الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : تجارب ومواقف غريبة

مذكرات زول ساي ـ رأس الخروف

بقلم : فيصل الدابي المحامي - قطر
للتواصل : [email protected]

مذكرات زول ساي ـ رأس الخروف
كنت مستمتعاً بالسكن في البيت المسكون و حديقته الواسعة ..

عندما كنت مستمتعاً بالسكن في البيت المسكون ، كانت لدي جارة واحدة فقط ، و هي امرأة طيبة متقدمة في السن ، كان بيتها يقع في الجهة المقابلة ، كانت جارتي تسكن لوحدها في منزلها حتى الساعة الرابعة عصراً ، ثم تغادره لتنام في منازل أولادها و بناتها ، كنت أعتبرها كأمي تماماً ، و كانت تدعوني من وقت لآخر لتناول الطعام في بيتها .

ذات يوم ، اكتشفت أن ثلاجة المساكين (الجرة أو الزير) في البيت المسكون ، و التي تقبع تحت شجرة العنابة ، كانت فارغة تماماً وليس فيها نقطة ماء واحدة ، ذهبت عند منتصف الليل لمنزل جارتي الخالي لجلب بعض الماء من الطلمبة ، في أثناء قيامي بضخ الماء من الطلمبة ، اصطدم زجاج نظارتي بنور باهر صدر من ركن منزل جارتي ، اعتقدت أن لصاً ما يحاول سرقة ممتلكات جارتي فاندفعت إلى ركن المنزل محاولاً الاشتباك مع اللص و إلقاء القبض عليه ، اصطدمت أرجلي بنخلة صغيرة و تعثرت و كدت أن أسقط على الأرض ، لكن لم يكن هناك أي بشر في المكان .

عدت لطلمبة المياه و أنا في قمة الحيرة و الدهشة ، ملأت السطل بالماء ثم حملته و اتجهت به نحو باب منزل جارتي بعد أن أقنعت نفسي بأن الضوء الباهر الذي شاهدته قد يكون وهماً ، لكن في ذات اللحظة اصطدم ضوء باهر بزجاج نظارتي و كان مصدره هذه المرة من أمام باب منزل جارتي المغلق من الداخل ، و الذي لا يقف أمامه أي بشر ، عندها أيقنت بأن بيتي ليس هو البيت المسكون الوحيد في تلك المنطقة ، و أن عدد الشياطين في بيوت تلك المنطقة قد يكون بعدد ساكنيها من البشر أو قد يفوقهم بكثير !

***

ذات يوم ، حصلت على مبلغ مالي محترم بعد توكيلي بمباشرة بإحدى القضايا ، فقمت بشراء خروف كبير الحجم و دعوت شلة من رجال الشرطة لتناول الخروف في منزلي المسكون ، و كانت الشلة تتكون من عدد من رجال الشرطة الجدد اللذين ليس لديهم أي فكرة عن البيت المسكون و إلا لقاموا برفض دعوتي الكريمة رفضاً باتاً ..

قمت بذبح و سلخ الخروف في النهار ، ثم طلبت من جارتي أن تقوم بطهوه ، فقامت بذلك على أكمل وجه ، و قمت بجلب اللحم المطهي إلى المنزل في ساعة المغيب استعداداً للوليمة الكبرى في وقت العشاء ، كان من المفترض أن يصل ضيوفي من رجال الشرطة عند الثامنة مساءً ، لكنهم لم يحضروا و تأخروا كثيراً ، بدأت في تناول القليل من لحم الخروف لوحدي ، عند الساعة الواحدة و النصف صباحاً حضر رجال الشرطة و أخبروني بسبب تأخرهم و هو وقوع جريمة سرقة في أحد الأحياء البعيدة ، و تعطل عربة الشرطة في ذلك الحي ..

عندما ذهبت لاحضار لحم الخروف لم أجد قطعة لحم واحدة، لقد اختفى بأكمله !! لم يصدق رجال الشرطة ذلك و أخذوا يتبادلون تعليقات طريفة و يضحكون ، قال لي أحدهم : لا شك أنك تمزح لماذا لا تكف عن تدبير المقالب ؟! أين أخفيت الخروف يا أستاذ ؟! سألني آخر بلهجة المحقق الجنائي و قال لي : إذا أكلت كل لحم الخروف فأين ذهبت العظام التي لا يستطيع قرمشتها إلا الضبع ؟! لم يصدق رجال الشرطة حكاية قيامي بذبح و طهي الخروف إلا بعد أن أحضرت لهم جلده و رأسه و أظلافه ، و عندها خيم عليهم صمت ممزوج بدهشة بالغة ، ثم انفجروا ضاحكين من غرابة و طرافة الموقف المحرج للجميع .

في نهاية المطاف ، قام رجال الشرطة بطهي رأس الخروف و أظلافه ، فقمت بمشاركتهم في أكل الرأس و الكوارع حتى آخر لقمة ، في صباح اليوم التالي ، حضر رئيس مركز الشرطة إلى مكتبي و قال لي : يا محامي العساكر ، قالوا أنك دعوتهم أمس لأكل خروف كبير في وقت العشاء ، لكنك أكلت كل الخروف لوحدك ثم شاركتهم بحماس في أكل الرأس و الكوارع ، هل هذا الكلام صحيح ؟! قلت له بلهجة مازحة : نعم هذا صحيح ، ضحك رئيس مركز الشرطة حتى استلقى على قفاه ثم قال لي بلهجة لم أعرف في تلك اللحظة ما إذا كانت جادة أم مازحة : يا زول ، يبدو أنك ساحر كبير ، و ربما نقوم بترحيلك من هذه المنطقة في القريب العاجل !!

وما زلت حائراً حتى تاريخ اليوم في لغز اختفاء لحم و عظام الخروف ، فهل كان الخروف مسكوناً و اختفى من تلقاء نفسه ؟! هل قمت أنا لوحدي بأكل خروف كامل بلحمه و عظمه علماً بأنني لا أستطيع عملياً التهام أكثر من نصف كيلو لحم حتى لو تعرضت لمجاعة حقيقية ؟! هل أكلت أنا حوالي نصف كيلو من اللحم و تكفلت الشياطين الجائعة بأكل باقي الخروف ؟!

***

في موسم الدميرة عندما يرتفع منسوب النيل ، كان السكن في البيت المسكون يصبح مستحيلاً ، فقد كانت أسراب حشرة النمتي الأصغر حجماً من البعوضة تدخل في فتحات الأنوف و الأفواه ، و لذلك كنت أهرب في موسم الدميرة و أقيم مع شلة من رجال الشرطة في منزل يقع بعيداً عن مجرى نهر النيل ، و لا تستطيع أسراب النمتي أن تصل إليه بأي حال من الأحوال ، وكنت متأكداً بنسبة مئة في المائة أن منزل الشرطة البعيد من النيل غير مسكون بالأبالسة أو الجن ، لكن ما أن ينتهي موسم الدميرة و يختفي النمتي حتى أعود و اختفي في داخل البيت المسكون ، و أرفض الخروج منه إلا لمكتبي ، و أتوقف نهائياً عن الذهاب لمنزل الشرطة إلى حين قدوم أسراب النمتي مرة أخرى في موسم الدميرة القادمة !

عندما قررت مغادرة شمال السودان للعمل في العاصمة السودانية الخرطوم ، شعرت بحزن رهيب لفراق البيت المسكون ، في اللحظات الأخيرة قبيل مغادرته ، كانت الشمس تتأهب للمغيب ، و كنت أقوم بوضع ملابسي القليلة داخل حقيبة صغيرة تمهيداً للمغادرة ، في تلك اللحظة بالذات ، تم كسر جذع شجرة العنابة بعنف عجيب ، رميت حقيبتي على الأرض و ركضت إلى شجرة العنابة ، كان أكبر و أقوى و أضخم سيقانها قد كُسر فجأة دون أي سبب مادي ، فلم تكن هناك أي ريح ، و لم تكن هناك أي ضربة فأس ، شعرت بنوبة من الخوف ممزوجة بغضب شديد ، فقد كنت أحب شجرة العنابة الجميلة حباً لا يوصف ، فهي الوحيدة التي كانت تؤنس وحشتي بظلها الظليل و ثمارها الحلوة .

اتجهت بحقيبتي نحو الباب ، ثم وقفت في عتبة باب المنزل ، و بصقت في الهواء بعنف في اتجاه الفناء أو الحوش ، ثم قلت مخاطباً تلك القوى الشيطانية الخفية :
عليكم اللعنة إلى يوم الدين ، الآن سأترك لكم هذا البيت الواسع ، فامرحوا فيه كما تشاؤون إلى أن يحين موعد دخولكم للجحيم الأبدي ..

***

غادرت البيت المسكون ، و ذهبت للمبيت في منزل الشرطة ، لأنني اتفقت مسبقاً مع سائق الباص الذي سيوصلني للخرطوم بأن يقلني من أمام ذلك المنزل ، دخلت إلى فناء منزل الشرطة الذي كان يُوجد به حائط داخلي صغير ينتصب أمام الباب الخارجي ، و يفصل بين الفناء و الباب الخارجي ، كان منزل الشرطة خالياً ، وجدت عدة أسرة مفروشة في الفناء فاستلقيت على أحدها و رميت حقيبتي تحت السرير ، عند الساعة السابعة مساءً سمعت نحنحة كأنها صادرة من شخص يختبيء خلف الحائط الداخلي الصغير ، خاطبت صاحب الصوت قائلاً :

إذا كنت تعتقد أنك تخيفني بهذه الحركات فأنت واهم ، توقفت النحنحة لكن بعد حوالي ساعة صدرت النحنحة مرة أخرى ، فتعجبت و تساءلت : لا يعقل أن يقوم أي بني آدم بممازحة لمدة ساعة كاملة ، ذهبت إلى خلف الحائط الداخلي و استدرت حوله بسرعة لم يكن هناك أي إنسان خلف الحائط و لا في الفناء و لا داخل أي غرفة من الغرف الخالية في منزل الشرطة !!

عدت إلى سريري حائراً و في تلك اللحظة بالذات سمعت صريراً صارخاً ينبعث بقوة من داخل أحد الغرف المظلمة التي كانت تستخدم كمطبخ ، اقتحمت الغرفة بسرعة لمعرفة سر الصرير الصارخ ، أشعلت عود ثقاب فوجدت علبة لبن متوسطة الحجم موضوعة على صاج يقبع في ركن الغرفة ، استنتجت أن الصوت قد صدر من احتكاك العلبة بالصاج ، لكن العلبة كانت تقبع بهدوء في ركن الصاج فمن الذي قام بحكها بقوة على سطح الصاج ؟! و من الذي تنحنح مرتين خلف الحائط الداخلي ؟!

أخيراً وصلتني الرسالة الشيطانية الخفية بوضوح ، إذ يبدو أن الشياطين قد تبعتني إلى منزل الشرطة و قررت إزعاجي في الليلة الأخيرة لمغادرتي لشمال السودان ، لأنني بصقت في وجهها و أسمعتها كلاماً مسيئاً جرح مشاعرها الشيطانية القاتمة !

في الصباح الباكر ركبت الباص و غادرت شمال السودان بصورة نهائية ، و لكن ما زالت ذكريات البيت المسكون تسكن في ذاكرتي و ترفض الخروج منها حتى بعد استخدام القوة الجبرية ..

أخيراً إذا سألني قارئ فضولي من آل كابوس و قال لي : كيف تقول أنك شعرت بحزن رهيب لفراق البيت المسكون الذي كدت أن تفقد عقلك بداخله ؟! فسوف أرد عليه قائلاً : لأنني كنت و ما زلت متأكداً تماماً من أنني لن أتمكن مرة أخرى من الحصول على حديقة واسعة المساحة كحديقة البيت المسكون إلا إذا أصبحت أحد أفراد العائلة المالكة البريطانية ، و هذا هو المستحيل بعينه و رأسه و أذنيه !

فيصل الدابي/المحامي


تاريخ النشر : 2016-12-12
تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
انشر قصصك معنا
مقهى كابوس
اتصل بنا
فيسبوك
يوتيوب
اين قصتي
عرض متسلسل
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
تعليقات و ردود (21)
2016-12-21 09:42:17
135369
21 -
äßŝõĺűŤ Ďëmõň
معجبة بأسلوبك في الكتابة
2016-12-21 06:36:23
135346
20 -
عالم غريب
هههههههههههههه طريقتك في سرد القصص جدا مضحكة حياك الله عل شجاعتك
2016-12-18 05:20:23
134876
19 -
ميميشا
يا إلهي قصصك ممتازة أحييك على شجاعتك و خفت دمك أنت فعلا بطل و طريف حفظك الله أتمنى لك المزيد من إبداع أحسنت واصل أرجو أن تطربنا بالمزيد من قصصك بالتوفيق.
2016-12-17 14:47:55
134797
18 -
فايزةالحبيب
هل هذاه القصص حقيقة أو من أدب الرعب و على فكرة في تونس ايضا نقول شكشوكة على البيض و الطماطم
2016-12-16 08:18:27
134539
17 -
فاقدة الأمل..
فيصل الدابي..
آآآه يعني شخص عادي أهاا..شكراا ع التوضيح..
ع فكرة..قصصك كتير حلوة بإنتظار البقية..(:
2016-12-16 02:28:08
134511
16 -
جروح لزمان
استاذ فيصل اتمني توصل ما بقي في ذاكرتك من قصص
2016-12-15 22:04:35
134498
15 -
جنود الحروف
شكرا استاذ فيصل
لا اعلم ان كان هناك قصص اخرى في ذاكرتك لكنني اتمنى ذلك ف قصصك جميلة واسلوبك في الكتابه اجمل

تحياتي
2016-12-15 10:46:32
134412
14 -
فيصل الدابي
الى اسيل وفاقدة الامل

زول في العامية السودانية تساوي شخص بالعربية الفصحي

ساي في العامية السودانية تساوي عادي غير مهم بالعربية الفصحي

وعموما هناك كلمات كثيرة في العامية السودانية لا يفهمها العرب لانها ذات اصول افريقية نوبية مثل كلمة عنقريب وتعني السرير وشكشوكة وتعني بيض بالطماطم والله اعلم
2016-12-15 08:05:07
134393
13 -
فاقدة الأمل..
زول ساي يعني زبادي not VIp
كيف يعني ما فهمت..؟؟



لو انا مكانك بعيش فيه ما بتركوو بيت كتير كبير ومع جن..!!
2016-12-14 22:03:04
134345
12 -
أسيل
فيصل الدابي
لم أفهم :
2016-12-14 22:03:04
134339
11 -
عبدو عبد الرحيم العرائشي المغربي
أعرف إحساسك جيدا أخي
2016-12-14 11:31:57
134280
10 -
غريب
كنت اتسائل وش يعني زول ساي؟ واللحين عرفت

فيصل انت شجاع وبطل
2016-12-14 08:36:35
134248
9 -
فيصل الدابي
يعني زول عادي زي الزبادي not VIP
2016-12-14 07:32:07
134241
8 -
أسيل
ما معنى زول ساي؟
2016-12-13 03:43:42
134051
7 -
بيري
حتى انا لو كنت مكانك لعشقت هذا المنزل الواسع الجميل والغامض وكان اجمل لو كنت تزوجت وانجبت فيه وتكاثر عدد الاولاد والاحفاد ليملؤوا كل ارجاء البيت فهذا سيقلل من خوفك وتسمتعون بجمال هذا المنزل الذي لا يتكرر
2016-12-12 22:53:10
134035
6 -
ضوء القمر
استمتعت كثيرا بقراءة قصصك ولقد احببت البيت المسكون كدلك من بعيد لبعيد اتمنى ان تواصل الكتابة في اي قسم فاسلوبك جيد ومميز بالتوفيق^^.
2016-12-12 22:52:57
134027
5 -
ليالي ديسمبر
في كل مرة أستمتع بقراءة مذكراتك الأخ زول فهي شيقة، مثيرة، ممتعة، ومرعبة وقد وصلني إحساسك الأليم لفراق بيت أحلامك المسكون
2016-12-12 18:24:10
134009
4 -
سفاح شات المحبين
انا من شمال السودان اخ الدابي
باي مدينة
يوجد البيت المسكون
ساقوم بزيارته
2016-12-12 18:24:10
134007
3 -
زول كدا...
أستاذ فيصل شكلك زول كتاب ما شاء الله عليك نتمنى انك تكتب لينا عن القصص والجرائم البتمر بيك ف مسيرتك العملية
2016-12-12 15:08:26
133983
2 -
شخصية مميزة الى المحامي
قصصك مثيرة لكن حسب ما يبدو هم جن عابثون فقط ويقومون باللهو واخافتك وانت عبرتهم واعطيتهم قيمة فواصلوا لهوهم معك فلو تجاهلتهم لملوا من لعبتهم ربما وتركون فالجن العابثة هكذا يفعلون يتسلون ان رديت عليهم واصلو ان تجاهلتهم تركوك خائبين ولكن شجاعتك يارجل والبصق عليهم ايضا جلب لك المساكل لو رقيت البيت لكان احسن ولكنت الان بين جنباته تتمتع بالحديقة فهذا هو المقطع الذي احزنني فقدانك لبيت كهذا حتى لو كان فيه جن ففرصة كهذه لا تتوفر دائما وانت اضعتها ننتظر المزيد من قصصك في الخرطوم
2016-12-12 15:08:26
133981
1 -
نوره
السرد جميل وقصتك اجمل
ننتظر بقية قصصك
move
1
close