الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

التائه

بقلم : مصطفي جمال - مصر
للتواصل : facebook.com/profile.php?id=100012779294789

التائه
من أنا و من سأكون .. كل ما أعرفه هو أنني أقف منتصباً وسط الصحراء

أين أنا و أين سأكون و كنت ؟! من أنا و من سأكون ؟ لماذا أنا هنا وسط الصحراء القاحلة ، يحيط البرد بجسدي العاري تماماً ، من أين جئت و إلى أين سأذهب .. من أكون ؟ لست بشرياً و لست جنياً أو شبحاً أو شيطاناً رجيماً مشتعل ، لست روحاً شريرة تأبي المسامحة ، لست مارداً أو عفريتاً أو روحاً ترفض الصعود إلى عدن أو الهبوط إلى الجحيم ، لست إلهاً إغريقياً يعيش أعلى جبل الأولمب ، لست ؛حد آلهة الفراعنة أحاسب الموتى بجانب أوزريس ، أو أضع ريشة ماعت على الميزان ، لست شينيجامي يقتلع الأرواح من أجسادها ليرسلها إلى حياتها الأخرى ، لست أحد كهنة البوذيين أو راهبي التبت ، و بالتأكيد لست والدالاي لاما ..

كل ما أعرفه هو أنني أقف منتصباً وسط الصحراء ، بشعر أسود شبه طويل يتدلى على وجهي بدون أي ملابس ، و جسدي ليس بيولوجياً و ليس أثيرياً ، بل هو متفاوت بين هذا و ذاك ، و هذا التفاوت الجميل اختفى ليحل مكانه هذا الجمود المادي ، لكنني لست بيولوجياً ، أقسم لك أنك لو طعنتني أو قطعت رقبتي أو قطعت لساني و علقتني عارياً على باب زويلة فلن اموت ، لا أحتاج إلى الطعام أو الشراب ، لا أحتاج إلى التخلص من فضلاتي ، لا أحتاج إلى النوم ، لست فيزيائياً .

لا أعرف إلى أين أذهب و متى أذهب ! كل ما أفعله هو المشي من أجل المشي ، الرقد من اأجل الرقد ، الوقوف من أجل الوقوف ، متجهاً إلى المجهول دون مراد مسبق ، حقيقتي و حقيقة ما أنا متجهٌ إليه عبارة عن زجاج يشوبه الضباب ، و لا تكاد ترى عبره شيئاً ..

من أنا و إلى أين أنا ذاهب لا أعرف و لن أعرف ، لا أريد شيئاً  و لا أعرف إن كنت موجوداً أم أنني بعض جزيئات الرمال  تتقاذفها الرياح دون كلل ، لماذا أنا موجود ؟ كلها أسئلة راودتني هذه الليلة ، الليلة التي وعيت فيها و استيقظت وسط الصحراء ، نفس الليلة التي أنا فيها الآن نفس الليلة التي تأبي الفناء ، تلك الليلة التي تأبى شروق قرص الشمس ليتوج على عرشه وسط السماء الملبدة بالغيوم ، الشمس التي لم أرها لكنني أعرفها .

أنا متأكد أن الذي أمامي ليس سراباً و ليس خيالاً ، إنه حقيقي .. بشريٌّ يقف أمامي على مرمى بصري ، كأنه كان ينتظرني ، قال بصوته النقي الخاشع بهدوء مخيف :

" خذ هذه و ارتديها كي لا تلفت الانتباه ، فالناس هنا لا يرون شخصاً عارياً كل يوم "

و مد يده بملابس تبدو عربية ، و أخبرني أن أغطي وجهي ، و أردف يقول :

" أعرف من أنت و إلى أين عليك أن تذهب ، لكن لا يمكنني أن أخبرك إلا عن مكان وجودك الآن ، أنت تقف وسط رمال العرب ، أنت في جزيرة العرب ، في أراضي الحجاز ، اتجه كما تخبرك قدماك .. لا تتوقف ، اتجه كما تخبرك حواسك .. لا تفكر ، فقط اتجه إلى ما تقودك إليه قدميك ، و عندما تصل ستعرف من أنا "

و اختفى وسط رمال الصحراء بدون أي أثر ، بدون أن يعطيني فرصة للحديث ، تغوص قدمي في الرمال كلما خطوت خطوة إلى الأمام ، الشمس تشرق و تغيب ، تشرق و تغيب و و .. تعيد الكرة مراراً و تكراراً دون هوادة ، دون توقف ، في أبدية لا نهائية ، تشرق تغيب تصعد و تسقط كالأمم و الحكام ..

كم مضى من ساعات ، كم مضى من أيام ، كم مضى من أسابيع و شهور و أنا أتقدم دون توقف ، دون راحة ، قدمي تمشيان دون توقف ، لم أقف منذ وعيت على هذا العالم ،
هل هذا سراب ؟! لو كنت فانياً لقلت أن هذا سراباً .. مدينة ذات تصميم عربي و تطل على البحر ، الكثير من البشر و الكثير من الأسواق و البيوت و المباني ، كانت تلك هي أول مرة أرى فيها ما يسمى بالـ (مدن) ..

دخلتها و تقدمت على نفس الخطى التي أمشي بها منذ أسابيع و شهور ، حتى وصلت إلى ساحل البحر ، ظللت واقفاً منتصباً في مكاني ، أمامي زرقة البحر و عظمته ، مضت ثلاثة أيام ، ثلاثة ايام أقف فيها كوقفة أوزوريس منتصباً كالعود ، كأنني عصى موسى تنتظر انفتار البحر .

هل خدعني الرجل أم سيأتي ؟ ربما أجل و ربما لا ، لماذا وثقت به لا أعرف  ، هذا ما قاله لي عقلي ، أو ربما قلبي

- لماذا تقف هكذا يا رجل ، أنت تقف هكذا منذ ما يقارب اليومين و لم أرك تتحرك قط
- كيف أعبر المحيط ؟
- يوجد ميناء قريب ، فقط امشي بمحاذاة البحر و ستجده
- أريد عبور المحيط بقدمي
- أعد ما قلته أرجوك ، بالفعل يبدو أنك مجنون ، فنظراتك الجامدة تلك لا بد أنها لمجنون ، أرجوك ابتعد من هنا فأنت تخيف المارة
- حسنا

الماء بارد يحيط بقدمي ، يشعرني بأنني أمشي وسط الجليد ، لا يمكنك تخيل البرودة ، حتى و أنا لست فانياً فالمياه باردة ، حتى و لو كنت في وسط شهر أغسطس الحار فستشعر ببرودته ، و كأنه يريد أن يخبرك بقدرته و عظمته ، تغلب على شمس رع و حرارتها ، تغلب على شدة الحرارة الحارقة و ثلج قدمي المتورمتان التي شوهتها رمال الصحراء الحارقة ، الرمال التي تركع خشوعاً لبرودة تلك المياه ، و تخفي حرقتها و حرارتها بثلجها المهيب .

هذا هو الإحساس الذي راودني و أنا امشي على تلك المياه متقدماً دون هدى ، دون أن تغطس قدمي أكثر في المياه ، دون أن تنتشر برودتها في جسدي ، و دون أن ياكل ملحها قدمي ، الناس مجتمعون حول الشاطىء ينظرون إلي و أنا أمشي على المياه ، و كم من مرة ترى رجلاً يمشي على الماء ، يمشي حقاً على الماء !!

أين أنا الآن ؟ أين أكون ؟ حولي زرقة الماء تبتلع كل ما حولي ، لا سراب لا شيء ، قدماي تأبى الحراك ، هل هذا هو المكان المنتظر ؟ هل سأقابله هنا ؟ هل سيأتي الشيخ أم أنني سأظل واقفاً ؟ هل سارأه قبل الممات ، هل أنا قابل للموت من الأساس ؟!

" لا تفكر كثيراً ، لقد وصلت إلى ما كنت تريد ، أن تصل هنا هو المكان الذي قادتك إليه قدميك وسط المحيط الهندي "

قالها الشيخ الذي ظهر فجأة ثم أكمل :

" لن أخبرك من تكون أو من أين جئت ، أنت سقطت و من حيث سقطت ستعود ، لكن قبل العودة يجب الاتجاه .. اذهب إلى مصر ، و هناك ستعرف من أكون و إلى أين عليك الذهاب "

فقلت :
" كيف أذهب إلى مصر ، و أين هي ؟ "

لكنه لم يرد ، لقد اختفى فجأة كما ظهر ، لم أعرف هل سأقابله ثانيةً أم لا .

سأتجه إلى مصر ، لا أعرف كيف أو أين علي التوجه ، الشمال أم الجنوب ، إلى الشرق أم الغرب   قدماي تقوداني إلى الأمام ، و تبتلعني زرقة المحيط ، و أختفي وسط الضباب ، الشمس تشرق و تغيب فيعم المساء   فتشرق بنور الفجر لتملأ الدنيا نوراً.، لتغيب في نهاية الأمر لتشرق ثانية ليعم النور ..

كم مضى علي و أنا أعبر المحيط بقدماي العاريتين ؟! كم مضى علي و أنا أتجه إلى الأمام دون توقف ، كم مضى علي و أنا على هذه الحال ، أيام ، أسابيع ، ربما أشهر و أنا أتجه إلى الأمام .. هل سأرى اليابسة ثانيةً ؟ هل ستلمس قدماي الرمال ؟ لا أعرف ماذا أفعل ، هل أقف أم أتابع التقدم ؟ هل أغير الاتجاه أم أتابع التقدم إلى الأمام ؟

أسئلة كثيرة ظلت في عقلي حتى وصلت إلى اليابسة ، إلى المكان الذي أقف عليه الآن ، و تابعت التقدم دون أن أتوقف و دون أن ألتفت لصوت طلقات النار من خلفي أو للقتل و البكاء و العويل ، أمشي وسط الانفجارات و العصابات ، لا يرف لي جفن ، و لا يهم إن كانوا يموتون جوعاً أو قتلاً أو ذبحاً ، ما يهمني هو الوصول إلى مصر ، هذه غايتي ، هذا ما أريد الوصول إليه ، هذا هو طريقي .. كم من شخص حاول قتلي بدون سبب مع أني لست طرفاً في قتالاتهم السخيفة ، يقولون أنني في القرن الأفريقي ، و يبدو أنها قريبة من الحبشة ، الحبشة التي ستوصلني إلى الأراضي المصرية ، بحيرة فكتوريا تلك البحيرة التي تغذي أكثر من عشر دول بالمياه و من أهمها مصر .. مصر التي زُيِّنت بإسم النيل و اشتهرت به أكثر من أراضي المنبع نفسها ، مصر الدولة الأكثر استخداماً و استفادة من النيل منذ أقدم الأزمان ..

تركت أراضي الصومال مشتعلة بحروبها و قتالاتها ، و اتجهت إلى أراضي الحبشة أو ما تسمى الآن أثيوبيا ، من يصدق أن أكسوم قامت هنا منذ ألفي عام و يزيد ، الامبراطورية الضخمة الغنية أصبحت أثيوبيا الهزيلة الفقيرة !!

" لا تلمس مياه النيل المقدسة و لا تقترب منها حتى ، خذ الطريق الغربي و اتجه نحو الشمال و سأقابلك حينما تقف قدماك " قالها صوتٌ آتي من السماء ..

كم مر من الزمان و أنا أعبر الطريق إلى مصر ، شهر ، شهران ، عشرة أشهر لا أعرف ، و لا يمكنني الجزم ، و لا أريد ان اعرف ، لقد عايشت رمال الصحراء و فارقتها مرات و مرات و تقدمت كثيراً و قد بدأت قدماي تدميان من كثرة احتكاكهما بالرمال ، لقد بدأت أنزف دماءً سوداء اللون ، تحول الرماد الى رماد محترق ، و بدأ ردائي الأبيض الناصع يحول إلى أسود قاتم ، و توقفت قدماي تأبى الحراك و تأبى الوقوف ، لأقع على جانبي و عيناي تدمعان دماء ، هل تلبّسني أحد الجن أم إنها نوبة صرع تصيب جنسي الذي لم أعرفه ؟!

حاولت الزحف لكن يداي تأبيان الحراك ، هل احتضر ؟ هل أموت ؟ ما أجمل الموت لو أتى ، لست فانياً و لست خالداً ،
الرؤية ضبابية وسط دموعي الحمراء التي غطت عيناي و وجهي .

" استيقظ و لا تدّعي الموت ، إن مياه النيل حارقة لك كالحمم بالنسبة للبشر ، قلت لك لا تلمس مياه النيل المقدسة و إلا احترقت و فنيت و تحولت إلى رمادٍ تدوس عليه البعير و تبول عليه الإبل و يبزق عليه بني البشر " قالها بنبرة غاضبة

ثم أردف يقول :

" لقد اضطررت لجرك إلى هذا الدير لتسترخي "
" هل أنا في مصر ؟ "
" أجل و بعيد كل البعد عن النهر المقدس كي لا تفنى"
" من أنت ؟ "
" أنا خيميائي "
" ماذا تريد مني ؟ "
" لا يمكنني التكلم ، يجب أن تتابع رحلتك إلى القدس و هناك ستعرف من أين سقطت و لماذا "
" القدس ؟ "
صمت ...

اختفى الشيخ كما ظهر ، لم يعد غريباً تصرفه ، و لم أعد غريباً على هذه الأرض الفانية ، أناس يرتدون السواد و يرتدون عباءة تخفي وجوههم ، تكاد تظهر أفواههم ، و بدؤوا بترتيل بعض الأناشيد باللاتينية بصوت غامض و مخيف يقشعر له بدنك كما يقشعر من ملامسة المياه الباردة ، يلتفون حولي و يرقصون يغنون يرتلون .. يموتون ، تسعة جثث ناضجة ماتت للتو ، بكاء و عويل يملأان المكان ، و يترامى صداه على بعد أمتار و تشتعل النيران من العدم كالشيخ ، بنورها الأسود القاتم من على شموع سوداء لا تذوب .

تقدمت ببطء أبحث عن الباب أريد الخروج من الدير بأقرب وقت ممكن ، أحس بالإعياء كلما بقيت في الدير ، يجب علي الخروج قبل أن....

استيقظت لأجد نفسي أمام صرح كبير تخشع له الأرض من حوله ، و تهابه الطيور لعظمته ، الصرح القديم قدم الزمان ، الصرح الذي مر عليه ما يزيد عن أربعة آلاف عام ، الهرم الأكبر يقف منتصباً في هيبة و جلال و عظمة ، ما أجمله بعيداً عن من لوثوه ، بعيداً عن الفانين ..

" اتجه إلي ، عندها ستعرف من أين سقطت و لماذا ، انسى الشيخ ، لم يكن يريد مساعدتك كل ما أراده هو دماؤك "

قالها صوت قادم من الهرم الأكبر ، صوت شامخ شموخ الهرم نفسه ، صوت يدل على القدم و الكبر و الحكمة ، صوت مهيب يملأ صداه المكان و يعم الصمت إجلالاً له ، اتجهت - ببطء لا أعرف سببه - إلى الهرم ، كلما تقدمت عرفت أنه أكبر و أعظم مما توقعت ، يتضخم كلما اقتربت ، و يعلو كلما تقدمت ، تفتح البوابة ببطء مهيب ، و يشع نور براق من داخله ينير الظلام المحيط بي ، و يشدني إليه لأدخل ..

أتقدم أتعمق بداخله بين أروقته التي تحكي أربعة آلاف عام من تاريخ ما مر به الهرم من أحداث و ما تعرض له من كوارث ، كم من حجر أخذ منه لبناء سور مجرى العيون ، كم أخذ منه لبناء قلعة صلاح الدين ، كم أخذ منه لبناء البوابات و البيوت و المساجد و الكنائس و قلاع ، كم حجر سقط عند تعرضه للزلزال ، كل هذا لم ينقص من عظمته شيئاً ، ظل قائما و سيبقى منتصباً مهما سقطت و قامت دول ، سيبقى قائماً إلى أن تطوى الأرض و السماء ...

الأروقة تحكي ما لا يجب أن يعرفه الفانون ، الكثير من الأسرار ، الكثير من الأحداث تحكيها الأروقة ، غرفة السجلات التي تحكي كل تاريخ و أحداث العالم ، ما حصل و يحصل و سيحصل ، الكثير و الكثير ، ستجن إذا عرفت كل هذا ، ستجن إذا عرفت لماذا قتل آخر قياصرة روسيا ، لماذا قامت ثورة فرنسا ، الكثير بل أعمق من هذه الأسرار لن أستطيع وصفها قبل خلق الأرض و بعدها ، هنا في هذا الصرح العظيم .

أقف وسط غرفة السجلات ، كل شيء عن الكون ، كل شيء عن العالم أمامي ، مصير البشر ، وجودهم و سببه ، لماذا وجدنا و إلى أين سنذهب ؟ كل الأجوبة أمامي ، ماذا حدث و يحدث و سيحدث .. أمامي ، لكنني لست موجوداً فيها ، إنها ما تسمى بالسجلات الأكاشية ، السجلات التي كوّنها الأثير لكل شيء ، أنا لست موجوداً فيها ، لماذا أنا لست موجوداً ؟ لماذا أنا ؟! ..

" هدئ من روعك يا كارون "
" من انت؟ "
" أنا آمون ، أنا من أعرف عنك كل شيء ، أنا من قادك إلى هنا ، أنا من جعلك تأتي إلى مصر ، أنا من أرسل إليك الخيميائي ليقودك إلي ، لقد سقطت أنت من السماء ، لقد سقطت لأنك اطلعت عليها ، اطلعت على السجلات و عصيته ، أنت من اطلع عليها ، و بسببك استطاع البشر الاطلاع عليها ، لقد قام الكثيرون بسببك بالاطلاع عليها ، منهم من انتحر ، و منهم من حكم ، من غيروا التاريخ ، من عظموا من قتلوا من فجروا أنفسهم بقوة الشاكرا ، قوة الغضب ، لقد اطلعتهم على كل شيء في العالم ، و جعلتهم يعرفون الكثير ، لقد سقطت من عدن لهذا السبب "
" أتقصد أنني..."
" أجل "

لقد تذكرت كل شيء ، تذكرت كل ما فعلت ، كل ما اقدمت عليه نفسي من عصيان و ذنوب و خطايا ، لا يمكن الغفران لي ، أصبحت كلوسيفر اللعين في الأرض ، لكنني لست موجوداً ! لقد خرج اسمي من السجلات !! إلى أين أذهب الآن ؟؟
قلت دامعاً و قد بدأت أبكي :

" إلى أين أذهب الآن ؟ لم أعد موجوداً ، لقد خرجت من السجلات الأكاشية إلى الأبد "
" اذهب الى القدس ، هناك قد تنال الغفران و تولد كفاني بائس ، و إن لم تنله فيمكنك الارتباط بأحد الفانين حتى موته و الاهتمام به ، إن لم تستطع فلقد انتهى أمرك "

بدأت أعوي و أبكي بغزارة ، وجدت نفسي خارج الهرم ، و بدأ الريش الأسود يتطاير حولي .

" حلق بأجنحة الغراب الملعونة و قد سودتها الخطايا بعد أن كانت بيضاء ناصعة ، اذهب بها الى القدس " قالها آمون قبل اختفائه ..

السماء لا تطيقني ، و تمقت طيراني فيها ، تمقتني بشدة لا توصف ، الأرض تمقتني ، تكره مشيي عليها ، عدن تمقتني و تمقت تنزهي فيها ، تمقتني بشدة ، لم يعد لي مكان ، هل من فرصة للغفران ؟ لم يتبقَ لي غير القدس ، و ريش الغراب يتطاير في السماء كلما رفرفت بجناحي الأسودان في السماء الملبدة بالغيوم ، أكاد أصل إلى القدس ، الأراضي المقدسة التي رأت الكثير من الويلات منذ وجودها .. من فرس و روم ، و من الكثير من الحكام ، عاشرت الكثير من الحضارات و الأديان ، و قدمها قدم الزمان ، غزاها الكثيرون و سكنها الملايين عبر السنين .

ضربتني السماء بصواعقها و أسقطتني على الأراضي المقدسة ، أزحف إليها أريد الغفران ، أريد أن أعود إلى السجلات ، أريد أن أعود ..

القبة الذهبية تزين المدينة المقدسة ، صوت الأذان ، أجراس الكنائس ، الصلبان و الأهلة ، البيوت القديمة و أروقة القدس العتيقة و جدرانها الشامخة ، أراها و دموعي تبرق بشدة ، إنها القدس الجميلة ، القدس التي ستعطيني الغفران ، القدس التي ستعطيني الفرصة الأخيرة ، إنها لقدس ..

اقتربت منها ، تقدمت أريد دخولها ، أنا على الباب ، أنا أكاد أدخل ، و لكن لماذا تأبى دخولي ؟ حاجز شفاف يقف بيني و بين المدينة ، لا يمكنني الدخول ، أنادي بأعلى صوتي ، بكل ما لدي من قوة ، لكن لا أحد .. الكثير من البشر الفانون يعبرون خلالي ، و كأنني لست موجوداً !!  لست أثيراً و لست جماداً ، لست فيزيائياً و لست بيولوجياً ، لست بشرياً لست شبحاً ، لست جنياً أو شيطاناً ..

لا يمكنني العبور ، لا يمكنني الدخول ، لا يمكنني الاقتراب ، لا يمكنني لماذا ؟؟

" المدينة أقدس من دخولك إليها ، أنت فاسد ، الخطايا تكاد لا تخلو منك ، عد أدراجك ، لقد تم حذفك من السجلات ، لم يعد لك وجود ، لم يعد كيانك حي ، لن تعود إلى عدن ، لن تفنى أو تموت أو تعيش ، ابحث عن فاني تعيش معه حتى فنائه "

سقطت أبكي بغزارة ، و أعوي وسط صوت الأجراس و الأذان ، و مشيت بلا هدى ، أعود أدراجي لكن إلى أين .. أين أجد الخلاص ؟؟ من أنا ؟

                                       النهــاية


هوامش موقع كابوس :
 السجلات الأكاشية : هي سجلات ضخمة توثق كافة الأحداث التي مر بها الكون كله ، و يقال أن الأثير هو من قام بإنشائها ، و يطلق عليها أيضاً اسم كتاب الحياة .. و يزعم بعض العرافين أنهم استطاعوا الدخول إلى تلك السجلات ، و هناك من ادعى أنه استطاع الوصول إليها عن طريق النغمات الرتيبة للتراتيل أثناء الصلاة ، أو بالتعمق أثناء التفكير أو بعزل الجسم عن العالم المحيط به و هو ما يعرف بالإسقاط النجمي .. طبعا لا دليل علمي على صحة وجودها و يبقى الحديث عنها مجرد مزاعم .



تاريخ النشر : 2016-12-15
send
سجينة الماضي - سورية
جمال البلكى - مصر الاقصر اسنا
ألماسة نورسين - الجزائر
وردة البنفسج - مصر
بنت الاردن - الاردن
عبدالله الحربي، - السعوديه
أيوب بن محمد - المغرب
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
تعليقات و ردود (34)
2018-06-02 07:36:32
224864
34 -
ضيف
موضوع رائع ، اظنه ينتمي الى ادب الوثنيين الجدد Neo-Paganism ، السجلات الاكاشية موجودة في الميثولوجيا الاسلامية باسم اللوح المحفوظ ، في المسيحية توجد باسم سفر الحياة .
2016-12-28 14:08:12
136551
33 -
آنّا
جميلة هذه القصة وملفتة جداً
ولفتني ايضاً الهوامش الكابوسية في النهاية
بصراحة اتمنى بشدة ان ارى موضوعاً كابوسياً عنها عمّا قريب -إن كان هناك معلومات كافية عنها لانشاء موضوع-
وبالتوفيق لكم جميعاً
2016-12-23 11:21:36
135706
32 -
MEMATI BASH (فاطمة اللامي)
جميلة :)
2016-12-21 13:24:59
135410
31 -
معلـق ما
أظن أن التائه هنا هو القارئ !!!!!!
2016-12-21 08:31:37
135361
30 -
لؤلؤ
رائع رائع رائع رائع!!
2016-12-21 06:36:23
135347
29 -
روح بلا مأوى
قصة جميلة جدا و اسلوب راقي و فكرة رائعة في انتظار اعمالك بالتوفيق صديقي ☺
2016-12-19 16:09:18
135089
28 -
عزف الحنايا
ياجمال كل شيء بهالقصة .. رائعة بحق !
ماشاءالله عليك صديقي مصطفى كل ماكتبت قصة جديدة بتكون أروع من اللي قبلها .. واصل صديقي المبدع وستصل بلا شك إلى أهدافك وستحقق كل ماتحلم به ..
موفق دائماً .. بإنتظار جديدك :)
2016-12-19 09:40:15
135040
27 -
مصطفي جمال
محمد فيوري اسعدني تعليقك لكن تلك الفكرة من بنات افكاري اي انه جهد فردي فقط قبل ان ارسلها طلبت راي احدي اصدقائي لا اكثر ربما انت تقصد انني اريد ان اراسل الكتاب هذا بسبب انني اريد التعلم منهم للرقي اكثر باسلوبي و اذا كنت تقصد قصة اتفاق الشيطان مسرحية القدر فهي ايضا من بنات افكاري فانا لم اقرأ فاوست لكن على العموم قريبا سترى قصة اخرى مميزة ان شاء الله
2016-12-19 02:45:12
135011
26 -
محمد فيوري
أخي العزيز مصطفي اولا أحيك علي الأسلوب الرائع وتركيبة الفكره
فهي بالفعل مختلفه وخارج الصندوق ومتعوب عليها ..

لكن اريد أن أقول يا صديقي ، في بعض الأحيان أري لك تعليقات مع الأصدقاء
وانت تبحث عن أفكار ، أنت كاتب موهوب والبحث عن الأفكار او أن تأخذ فكرة من احدا ليس عيبا
ولكن ما اقصده هنا أريدك ان تثق تماما إن أعطيت لعقلك الوقت والتفكير وجلست مع نفسك
ستجد مليون فكره موجوده بالفعل ، عليك ان تختار واحدة وتركز عليها هي فقط لتنطلق وتري النور
فتزاحم الأفكار بالعقل لبعض الكتاب الموهوبين يشعرهم بالممل أو الهروب والبحث عن فكره
تكون بعيدة عن عقله وتفكيره " لتصبيره " وهذا من وجهة نظري الشخصيه خطأ ، فأنا اريد ان اقرأ
القصه من الكاتب نفسه دائما ( بأسلوبه الخالص وافكاره الخالصه ) حتي لا يتغير أسلوبه وحتي لا تتغير بصمة أفكاره المعتادة بالنسبة للقراء ، فأسلوب الكاتب وافكاره هي من تصنعه وتصنع معجبيه وتصنع اسمه .

اختار فكرة من بين أفكار عقلك المتزاحمة واصنع بطل وتعايش انت بنفسك معه وانسج خيوط واصنع قصتك ، نسبة نجاحها يختلف تماماً عن نسبة نجاح أي قصه ماخوذة افكارها او قائمة علي التعاون ، انا اتحدث هنا عن رويات او قصص مكتوبه مقروءة وليست قصص السينيما وألمسرح المرئية ..

اعتذر علي الاطاله اتمني لك التوفيق دائما يا صديقي العزيز وفي انتظار جديدك ..
2016-12-18 13:55:06
134967
25 -
روز
و انا اقرأها شغلت موسيقى غامضة تميل للحزن


و المشكلة
اني بالاخر كانت النهاية حزينة و الموسيقى صارت حزينة
المهم
حسيت كاني اشفقت على الجسم الثيري الغامض :(
2016-12-18 13:55:06
134966
24 -
روز
انها اجمل قصة بالموقع بلا منازع

^^
2016-12-18 13:32:58
134965
23 -
4roro4 - مشرفة -
احببت الأسلوب .. اظنها فكرة فريدة من نوعها ، جميلة ^^
واعذرني لاني وعدتك بتعليق أطول من هذا الا اني لم اجد الوقت
بانتظار جديدك
2016-12-18 11:31:29
134945
22 -
‏ ‏التهامي‏ ‏
قصة‏ ‏جميلة‏ ‏‏ ‏احسنت‏ ‏مع‏ ‏اني‏ ‏اعترض‏ ‏عن‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الاشياء‏ ‏التي‏ ‏ذكرت‏ ‏بها‏ ‏‏ ‏على‏ ‏العموم‏ ‏قصة‏ ‏رائعة‏ ‏لاكن‏ ‏قد‏ ‏يصعب‏ ‏على‏ ‏الكثير‏ ‏فهمها‏ ‏
2016-12-18 09:48:19
134921
21 -
ريان التونسي
جميلة ..
2016-12-17 15:09:21
134806
20 -
مصطفي جمال
المستجير بالله

(يصطفي اختياراته الادبية الحبلى بالجمال)

تلك الجملة اعجبتني كثيرا اشكرك

اسعدني ان القصة نالت اعجابكم
2016-12-17 14:16:56
134782
19 -
المستجير بالله (منتخب بلغاريا 1994)
عمل جميل اخ مصطفى جمال لم اجد وقتا لقراءتها
ساقراها لاحقا ولكن وقعت عيني على عبارة منها كدليل
على انها تنم عن موهبة كتابية وابداع من
مشارك مصري اسمه مصطفى جمال
يصطفي اختياراته الادبية الحبلى بالجمال
اي ان لك من اسمك نصيب
2016-12-17 11:47:51
134741
18 -
منصور .........
أكثر من رااائع . هل يكون هناك جزء ثاني ؟
2016-12-17 09:49:14
134731
17 -
الكسندرا
مصطفى جمال

في الحقيقة رايي يختلف عن الكثيرين
اقصد اعجبتني القصة بشدة
اسلوبها الرائع كما قلت يحوي سحرا غامضا مجهولا بين كثبان الرمال
وطريقة السرد متقنة
احييك على هذا العمل المبدع فانت كاتب جد محترف
مااريد التنويه له انك قد ذكرت بعض الخرافات والمعتقدات وهذا ليس سيئا في الاخير انها رواية وهذا من خصائصها لكنني اقصد انك اخذت جانبا من الاساءة الى البعض مثلا كالصومال
وهذا ليس جيدا من الاحسن ان تعتمد على العموم في هذه الامور لكي لاتحدث نزاعات او ضجة في كتاباتك
مشكور جزيل الشكر ^^
2016-12-17 03:05:52
134663
16 -
salan sare
قصتك مملة ولم تعجبني أبدا بالنسبة لي
وسيئة ومسيئة لنا كصوماليين ، أرجوكم إفهمو نحن لسنا في حروب وليس وطننا يشتعل كما تقول أنصحك أن تختار الجمل المناسبة في قصتك بعيد عن الخطيئة بحق الآخرين نحن الآن دولة جديدة تتعافي من آلام الماضي وقت العصابات إنتهى وأرجو أن يتعافى العالم أجمع من الحروب والقتالات .) .
لا أنكر أني قرئت لك روايات كثيرة وأعجبتني مثل ( مسرحية القدر و و و ) أنت كاتب مبدع وقلمك رائع أتمنى لك أن تصبح كاتبا كبيرا
2016-12-17 02:59:50
134649
15 -
مصطفي جمال
❤️~šâŷtañlikরgécéরŷàriśi~❤️

انا موافق انتظري رسالتي غدا او اليوم مسائا
2016-12-17 02:58:55
134647
14 -
أسيل
ههههه وفي النهايه ماذا كان هذا المخلوق ://
ليست سيئه
2016-12-16 17:44:52
134632
13 -
❤️~šâŷtañlikরgécéরŷàriśi~❤️
الأسلوب جدا جميل. واعتقد فعلا ان القصه تختلف عن سابقتها على الرغم الفكرة تتيه القارئ قليلا.



عزيزي مصطفى. هل تمانع لو اشتركنا بكتابه رواية. انا لدي الفكرة ولكن. احتاج للمساعدة. ليس لدي فيسبوك او إيميل. لدي حساب انستغرام

اذا وافقت. أرجو ان تراسلني هنا.

Saygin soysal page fan
2016-12-16 15:16:58
134611
12 -
مصطفي جمال
...

صديقي هذا ليس حشوا بل هو مفيد للصيغة الادبية و ايضا مفيد لاوضح لك فعلا انه لا يعرف من يكون بالمناسبة تلك القصة متعوب عليها فانا اكتب فيها منذ شهر و لم اهتم الا بالاسلوب اما الباقي فهي قصة و اعرف ان لن يفهمها احد الا من يقرأها بتمعن شكرا على نصيحتك ساتبعها في القصة القادمة
2016-12-16 14:54:45
134597
11 -
Saja
لم افهم شيئآ
2016-12-16 14:27:00
134592
10 -
...
لا بأس بها لكن فيها الكثير من الحشو والتكرار للجمل نفسها عدة مرات.
و تشتت بالافكار قليلا
تحتاج لعدم استعجال بانجاز قصة ونشرها
عموما افضل بكثير من القصة السابقة التي كانت مكررة جدنا بتجسيد النبات للارزاح و بطفوليتها خصوصا غيرة المشرفة من تلميذة صغيرة بدون سبب او خلفية لحياة المشرفة نفهم به سبب وضع عقلها بعقل طفلة...
اما هذه القصة كانت انضج و افضل لكن كما قلت كثير من التكرار. و قليل من تنسيق وتنقيح النص
2016-12-16 08:18:27
134534
9 -
مصطفي جمال
الى من لم يقرا بين السطور من عرف حكاية القصة
2016-12-16 05:05:23
134523
8 -
السمراء
مملة ولم تعجبني مطلقا اخذت الكثير من الاشياء من هنا وهناك وجمعتها فيما كان يمكنك الاكتفاء بشيء او شيئين
2016-12-15 17:11:54
134474
7 -
البراء
أنت تعرف رأيي مسبقا بهذه القصة.. أهنئك عليها.
2016-12-15 15:20:48
134459
6 -
جنه الرحمن
القصه رووووووعه
شكرا موقع كابوس غلى رعايه المواهب وجعلها تخرج للنوووور
2016-12-15 15:20:48
134456
5 -
رزان
بعضها كان ممل لكن لا بأس بها جيدة
2016-12-15 13:11:42
134439
4 -
الفراشة الحالمة
قصة جميلة وأسلوب شيق سلمت يداك
2016-12-15 12:36:23
134434
3 -
لا اهتم
الموضوع معقد و ممل لكنك في تحسن .. واصل ^°^
2016-12-15 11:41:22
134428
2 -
غريب
القصة جميلة ومخيفه قليلا.
2016-12-15 11:41:22
134427
1 -
ملاك
اسفة صديقي لم تعجبني ابدا....
move
1
close