الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

نافذة الياسمين السوداء

بقلم : BNK - فلسطين
للتواصل : [email protected]

نافذة الياسمين السوداء
عيني ليست إلا "نافذة" تنقل لي ما يدور بداخلي إلى محيطي ..


بعد أن أنهيت دوامي وفرغت من أعمالي قمت بإعداد الشاي لأبدأ طقوسي اليومية : شرب الشاي بجانب نافذة بيتي الغربية... والتي قد تشبثت بها أغصان شجرة العنب ، تلك الأغصان التي زرعها جارنا العجوز والذي يعيش في الطابق السفلي، كنت قد قررت بأن أقوم بقص هذه الأغصان وإزالة أزهار الياسمين المتطفلة على شباكي فور انتهائي من شرب الشاي، فقد كانت تسبب لي الحساسية فضلاً عن الغطاء الشجري الذي يمنعني من متابعة ما يحدث في العالم الموازي عبر الثقب الأسود الموجود في حائطي، فهو في جهة يوجد عالم وفي الجهة المقابلة عالم آخر أسود لا يرحم .


جلست أشرب الشاي، انظر إلى العالم بنفس النظرة التي نظر إلي بها، نظرة كئيبة ونظرة انتقام من هذا العالم اللئيم الذي لم يترك لي سبباً لأبتسم، وبغضب ارتشفت رشفة من كوب الشاي الساخن الذي أحرق حنجرتي فذكرني بأحداث قديمة أشعلت شرارة العواطف في قلبي وما لبثت حتى اختلطت بزيت الدقائق والساعات حتى احترقت حياً ، ولم يأت أحد لنجدتي، ربما لأنني لم أكن أصرخ ؟ ولكن بربك هل أحتاج صوتاً حتى يتم إنقاذي ؟ قد أحتاج إلى صوت وصرخة أو أنين إذا كنت عصفوراً أو قطة حتى أفصح عن ألمي ، ولكن اعتقدت أننا بشر ولا حاجة إلى أصوات أو لغة لنقل الأحاسيس، ألا يستطيع من يهتم لأمري حقاً أن يفهم أنني أعاني، ألم يلحظ التغيير علي، ألا يفهم لغة المشاعر والأحاسيس، لغة الضحك والبكاء، اللغة التي لا تحتاج أن تنطق حرفاً بها أو تصدر صوتاً؟


ولكنني فكرت بعدها وتيقنت أن صرخات داخلية يفهمها عقلك ولا يفهمها غيره كافية لصون كرامتك ولا تجعلك ضحية أوكسجين المجتمع -القيل والقال- فمن يحتاج شخصاً يعمل كمحطة الإذاعة ينقل موجة مشاعرك من قلبك لقلبه فيذيعها ببرج لسانه على العامة ؟ ومن يحتاج أن يكون حديث الناس وتتراشقه الألسن من بيت لآخر، فإذا كانت هواية المجتمع-القيل والقال- هي الأوكسجين الذي يجعل هذا الشعب يتنفس أو يفرغ عن غضبه أو حتى ليعيش، فإن هذا الأوكسجين هو الذي كان يبقيني محترقاً بألمي، فلا نار بلا أوكسجين . 


وبعد أن هدأت حنجرتي من آثار الشاي الساخن امتعضت من طعمه الحلو ، وفي نفس اللحظة هوى الشاي إلى معدتي بقوة واستقر بها ، وتذكرت كيف فعلت الحياة بي ، وكيف هوت بي إلى المجهول حتى شعرت في آخرها بصدمة قوية وتحولت معها إلى رماد ، رماد هش لا قيمة له يحمله الهواء ويرفعه ويفككه إلى ملايين الأجزاء التي يستحيل تجميعها ، فيحمل هذه الأجزاء ويرميها إلى هناك ، وتستقر أجزاء أخرى هناك، حتى أصبحت متفككاً يأخذني كلام الناس ويرميني الآخر ، أصبحت بلا أمل، أصبحت كأنني أعمى و أصم ، إلى أن استعملت عقلي من جديد وفكرت ..


أليس هذا الوقت الذي يجب أن استقر به كما استقر الشاي الذي هوى بمعدتي ؟ أليس النهار يأتي بعد ليل دامس وبعد النهار يأتي الليل ، هكذا هي الحياة متقلبة ، قد تمر عليك أيام صعبة تتبع بأيام تتمنى أن تعود وتعيشها كل يوم ، لأن الأيام الصعبة قد عادت ، ومنطقياً يجب أن أؤمن بأن الحياة الجميلة ستعود ، حتما ستعود . 


قررت بعدها أن أفكر بعقلانية وأستعيد أحداث قصتي بإيجابية، فلا يهم ما أعاني منه أو ما هي الأحداث التي جعلتني أتألم، فكلنا يعاني وكلنا له آلامه، لكن أليس الألم شعور ؟ أليس الشعور غير حقيقي وهو من بنات أفكارنا ، فإذا قلت لنفسي وأقنعتها أن الحياة جميلة فستكون جميلة رغم الصعاب، وإذا كان مزاجي متعكراً فسأرى الحياة جحيماً ولو كانت جميلة ، يكفي ! أنا من أقرر كيف أرى الدنيا وليست الحياة من تفرض عليّ الرؤية، فعيني ليست مجرد "نافذة" تنقل لي ما يدور حولي، بل هي التي تنقل ما يدور بداخلي إلى محيطي ، فرؤيتي للعالم هي التي تجعلني مجرد نافذة مغلقة أو تجعلني شخصية نافذة في المجتمع .


فكل هذه الأمور من رفعة وسقطة علمتني أن أرى الأشياء بإيجابية ولا أبرر لنفسي كي أغرق بالسلبية ، فيا ربي كم كان ورد الياسمين جميلاً ورائحته تغرقني في ذكريات جميلة كدت أن أنساها أو لنقل عمدت أن أنساها لموقفي السلبي، فتبريري الضعيف جعلني أفكر في قطع هذا الجمال ، وجعلني أرى طعم الشاي الحلو كأنه مر، وجعلني أرى احتراقي ألماً وكأنه سوءٌ أصابني ، فلا شيء يحترق إلا ويشع نوراً ، إن ابتعدت عنه استفدت من نوره ، وإن لامسته احترقت معه .


هكذا هو الزمن مبتسمٌ دائماً ، لا يستطيع رؤية البسمة إلا من كان مبتسماً مثله ، وبعد هذا التفكير تنفست نفساً به استنشاق طويل أحسست معه وكأنني ولدت من جديد ، أحسست برائحة الياسمين التي ذكرتني بطفولتي الجميلة، أحسست بشيء يشد وجهي و يقلب معه القوس المرتسم عليه فأَطلق سهماً لأسفل اخترق قلبي ، السهم القائل : 
لقد ولدت من جديد .. 

ارتشفت مبتسماً من الشاي الذي قد برد ، وصدقاً ... كان طعمه كأنه من الجنة .
 

تاريخ النشر : 2017-04-30

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
أحدث منشورات الكاتب : لا توجد مقالات اخرى
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

حتى تعودي
روح الجميلة - أرض الأحلام
تيكي تيكي
أحمد محمود شرقاوي - مصر
القلادة الزرقاء
ملائكة متألمة
اية - سوريا
مقهى
اتصل بنا
قصص

من تجارب القراء الواقعية

تَرسُبات رُوح
ترسبات روح - بلد ميؤوس منه
هل العناق هو الحل يا تُرى ؟
قمر - مقيمة بعمان
الحواسيب البشرية
ضحى ممدوح - مصر
طفل جبان
احمد
أحداث غريبة ليس لدي تفسير لها
حلم أم حقيقة ؟
ماذا فعلت لك ؟
粉々になった
كيف أنسى ؟
لا احد
فيسبوك
يوتيوب
قصتي
عرض
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
تعليقات و ردود (14)
2017-05-12 01:59:13
156313
user
14 -
BNK بلال
هايدي : سعيد أنها أعجبتكِ وأعطتكِ أملا ، شكرا لكِ .
بنت الجزائر : شكرا لمرورك وتعليقك الرائع والراقي :)
البراء : أخي هذا قسم الأدب العام وليس للقصص فقط ،فأي مادة أدبية تكون مناسبة هنا،،وبالطبع أقبل أي انتقاد ،وأشكرك على التعليق ....بالمناسبة أحببت قصتك (الشجرة) وانتظر أعمالك الأخرى بفارغ الصبر
Syria : أدام الله عليك حس التفاؤل . أظن أننا من نقسو على أنفسنا ،فهي الحياة واحدة سنحياها ثم نموت ،فلنعشها كما نريد ، فكم من الأشخاص قد عاشوا في ظروف مذلة ،لكنهم تغلبوا على تلك الظروف فأصبحوا عظماء
ام ريم : شكرا لمرورك وسعيد جدا لإعجابكِ بالقصة ،، وشكرا للتشجيع .
بدر : أشكرك أخي على تعليقك الرائع.
ميليسيا جيفرسون : أوافقكِ الرأي ، نظرتنا إلى العالم هي التي تحدد من نكون ، شكرا لمروركِ الطيب .
عبورة : سعدت لإعجابكِ بالقصة ، وكلماتكِ الرائعة تعطيني الحافز لاستمر .
أشكركم جميعا
2017-05-08 16:13:10
155956
user
13 -
عبورة
اسلوبك جداً راقي والفكرة نفسها جميلة
عنجد كتير الموضوع حلو
استمر
2017-05-02 10:41:57
154980
user
12 -
ميليسيا جيفرسون
موضوع فلسفي رائع جدا اضافة إلى نظرتنا إلى الناس و العالم فأن نحن من نصنع حياتنا ونقرر أدوارنا بالمجتمع فأذا كان الشخص سيء فحياته ستكون كذلك حتما
2017-05-02 05:46:38
154947
user
11 -
بدر
نالت اعجابي كلها سلمت أناملك اخي الاسقاط النفسي الفلسفي واللمسة الشعورية كانت مميزة بالقصة
2017-05-02 03:46:17
154934
user
10 -
Syria
قصة رائعة يكفي انها دفعتني للتفاؤل ولو للحظات.. يا ترى هل الحياة قاسية أم اننا نحن من نقسو على أنفسنا ام ان الحياة وانفسنا اتفقو سوية على القسوة ؟؟
2017-05-02 03:46:17
154931
user
9 -
ام ريم
قصه رائعه واسلوب ممتع احببت تشبيهاتك فيها
استمر
2017-05-01 22:46:03
154917
user
8 -
البراء
القصة كلام فلسفي أقرب منه لقصة.. لكن أعجبني هذا الأسلوب و بغض النظر عن عدم وجود قصة فعلية أنا حقا أحببتها و أحييك عليها.
2017-05-01 09:05:45
154828
user
7 -
بنت الجزائر
قصة رائعة واسلوب راقي احببت تشبيهك القيل والقال بالاكسجين
احببت كمية المشاعر المختلطة الموجودة في القصة والتي تنتابنا يوميا وتتفاوت بين السعادة والحزن والحقد والغضب
كما ان نهايتها رائعة وهادفة مغزاها التفاؤل والنظرة الايجابية للحياة رغم الاحداث الكثيرة السلبية التي ستغير نفسيتنا بالتاكيد
احببت قصتك الرائعة
الف تحية لك ايها المبدع
2017-05-01 06:21:30
154806
user
6 -
هايدي
قصة رائعة بالفعل بثت في روحي الأمل و الايجابية, كانت النهاية جميلة, و تشبيهك القيل والقال أنه أوكسجين المجتمع كان ذكي لانه بالفعل أصبح كذلك وأن ذلك الاوكسجين هو الذي يوقد النار... أبدعت أخي .


تحياتي لك.
2017-04-30 17:19:25
154752
user
5 -
BNK صاحب الموضوع
شكرا لكم أصدقائي على الاطراء والنقد البناء،،،سآخذ بنصائحكم وسأحاول أن أطور أسلوبي في الكتابة المرة القادمة.
وبالمناسبة أنا رجل ولست فتاة :)
شكرا جميعا.
2017-04-30 16:31:42
154740
user
4 -
فتاة
خواطر جميلة..بجمالِ وردِ الياسمين..وهي عين الصواب والحقيقة التي لطالما تجاهلها البشر..أعجبني كيف أنكِ مزجتِ الآماً ودموع قهرٍ بألوانِ السعادة الزاهية..فأبدعتِ لوحةً فنية ثمينة..هذهِ هي المرأة الفلسطينية..

أحببت أسلوبكِ وحبذا لو تطوريهِ أكثر..شعرت قليلاً بالتيهان والتشتت في بادئ الأمر..لكن مالبثت حتى وضحت الصورة وتحسنت في السطور الأخيرة..وددت لو أنكِ أضفتِ لها قليلاً من الأسئلة الفلسفية..
تحياتي لكِ
2017-04-30 14:03:56
154703
user
3 -
❤️~šáŷtañlikরgeceরŷáriśi❤️
اعجبتني كثيرا الأسلوب سلس والفكرة جيده قليلا احسنت
2017-04-30 13:10:47
154690
user
2 -
ميار علي محمود
جميلة جدا الطريقة التي انتقدتي بها المجتمع فقد احسست بكلماتك جدا ولكن ماينقص الموضوع هو السبب والاحداث التي جعلتك تشعرين بهذا الكم من تخالط المشاعر ولكن بصورة عامة احسنتي الكتابة استمتعت ..

دمتي بخير
2017-04-30 12:37:22
154675
user
1 -
دامسة في الظلام
تعبير جميل جدا وطريقة سردك متقنة ومفهومة كما انها هادئة وتشعر القارئ بنوع من الراحة النفسية
لكني ظننت انك ساتسرد قصتك عن تشاؤمك باالحياة
لو انك جعلت شيئا يضهر في االقصة مثل ان يمر امامك اثنان يتكلمان النميمة ليذكرك باالماضي مع الناس والاحداث التي كرهتها ومقت المجتمع فيها بسبب هذه التصرفات ثم تسرده وحين تنتهي ترى شيئا اخر مثل طفل بريئ يذكرك باالجزء الجميل من حياتك وتدرك انه يمكن للانسان ان يصبح مثل الاطفال ويولد من جديد وتختمها بطريقتك الجميلة

دمت باخير
تقبل مروري
move
1