهتم و لن يكترثون أصلاً بوجودي من عدمه أو جوعي أو مرضي ، ربما يتمنون موتي كلهم و لا أستثني منهم أحداً .

في بعض الفترات كنت أظن أنه لدي أصدقاء حقاً ، حتى سمعت صديقي بأذني قدراً يقول لصاحبنا الثالث " يلا بس بسرعة نمشي قبل عاصم ما يجي مش ناقصة هي مرض و اكتئاب " فعدت أجر أذيال الألم و الحسرة منذ نشأتي ، و قد جربت العمل في كل شيء و لكن قليل الحظ الأبعد ، لا أعلم حقاً ما بالي ، و أحمد الله على هاتفي هذا أقتنيته منذ سنوات عجاف و باقة انترنت ثمنها خمسة جنيهات في الشهر ، و بالطبع حذائي الفريد و بنطلونين الجينز ماركة 2009 و عدة قمصان مهترئة حقيرة .

غالب ما أكسبه تقريباً يذهب إلى الأدوية ، ثم أجد وجبة الفول رفيقتي شهوراً وسنين ، لم أكن أتخيل يوماً و رب البيت أن أستدين من جار لي لأسدد مصاريف جراحتي بعد أن وقعت له بالطبع إيصال أمانة على بياض ، و لاستعجاله لي و لم يصبر فرفع علي قضية و حكم فيها غيابي ، بالطبع فمصاريف المحامي ستزيد العبء ، حتى هددني و قال لي " لما إنت مش قد المسؤولية بتمد إيدك ليه ؟ أنا هفضحك في الشارع و خلي كل الناس تعرف إنك حرامي " حتى أصبح أنفي في الطين قسماً بالله ، و أسود وجهي خجلاً و خزياً و حياءً .

لا أعلم عدد المرات التى صفعت فيها على وجهي ، بل و على قفاي ، و لكمات و ركلات و ضرباً بالأحذية و بالأحزمة ، و بصقاً لا بأس به ، حتى قال أحدهم " لم إنت مش قادر تقف على رجلك هتقف قدامي أنا " و دفعني و سقطت أرضاً و سقطت نظارتي ، و داس عليها ، من وقفوا يشاهدون قمت بمفردي و لا أرى إلا لماماً حتى وصلت البيت ، كنت أسعل دماً و أتقيأ .

سمعت مرة القحطاني - و هو شاعر - يقول لا تشكون بعلة أو قلة فهما لعرض المرء فاضحتان ، و لكنها أنة محموم و غوثة مكدود و نفثة مصدور و زفرة مهموم و صرخة مكلوم ، لم أعرف سوى فتاة واحدة في حياتي ، كنت حينها قبل المرض حين أخبرت صديقتها أن تخبرني ألا أتصل بها ، فهي ببساطة تجدني كئيباً و مملاً ، و كلي مشاكل . ولا أعلم حتى اليوم ما سبب كره البشر جميعاً لي ، و ابتعادهم عني ، و لماذا حقاً لا يريد أحد أن يصاحبني أو يصادقني أو يسير معي حتى في الطريق و حتى إلقاء السلام لا يرد .

حتى الطبيب الذي ظننته يكن لي محبة ما قد قطع قرار علاجي ، و صرخ في وجهي ، و رمي ملفي العلاجي على الأرض أمام جمع لا بأس به من المتفرجين الذين كان بعضهم يضحك ، حتى أتى أفراد الأمن ليطردوني من المشفى و يحذروني من المجيء مرة أخرى .

صرت أتعجب حقاً لمدى قسوة البشر و ظلمهم و تجبرهم ، حين أخبر رجلاً يجلس بجانبي ربما في الأتوبيس فيصعب عليه التصديق ، و يتهمنى فقط بأنني حساس زيادة عن اللزوم ، و في الغالب تعلمت أن الناس تقف بجانب الظالم خشية منه و ربما مجاملة ، فلماذا أصلاً يتعب نفسه و يعبر مخلوق ضعيف فقير حقير مثلي ، ليس له قيمة تذكر و لا أهمية و لا ألقاب ، و لا أملاك و لا حسب أو نسب أو أطيان سوى تلك التي لطالما تمرغت في وحلها و حملتها على كتفي و ظهري .

بطبيعة الحال قصتي تبدو خيالية و سيستحيل على غالبكم التصديق ، لا بأس أيضاً تعودت على ذلك الحرمان و التهميش ، و قسماً برب السماوات و الأرض العزيز الحكيم الحليم الجبار ما رويت إلا ماحدث بالحرف و الوصف ، و هو غيضٌ من فيض ، و ما أقسمت إلا مكرهاً ، هذا فقط ليعلم منكم الحاضر و الغائب أنه يوجد مستضعفين في هذه الأرض لم يروهم و لم يسمعوا عنهم ، و سيموتون في الغالب قريباً جداً قدراً و ربما طلباً ، فباطن الأرض سيأكلني دودها و لكنها لن تجرحني أو تعيرني بمرضي أو بفقري و قلة حيلتي و عجزي و هواني على كل البشر .


تاريخ النشر : 2016-12-02
تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر