الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

أنا ملعون ..

بقلم : DamNed - الاسطبل المهجور

أنا ملعون ..
أحب لحم البشر .. رائحته شهية

الطقس غائم .. كئيب .. قاتم تماماً كروحي المظلمة ...
أحتاج لرؤية ضوء النهار... الشمس ... "الشمس"
قلت بهدوء و ضحكت بيني و بين نفسي ضحكة المتحسر ... المتألم ... ضحكة الميت .

كان ذلك المغيب من أسوأ أوقات حياتي الملعونة ، المغيب الذي لا أستطيع أبداً نسيانه ، المغيب التي ودعت فيه حياة البشر و أُحييت من جديد لكن إلى هذا المخلوق الرجيم  .. هذا المخلوق اللعين ... مصاص دماء .
نعم ! ذلك الشاذ الذي باع روحه للشيطان في مقابل حياة خالدة و دموية... خالدة ... الخلود
الخلود !! يا له من مصطلح يبث الإلهام في نفس الإنسان ... لكني لست بإنسان .


الموسيقى كانت في جميع الأرجاء ... كان مهرجاناً تقيمه هذه البلدة سنوياً احتفالاً بانتهاء الحرب .
شعرت بالضجر و الضيق أينما ذهبت ... بالإضافة إلى رائحة البشر الشهية المحيطة بي من كل جهة و مكان ، كنت أتمشى ببطء محدقاً في كل صغير و كبير ، كل رجلٍ و كل امرأة ، كل مسرورٍ و كل كئيب .

تباً !! يا ليتني لم أكن على حالتي هذه .. أحسد البشر ، أحسدهم في كل شيء ... في حياتهم ، في براءتهم ، في بكائهم ... في كونهم "بشر"
ابتعدت قدر الإمكان عن الصخب بخطى سريعة محاولاً السيطرة على عطشي اللاإرادي .. خطفت أذناي صوت عزف بيانو جميل ، شجي و مفعم بالحياة جعلني ابتسم .. مشيت ببطء نحو مصدر الصوت ، نحو الاسطبل المهجور ، لمحت انظاري فتاة شابة جالسة على مقعد أمام البيانو القديم .. كان شعرها مسدولاً على كتفيها و مبتلاً مما جعل بشرتها تبدو شاحبة و مائلة للون الأزرق .


بجانبها ، كانت قد أشعلت شمعة قديمة للإنارة تكاد أن تذوب ، الإنارة الخافتة أضافت على عزفها المغري جمالاً و كمالاً .
حدقت في يديها المشعتين بالبياض اللتين كانتا تضغطان على مفاتيح البيانو بكل رقةٍ و هي تمايل رأسها يميناً و يساراً بأناة .. تبسمت ثانيةً مستمتعاً بجمالية المشهد و في نفس الوقت محاولاً جاهداً التحكم في عطشي .


بعد هنيهة .. توقفت عن العزف ، و بذلك أحسست بأن قلبي توقف عن النبض .. إذا كنت مخلوقاً بقلب .
قلت بصوت خافت محاولاً عدم اخافتها "هل أنهيت؟"
التفتت لي بسرعة و كدت أرى تفاجؤاً في ملامح وجهها الطفولي البريء.
تبسمت ابتسامة خافتة و سألت 
- "هل كنت هنا لوقت طويل؟"
مشيت نحوها ببطىء ووجهها كان يزداد نضارةً بفضل ضوء الشمعة .
- "أليس من المفترض أن تجيبي على سِؤالي أولا؟"
- "أليس من المفترض ألا تملي علي ماذا أفعل؟"
ضحكت ساخراً .. لكن لم أعرف من ماذا بالضبط !
- "ماذا تسمين هذه المقطوعة؟"
- "كفاكَ أسئلةً ... غريب" تذمرت .
- "أليس الإنسان فضولي بطبعه؟"
بدت ابتسامة خافتة على شفتيها و قالت بصوت خافت - "أسميها .. الخلود "


شعرت بالاشمئزاز لكني قاومت و تساءلت :
- "الخلود؟"
"نعم ... الخلود ... أليس هو جميل؟" قالت و نظرت من جديد إلى البيانو ، و وضعت أصابعها الرقيقة على لوحة المفاتيح من دون أن تضغط أو تصدر أي صوت .
- "لا ... ليس جميلاً البتة ...و لا يمكن أن يكون جميلاً" قلت و في نفسي رغبة بأن أتحدث معها أكثر.
جلست بجانبها بعد تردد ... رائحتها كانت شهية مما جعلني مصدر خطر لها.
- "الخلود ليس جميلا يا ..."
- "ايزابيل" نظرت إلي و ابتسمت .

كان لديها عينين خضراوين اغرقتاني في محيط من الأفكار حول جمال و كمال هذه الإنسانة ... "ايزابيل" قلت بصوت خافت و تبسمت .
- "و أنت؟ ما تسمي نفسك؟"
"أليوس" قلت و تفطنت أن اسمي قد انقرض منذ أزمنة غابرة.
- "أليوس" قالت برقة "اعزف لي شيء ... أليوس..."


تبسمت بلطف و وضعت أصابعي الشاحبة على لوحة مفاتيح البيانو ، و أحسست بشعور تعجز كلماتي عن وصفه ، شعور جعلني أتفكر أيامي .. في نفس ذاك اليوم ، يوم عيد ميلادي الذي قضيته في منزل الأثرياء ، عندما طلب مني أن أعزف ألحانا بمناسبة وليمتي أو بالأحرى ولائمي الأولى.
كيف نزعت بقوة أرواح عائلة كاملة ... كيف نظرت للحياة من خلال "أعين الشيطان" و كيف رأيت الكمال في تلك الحياة ..
كيف عزفت لهم "مقطوعة الموت" بابتسامة شغف و عطش عريضة على وجهي .

إنها نفس الابتسامة ذلك اليوم ... نفس الإحساس ... نفس الشعور ... و نفس الرغبة الجامحة.
ابتسمت "إيزابيل" و لكن سرعان ما سقطت على الأرض و الدم يسيل من رقبتها 

يا إلهي!! لقد فعلتها مجدداً .
- "أنا اسف يا إيزابيل ، لكن لا يمكنك أن تتخيلي مدى عطشي و كيف كنتِ الوليمة الأكثر جمالاً و الأكثر ... خلوداً في عيني"

استلقيت بجانبها ... تباً !! كانت قد شحبت تماماً ... لقد شربت دماىها لآخر قطرة.
"و ماذا أفعل الآن؟"سألت نفسي اللعينة .
"هل أحولها و أحييها من جديد إلى هذا المخلوق البشع؟"

ايزابيل الجميلة ... لقد أشعلت النار فيَّ بعد أن رأيتك بلا حياة ، و متجمدة من البرد و ملقية على الأرضية ... كله بسبب أليوس الذي أحس بشعور حب لكِ في الأول ، لكن الظاهر أنك لم تبادليه هذا الشعور ، و طلبت منه عزف مقطوعة جلبت له أبشع لحظات حياته ...
لماذا يا ايزابيل؟ لماذا ...


نظرت إلى السقف متمنياً الموت كعادتي ... و تذكرت المقولة التي تجعلني أرغب في الاختفاء كلياً عن هذه الحياة الخبيثة و الخائنة "ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب" ... دم القلب كان أكثر جمالاً ... بالنسبة لي... فهو دم ... هو غذائي ... هو حياتي ... هو ايزابيل ...


ايزابيل ... أنا آسف ...
أنا ملعون ...
 

تاريخ النشر : 2017-05-22

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر