الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

هل أشكرك أو أعاتبك ؟

بقلم : جيهان -  الجزائر

رغم مرور السنين مازالت أبحث عنه بين كل الوجوه


منذ سنوات عديدة حين كان عمري 4 سنوات حدث معي شيء جميل للغاية لازلت أتذكره جيداً إلى يومنا هذا و لن أنساه أبداً ..

أذكر أنني و عائلتي الكبيرة ذهبنا في عطلة صيفية إلى أحد المدن الساحلية الرائعة داخل الوطن ، و كنا نستمتع بوقتنا داخل المخيم الصيفي الذي لا يخلو من الحفلات و السهرات كل ليلة ، و كان الجو عائلياً و دافئاً بامتياز بالنسبة للجميع إلا أنا .. باختصار لأنني بدأت أحس بأن اهتمامهم بي أصبح قليلاً ، لا أدري لماذا .. ربما لوجود أطفال غيري في العائلة و منهم من يكبرني سناً و منهم من هو أصغر مني ، لذلك لم أعد مميزة .. لا أدري 

و في ليلة من تلك الليالي الحارة اجتمعت العائلة كلها حول طاولة كبيرة لتناول العشاء ، و للصدفة العجيبة لم يسألني أحد الجلوس معهم حتى أمي !! فجلست في زاوية من الزوايا أنظر إليهم باستغراب و هم يأكلون و يضحكون و يتسامرون بدوني ، و لا يهمهم وجودي أصلاً .. فتملكني غضب شديد و أخذت قراراً لا يأخذه سوى طفل صغير يحس بأنه خسر حب عائلته و هو الهرب ، فخرجت من الخيمة أمام أعينهم و لم يكلمني أحد ، و كان ذلك ليلاً و في مدينة لا أعرفها ، و في مخيم شاسع يضم جميع أنواع الناس السيئين منهم و الجيدين ..

ثم أكملت طريقي و أنا أسير بين الخيم في الظلام أحدث نفسي عن عدم مبالاتهم بي ، و فجأة ضعت داخل تلك المتاهة و لم أجد لا طريقاً للهروب و لا حتى طريقاً للعودة لخيمتنا ، و بدأت ألتفت يميناً و يساراً بخوف كبير و ندم أكبر و لكن لا أرى شيئاً سوى خيم أناس لا أعرفهم ، فجلست على الأرض و بدأت بالبكاء ، و لم أكن أعرف كيف أتصرف في هذا العالم الكبير وحدي إلى أن رأيته ..

هو شاب في العشرينات ، طويل و أسمر و لكني لم أتذكر ملامحه فقد حدث هذا منذ زمن بعيد .. اقترب مني ثم قال ( لماذا تبكين يا صغيرتي و أين هما والداك ) فقلت له باكية ( لا أدري لقد أضعتهما و لن أجدهما أبداً ) و استمريت بالبكاء حتى حملني و ربت على ظهري و طمأنني قائلاً ( لا تقلقي سوف أبقى معكِ إلى أن نجدهما سوياً ) فتوقفت عن البكاء .. ثم أنزلني و أمسك يدي و بدأنا نلف حول تلك الخيم و هو يريني الناس و يسألني إن كانوا أفراد عائلتي و لكننا لم نجدهم .

ثم جاء شاب آخر اتضح أنه صديقه فسلم عليه و سأله عني فقال له ( إنها طفلة ضائعة و أنا أساعدها في العثور على عائلتها ) و في هذه اللحظة تماماً التفت على يساري لكي ألمح خيمتنا و عائلتي داخلها ، فتركت يده ثم قلت له ( يا عم  ها هي خيمنتا و ها هما والداي .. شكراً لك أنا ذاهبة ) ثم أسرعت إليهم بكل قوة و لم أنظر خلفي إلى ذلك الشخص الذي قضيت معه قرابة النصف ساعة .. و دخلت الخيمة و حضنت أمي بقوة و لكن هيهات .. لن تصدقوا ما حدث 

لم تكتشف عائلتي الكريمة غيابي أصلاً !! يا للمهزلة ، إنهم يظنون أنني كنت ألعب بجانبهم ، فغضبت مرة أخرى و قررت الخروج ثانية و لكن هذه المرة لكي أقول لذلك الشخص ( خذني معك لأنك اهتممت لأمري أكثر من عائلتي ) و فعلاً خرجت و لكنني لم أجده مع أنه كان هنا منذ دقيقة لا أكثر ، و بقيت أمام الخيمة عسى أن يرجع و لكن لا وجود له و لا لصديقه ..

و منذ تلك الليلة و أنا و كلما خرجنا من خيمتنا أبحث في وجوه الناس عساني أراه و لكن لا فائدة ..

أما اليوم و بعد مرور الكثير من الوقت مازلت أبحث عنه كلما ذهبنا إلى تلك المدينة ، و لكنني لا أستطيع إيجاد شخص لا أعرف شيئاً عنه ، لا اسمه و لا لقبه و لا عنوانه و لا حتى شكله ، و لكن كل ما أعرفه أنه الآن في الخمسين من عمره أو في حدود الخمسين ، بينما أنا الآن أدرس في الجامعة ..

كل ما أريده هو أن أراه ثانيةً لكي أقول له ( لا أدري هل أشكرك لأنك أنقذت حياتي من مصير مجهول و حميتني أم أعاتبك لأنك لم تتركني لكي أموت في مكان ما لوحدي ؟ لأن حياتي اليوم لا تختلف عن حياتي السابقة بل أسوأ .. و صدقني لو كنت أستطيع أن أختار عائلتي لكنت اخترتك لأنك بالنسبة لي أب عظيم و شخص لا مثيل له ، فقد كان بإمكانك أن تختطفني حينها أو تقتلني أو تتركني أو أي شيء و لكنك أنقذتني ، لذا أنا أدعو الله كل يوم أن يوفقك و يحميك و يكتب لي أن أراك على خير مجدداً )

 

تاريخ النشر : 2017-03-24

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر