الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

وداع الموت الغريب

بقلم : نجمة بحر - الجزائر

لا أراه في الصف إلا نادراً

كنت كعادتي أراجع أسماء طلبتي في الصف النهائي, كان عامي الثاني بعد استلامي لوظيفتي وفوجئت بشاب كان مستهترا مستهزءا بما كنت أقدمه من نصائح، وخطط لتسيير الحصص والدروس, بدا واضحا من نظراته أنني لم أكن الأستاذة الكفؤ لقيادتهم للنجاح، لكنني حاولت تجاهله ..

مرت الأيام وكان كل شيء يسير على أحسن مايرام، وكان هو الطالب الوحيد الذي يغيب لفترات طويلة، ولا أراه في الصف إلا نادراً, سألت عنه مدير الثانوية لكنه لم يعر للموضوع اهتماما كبيراً، وحثني كعادة المدراء على الاهتمام بالبقية, الى أن حضر ذلك الطالب في احدى الحصص المسائية، وقد بدا واضحا أنه كان في غير عالمنا تحت تأثير الكحول، وكنت من ضمن استاذين فقط نكمل الحصة الاخيرة ليوم الثلاثاء وسمحت له بالجلوس في آخر الصف فليس أمامي خيار آخر.

في الغد جاء واعتذر وربما كانت المرة الأولى التي أدقق فيها النظر إليه كان شابا أسمر فارع الطول نحيلا وربما أكثر ما كان يميزه اختلاف لون عينيه فاحداهما خضراء والاخرى بنية.. لم أطل الحديث اليه وختمت حديثي بقول :أرجو ألا يتكرر الموضوع مرة اخرى.

بعدها صار يحرص على حضور حصصي بأدب واحترام تام، بعد مدة وجدته يطلب مني بعضاً من وقتي لأنه متضايق وحزين وكان له ذلك، وككل مراهق في سنه راح يسرد على مسمعي بعض المعاناة التي يواجهها في الاسرة والمجتمع خاصة وأن والده كان شخصاً قاسياً متغطرسا،حاولت تقديم النصح على قدر المستطاع وطلبت منه أن يتصل بي اذا احتاج لذلك وانصرفت.


مرت الايام سريعا وكنت أراه يحاول استيعاب دروسه أملا في النجاح وكنت دائماً أساعده في ذلك حتى صار اهتمامي بنجاحه دون غيره ملفتا لبعض زملائي، وحتى أبي الذي نبهني لذلك وطلب مني الابتعاد عنه لسوء تصرفاته خارج الثانوية, لكنني اشفقت لحاله وقد نجحت أخيرا في جعله يتغير الى أن وفق في نيل شهادة النجاح وانتقل الى الجامعة، أما أنا فقد انتقلت إلى مكان آخر يبعد مئات الكيلوميترات بعد الزواج, بعد عامين من نجاحه انقطعت أخبار طلبتي عني تماما _أو هذا ماكنت اعتقد _ حتى فوجئت ذات مساء بإتصال من ندى وكانت احدى طالباتي بصفه سابقا،كانت تجهش بالبكاء وتخبرني أن اسحاق وهو اسم ذلك الطالب قد تعرض للقتل من طرف أحد المضطربين نفسيا وقد نقل الى المشفى في حالة ميؤوس منها.

لم أهتم كثيراً في البداية وظننت أنه مجرد حادث وسيشفى.. لكن أخي اتصل بي لاحقاً وهو يرثي لحاله وقال أنه نقل للعناية المركزة بعد ان فقد أسنانه واصيب بجرح عميق في مؤخرة راسه، وأتلف كبده جراء محاولة المجرم في دعسه برجله وقد تأثر كثيراً لأنه كان ضعيف البنية، استمر مكوث اسحاق في المشفى لأربعة أيام وهو في غيبوبة تامة وهنا بدأت الامور الغريبة, فقد اتصلت بي والدتي وراحت توبخني لانها سمعت من احدى قريبات اسحاق بأن استاذته جاءت لتراه، ووصفتني لهم وقالت باني كنت أقف خلف زجاج الغرفة احدق به، وابكي ثم انصرفت دون أن اتحدث الى أحد، وكم احتارت أمي حين علمت أني لازلت في البيت واني افكر فعلاً في السفر لأراه وأقف الى جانب أمه.

في مساء الغد غادر زوجي مبكراً لعمله، وبقيت مع احدى اخواته وابنتها وأصبت بضيق شديد في التنفس وانقباض في الصدر, هرعت الى الشرفة استنشق بعض الهواء ثم جثوت على ركبتي وطلبت منهما الاتصال بزوجي واخبرتهما بأني اموت.. ولم أهدأ الا بعد ساعة،كانت المرة الأولى التي ساورني فيها ذاك الشعور الغريب.

في صباح اليوم الموالي فتحت شاشة التلفاز لأجد الخبر الذي وقع على مسمعي كالصاعقة :"الشاب الجامعي الذي تعرض للحادث يفارق الحياة بالامس " كان مرا ومؤلما ذاك الخبر المشؤوم.. شاب في مقتبل العمر كان يحضر لخطبته من الفتاة التي احبها وكذا للتخرج من الجامعة بعد اشهر قليلة لكن القدر كان اقسى.

آه نسيت أن أخبركم أنني زرت أهلي قبل وفاته بشهر، والتقيته بالصدفة وأخبرني عن بعض الامور التي حدثت في الفترة التي كان فيها طالبا في صفي ثم طلب مني الانتباه الى حالي وكان وكأنه يودعني، المهم رحل اسحاق لكن ذكراه لا زالت في قلوبنا جميعاً رحمه الله.

أرجوا منكم أن تشرحوا لي كيف رأتني قريبته في المستشفى رغم أني كنت بعيدة بأكثر من 600 كم ثم لماذا شعرت بذلك الموقف الغريب في الوقت ذاته الذي فارق فيه هو الحياة ؟ واشكركم اذا اهتممتم بقصتي

احترامي للجميع ودمتم متالقين احبتي...

تاريخ النشر : 2017-04-11

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : زهرة الجليد
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر