الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ذات العيون اللوزية

بقلم : ميار علي محمود - العراق

كانت فتاة جميلة بعيون لوزية ثاقبة


إنها إحدى أيام الشتاء ، حيث المطر الغزير و البرودة القارصة كنت أتمشى ذاهباً إلى المدرسة كالمعتاد ، ولكني تفاجأت بوجود عائلة تنتقل إلى بيت السيد (رشدي) المهجور ، وكما يقول البعض المسكون .. 

قصة هذا البيت قديمة جداً عندما كنت في سن العاشرة ، سمعت من أصدقائي الكثير من القصص المخيفة حول هذا البيت و حول من كانوا يسكنون فيه ، وعرفت فيما بعد أن البيت هو إرث لعائلة السيد (رشدي) المختفين منذ عشرين عاماً تقريباً ، و لا أحد يقترب منه بسبب الحوادث المأساوية التي حدثت لعائلة السيد (رشدي) .. 


سوف أقص عليكم قصة العائلة بكل اختصار .. كان يسكن في البيت السيد (رشدي) و زوجته السيدة (زهور) ، و ابنان هما (طارق ، باسم) وابنة الصغيرة (فاطمة) ، وكان مالك البيت هو شقيق السيد (رشدي) ، وكان أعزب و عمله كرائد في القوات الجوية العراقية يمنعه من المكوث في البيت ، و كان شديد التعلق بأبناء شقيقه لذلك كتب المنزل بأسم شقيقه وهو السيد (رشدي) .

و للأسف استشهد السيد (كامل) شقيق السيد (رشدي) واتضح أن البيت انتقلت ملكيته إلى السيد (رشدي) ، وهذا ما جعل بقية الإخوة يشتعلون غضباً ، و من هنا بدأت المشاكل ، حتى قرر السيد (رشدي) أن يأتي بأخي وأخته و عائلة أخيه للعيش معهم في البيت الكبير ..


و بالفعل جاؤوا و عاشوا معاً و لكن كان الطمع هو سيد الموقف ، فقد بدأت زوجة أخيه بعمل السحر الأسود و تحضير الجن ، وخالتها هي من علمها ذلك فهي تعمل في كل مجالات السحر .. و بعد شهر من مكوث العائلتين مع عائلة السيد (رشدي) بدأت تحدث أشياء غريبة ، رؤيا خيالات تكسر الأطباق ، و صوت بكاء لا يعرف مصدره ، فقررت العائلتين الرجوع إلى بيوتهم و تركوا عائلة السيد (رشدي) تعاني إثر تلك الأسحار ، و بدأت تتدهور صحة السيدة (زهور) إلى أن فارقت الحياة بظروف غامضة و بدون سبب مقنع ، و ظلت العائلة تعاني و في ذات الوقت لا تستطيع العائلة مغادرة البيت و كأنهم احتجزوا داخله ، لا يستطيعون الانتقال إلى منزل آخر ..


وبعد مدة وجدوا (طارق) منتحراً ، وعلى إثر الصدمة و القهر توفي السيد (رشدي) في عزاء ابنيه الذي لم يحضره سوى القليل من الأقارب و بعض الجيران .. و في أثناء العزاء اختفوا (فاطمة ، باسم) وأغلق البيت و لم يحضر أحد منذ ذلك الوقت ، ولم يسمع عن الطفلين أي خبر ... 


و ها أنا اليوم أنظر لأجد عائلة تسكن في هذا البيت المخيف بعد عودتي من المدرسة ، مررت بالبيت أيضا فهو على طريق المدرسة فوجدت فتاةً صغيرةً تنظر من نافذة الغرفة العليا للبيت ، كانت ذات شعر منسدل وعيون لوزية ثاقبة ، و بشرة سمراء وملامح عربية بدوية تسر الناظرين ، تأخذ من ينظر إليها إلى الجمال العربي الأصيل ..

عندما أطلت النظر إليها ابتعدت عن النافذة و أنا أكملت طريقي أفكر بتلك العائلة والبيت ، وطبعا الفتاة الصغيرة ذات العيون اللوزية .. 


عندما وصلت للبيت قصصت ما رأيت في الصباح على عائلتي ، و قد أثارهم الاستغراب و منعوني من الاقتراب من ذلك المنزل خوفاً من أن يصيبني مكروه .. و مرت الايام و أنا أمر كل يوم من المنزل لأجد الصغيرة واقفة و تنظر إلى الشارع من خلال النافذة ، و عيونها تتكلم و فيها الكثير ليروى .. شعرت أن ملامحها بدت حزينةً جداً .. و في حينا تناقلت الأخبار و الإشاعات حول تلك العائلة ، فلم يرحب بهم أحد و لم يتقرب منهم أي أحد ..

و بعد فترة من الحاحي على معرفة سر هذة العائلة عرفت بأن هذة العائلة هي عائلة (فاطمة) ، فقد كبرت وتزوجت و جاءت للعيش مع ابنتها و زوجها في بيت والدها ، و الآن تبلغ من العمر خمسة و عشرون عاماً ، و ابنتها الصغيرة حوالي عشرة أعوام .. ومرت الأشهر وأنا كل يوم أنظر للصغيرة من النافذة وهي أصبحت تقف يومياً بنفس وقت ذهابي إلى المدرسة و رجوعي منها ، و لكني رأيتها هذة المرة تلعب في حديقة البيت كان شعرها بني طويل وجميلة كما هي دائماً .. فقمت بالتلويح لها ولكنها دخلت إلى البيت مسرعة ، أظن بأنها خائفة مني ..


و عندما عدت من المدرسة وجدتها واقفة ومبتسمة وهذا شجعني على التلويح لها مرةً أخرى ، وقد استجابت أيضاً و لوحت لي ، ومنذ ذلك اليوم و نحن نلوح لبعضنا البعض ، حتى مر على هذا كله سنتين ، وأنا الآن أمر آخر مرة من أمام ذلك البيت ، فقد تخرجت وسأذهب إلى الجامعة فمررت ولم اجدها واقفة كعادتها ، هل يا ترى مرضت أم ماذا ؟؟ فكتبت رسالة لها أودعها و كتبت لها عنواني و اسمي عسى أن تأتي لي ذات يوم .. وذهبت لأدرس الطب و قد استغرق ذلك مني ثمان سنوات خارج العراق .


و بعد عودتي سألت عنها فلم يعرف أحد أخبار عنها ، فذهبت إلى بيتهم فوجدت سيدة في بداية الثلاثين من عمرها تنظف الحديقة ، فألقيت السلام و سألتها عن الطفلة فابتسمت و قالت أنت هو الشخص الذي كان يلوح لابنتي ؟! فأجبت بنعم ، و عرفت أنها السيدة (فاطمة) ابنة السيد (رشدي) .. 
قالت اين ذهبت ؟؟ قلت سافرت لأكمل دراستي خارج البلد و قد عدت منذ يومين فقط ، قالت بسببك كنت سوف أخسر ابنتي الوحيدة ، فقد حزنت على غيابك و اشتد بها المرض ..

قلت: جئت لأودعها لكنني لم أجدها وكتبت لها رسالة أدرجت فيها كل المعلومات التي تحتاجها عني ، فردت علي لكننا لم نجد أي رسالة ، و قالت تفضل إلى الداخل .. 

دخلت و نسيت كل الإشاعات حول البيت و كل القصص المرعبة .. جلست في غرفة الضيوف ولم يكن البيت موحشاً على العكس تماماً ، البيت جميل و يريح النفس .. بعد دقائق دخلت علي فتاة شابة عمرها تقريباً ثمانية عشر عاماً ، كنت أتوقع أنها أخت الصغيرة لكنها لوحت لي وابتسمت ، نعم إنها هي ، و الآن هي شابة ! يال غبائي ، لقد مرت ثمان سنوات و أنا أحلم بها كطفلة صغيرة .. 


جلست و قالت اين ذهبت كل تلك السنين ؟؟ صوتها الذي أسمعه أول مرة دخل قلبي ، فأجبت بارتباك: كنت أدرس الطب خارج البلد ، فقالت أنت كنت الصديق الوحيد لي فنظرة الناس لي ليست جيدة كما تعلم ، وحتى دراستي تركتها ، و لكن والدي استاذ وقد أشرف على تعليمي جميع المراحل .. 

دهشت .. هل لهذة الدرجة ظلموا الناس الفتاة المسكينة !! فسألتها عن خالها (باسم) و كيف كانوا وما قصة البيت وهل هو مسكون فعلاً ؟ فبدأت بقص ما تعرفه و قالت :

خالي (باسم) متزوج و هو يقطن في مدينة قريبة من هنا ، و أمي وخالي لم يختفوا كما زعموا من لفقوا القصة ، بل أخذتهم جدتهم والدة جدتي أي والدة السيدة (زهور) واعتندت بهم حتى تزوج خالي وانتقلت إلى رحمة الله .. و بعد زواج أمي و ولادتي نقل عمل أبي إلى مدرسة قريبة من البيت فقررنا العيش فيه لقربه من عمل والدي .. 

فقلت: ولكن البيت مسكون ؟؟ 
فقالت بطريقة ساخرة : وأنت الآن في البيت المسكون ! وأطلقت ضحكة أرغمتني أن أضحك معها ، فقلت لها :
والقصص التي تدور حوله ، ما مقدار مصداقيتها ؟ 
فقالت: سوف أنادي أمي تشرح لك الأمر ..

وبالفعل جاءت السيدة (فاطمة) وبدأت بسرد القصة ، حيث قالت لم يكن مسكون إنما زوجة عمي سامحها الله اتفقت مع عمتي و عمي أن يخيفونا ويطلقوا الإشاعات حتى نهرب ونترك البيت لهم ، وما جعلهم ينتقلون من البيت هو مرض أمي المعدي وهو (السل) و ليست الأرواح من قتل أمي ، و لكن أخي (طارق) كان مصدقاً لما يحدث وظن أنها الأرواح من قتل أمي ، وبدأت الهلاوس تدور في رأسه إلى أن انتحر ، و والدي توفي بسبب قهره من إخوته وطمعهم ، فبسببهم خسر ابنه ولم يكن لديه أية نقود تكفي لعلاج أمي ، فجاءت جدتي و أخذتنا إلى الريف حيث تعيش ، و تربينا معها و أكملنا دراستنا ، وها نحن نعيش في البيت قرابة ثمان سنوات ولم يحدث شيء .. 


ذهلت مما سمعت ، فعلاً بعض الأشياء يخترعها الناس لتصبح حقيقة لا فرار منها ..


اسمرت زياراتي لتلك العائلة وقد كان السبب هو مرض طفلتي الملوحة أقصد (جنات) الشابة الآن .. شعرت أن القدر جعلني أدرس الطب لكي أعالجها من مرض (الروماتيزم) لأن دخلهم قليل و لا يستطيعون علاجها ، وكلما تقاربنا شعرت بقلبي يخفق لها ، و جاء اليوم الذي فكرت في الزواج بها ولكن عائلتي اعترضت بشدة فور علمهم بأسم الفتاة وعائلتها ، ووصلت الأخبار للجيران و بدأت المضايقات ، ولكني لم أفقد الأمل ، و (جنات) كانت تحزن و تريدني أن ارتبط بفتاة أخرى لكني لم أفعل ، و تزوجتها رغم أنف الجميع ..

و أنا اليوم أقص ما حدث معي لأولادي حتى يعرفوا أن يفرقوا ما بين الاشاعات والحقيقة .


(النهاية)
 

تاريخ النشر : 2017-04-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر