الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

معاناة و فوضى

بقلم : moon child - تونس
للتواصل : [email protected]

أنا الآن عجوز محبوسة داخل جسد فتاة مراهقة ..

تُسكَب القهوة على أوراقي المبعثرة, و يزداد الضجيج..كل شيء حولي تعمه الفوضى...فوضى اعتدتها و قدستها ، انتشلت جسدي من الفراش و اتجهت للمرآة ، انعكاسي يخيفني ، شعر أشعث و وجه تسكنه التعاسة ، مجرد صباح خال من المفاجآت 

يستيقظ أفراد عائلتي و يستيقظ معهم انفعالي, أمقت هذه العائلة..
تدخل أمي الغرفة بصراخها المعتاد فتطربني شتائم كنت قد حفظتها و رتلتها من بعدها..
ثم يتبعها المسمى والدي فيلعن نفسه و يشتم أيضاً .. و يأتي المهرج فيثير غضبي بتصرفاته التافهة..
مجرد أسرة غريبة لا شيء جديد ، اعتدهم و لم يقدروا على أن يعتادوني .

لا رغبة لي بالعيش هنا ، ليس هكذا حياة ، أنا مجرد طفلة تحتاج الحب و الحنان ، يستقبلني الغباء و يتوعدني بالمزيد ..
لم أكن قادرة على حب نفسي و لم أكن قادرة على أن أحب من حولي ، الأمر هو أن التعود على الخذلان يجعل المرء فاقداً الرغبة في كل شيء .


الزم غرفتي في صمت و أحدق فيها بامتنان ، غرفتي..عالمي السحري التي لا أفارقها إلا للدراسة ، أحب غرفتي لأنها المكان الوحيد الذي احتواني و قبل بطبيعتي .
لم أدرك يوماً أن أحب مكاناً وأتعلق به هكذا ، إلى أن بلغت السابعة عشر...سن الجموح, أتذكر أني قرأت كثيراً عن هذه المرحلة التي حذر منها الأطباء و قدموا نصائح للأهل بمراقبة أبنائهم خوفاً من خطر الانحراف.. و أني ضحكت و تحديت نفسي أن أكون مراهقة عن جدارة لكني عندما بلغت السن .. وجدت أن شعلتي قد انطفأت منذ زمن و أني الآن عجوز محبوسة داخل جسد فتاة مراهقة !


لكن أهلي لم يشغلوا بالهم بهكذا ترهات..
ابنتهم الوحيدة تظل حبيسة غرفتها بإرادتها ، قليلة الكلام و هي فريسة سهلة للعنف المنزلي و خادمة ممتازة..
يا لها من ابنة مطيعة ! 
لم يكن الأمر أني فتاة هادئة أعلم أني جامحة لأقصى الحدود ، لكن رغبتي بالحياة ضعيفة ، أو هكذا يخيل لي..
أنا وحيدة و منبوذة و عالقة في جسد جعل أمي تكرهني ، أظن أن أمي تؤمن بالمظاهر لأنها لو لم تفعل ما كانت قد قست علي بهذا الشكل.. لا أذكر طفولة سعيدة ، كأنما خلقت لأتعرض للضرب من الجميع ، فتاة قبيحة الشكل ، مسالمة و حساسة ..

أما عن والدي العزيز ، كنت أكن له مشاعر الحب و الاحترام ، لم يخلو دعائي من اسمه لكنه رجل.. و أنا لا أثق بالرجال .
لا أطيقه الآن لأنه جعلني أكره أني إنسانة و لأنه لم يؤمن بي قط ... والدي يستعر بي و يمقتني ، و يتمنى أن يتخلص مني.. و لأني تعودت على سهام والدي الموجهة إلى قلبي جف الدمع تماماً من مقلتَي .


أكبر إنجازٍ لي في هذه الحياة هو كرهي لذاتي ، و لأني أكرهني فأنا ألقي اللوم على نفسي.. حاولت التخلص مني لكن محاولاتي باءت بالفشل لسبب لا أعلمه ، لا يهتم أحد لاهتماماتي و لا بوجودي مثلما اهتموا بأخي الأصغر ! كأنما جردت الرحمة من قلوبهم معي فقط..


كبرت و كبر معي حزني ، و تعرضت لشتى أنواع العذاب و تذوقت ألواناً من العنف المنزلي ..
كنت أمارس أكبر خطيئة , الكذب.. كذبت كثيراً .. اختلقت عائلة تحبني أمام زملاء الصف و رحلات لم تتم قط ، و مثلت أني سعيدة أمام العائلة ، و تدنت علاماتي و زاد النبذ و الكره ، أشعر أني دخيلة في هذا العالم يا الله ! و لا أتذكر أني اقترفت ذنباً في حق أحد ، الذنب الوحيد أقترفته في حق نفسي..
أعني أنا حياتي كانت مثالية إلى أن عقدت قراني و أهلي لا يعلمون.. لقد نتجت عن الكراهية قصة حب ، تزوجني لتتويجها رجل .. أظن أنه الوحيد الذي أحبني ، رجل يقتات على مخاوفي و يسبب لي الصداع الدائم .. الاكتئاب ، نعم الاكتئاب حبيبي و رفيق دربي ربما عدوي الأول..

كانت العواصف تشتد في رأسي و كنت لا أعلم ما يحصل لي ، قلت رغبتي في الخروج و تخلصت من كل أحد ظننته تافهاً ، و لما انتهيت وجدت أني تخلصت من الجميع .. كل ما ربطني بالناس حولي كانت مجرد ابتسامة غامضة لا ترد لي دائماً و صمت دائم ..

خفت كثيراً و تجاهلتني أمي ، و تفننت في ابتكار الألقاب الجديدة و المدمرة التي زادت من رغبتي في العزلة .
تصفحت المواقع الطبية لأعرف طبيعة مرضي و كيف أنقذ نفسي.. و زاد يأسي حين علمت أنه يؤدي إلى الموت ، لم أخف الموت يوماً لكن هل أموت بسبب مرض نفسي ؟ لا ..
سأموت بسبب عائلتي .

تطلب مني الأمر مجهودا بدنياً و نفسياً كي أستطيع أن أنقذ نفسي من ارتكاب خطيئة أبدية .. لن أموت منتحرة ذلك ما رددته كل يوم مدة شهرين ، و عند أول نكسة حاولت قطع الشرايين..
إنه لعار ... يزيد من الطين بلة 


حبكت لنفسي كل يوم بعد المدرسة حبل مشنقة نسجته كلامات أمي السامة و نظرات أبي المنافقة.. كل ما فيَّ يصرخ اتركوني و شأني ، لكن الكلمات تخنقني و لا تتعدى حلقي لتعود إلى الداخل مسببةً لي غصة و عيون زجاجية أرهقها البكاء..
تتشابه الأيام و تلتصق بي الذكريات ، و ينسج لي عقلي خيوطاً تقربني من الأوهام..أوهام قادرة على جعل يداي ترتجفان  ، و لجعلي في حالة قلق دائمة ألازم ركناً خاصاً في غرفتي أسميه "الملجأ"
و في ذلك الملجأ أقضي معظم وقتي بل كله.. أصرخ و أبكي, أضحك على نكاتي ، أتخيل و أتخيل الى أن تصفعني الحياة ..


يقال أن الروتين يقتل كل شيء جميل ، لكن الجمال لم يخلق لي.. فأنا على يقين أن الأرقام الصاعدة على الميزان مصيرية ، لا أستطيع أن ألبس الثوب الذي خاطه لي المجتمع بمقاييسه لأنه ببساطة لا يسعني.
الله جميل يحب الجمال و لكنه يحبني أنا أعلم ذلك تماماً ، و أتعلق بالحياة بكل قوتي لأجله  ، وحده الله الذي يخلقنا , يجعلنا نصارع لكي ينقذنا ، فالرب يرمينا وسط المحيط بلا حول و لا قوة ثم يرمي لنا طوق النجاة حين نستغيث و نصارع ..
يحب الأقوياء لذلك يحرص إلهي على أن ينقذني عند كل انكسار .. وحده الله يحبني و أنا أحب الله و إليه أرد .


لم يرَ أحد ما رأيته ، صدق شمس.. أهداني الله مخيلة لا حدود لها لم أرَ العالم كما أراه اليوم ، رأيته بقلبي ، كان كل شيء جميل رغم طفولتي البائسة.. عالم يعجز اللسان عن وصفه ، أحببت قطرات المطر التي تساقطت من السماء ، كنت أرحب بكل قطرة و أحاول عدهم .

أتذكر قطرتي المفضلة لؤلؤة كما أحببت أن أسميها كانت مميزة من بينهم جميعاً شديدة النقاء و الزرقة كحلم ضائع تشع نوراً .. كانت القطرة التي ملأت كأسي لأرتوي .

فقدت لؤلؤة ببلوغي و فقدت جزءاً من خيالي.. كم أود لو أعيش طفولتي مجدداً .. و أن أغيرها 

 

تاريخ النشر : 2017-11-01

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
أحدث منشورات الكاتب : لا توجد مقالات اخرى
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

سوء تفاهم
الشيماء - مصر
لمسة واحدة...دمار شامل
BATOOLASFOOR30 - الأردن
صمت موسيقى
نوسيم الذيبة - الجزائر
عدمي تائـه في الحياة !
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

المتسولون الأغنياء
استيل - اليمن
ماذا ستفعلون لو أصبحتم مخفيين؟
حلمت بأنني أركض على جسَر
رُقَية - العراق
خطب ما
مجهولة
الشيطان يرتدي تنورة
سارة زكي - مصر
هاي جريف
ميرنا أشرف - مصر
كسرة النفس
سليمة - ليبيا
أحاجي الفراعنة :جرائم غامضة وألغاز مظلمة
قصتي
عرض
التعليق على هذا الموضوع مغلق حاليا
تعليقات و ردود (15)
2019-08-17 11:05:20
309483
user
15 -
Salma
هل يجوز ان أقول لأني أكرهني!
ألا يجدر أن تقال أكره نفسي؟
2017-11-11 12:07:59
185350
user
14 -
جيهان
لغتك سيف حاد _ قادر على قطع رقبة المجتمع المريض و التخلص من اعداء السعادة
2017-11-11 10:18:51
185326
user
13 -
الفارس الصامت
لا اؤيد الكاتبه في بعض الامور مثل علاقة الام والاب مع طفله . في الحقيقه ان الحياه مره وصعبه والحياه للاقوى , انا اجد ان الام صقلت الفتاه بشكل يسطيع مواجهة المجتمع ادركت ذالك من خلال هذه الجمله
(( تدنت علامتي وزاد الكره )) من الاهل دليل على اهتمامهم بتفوق الفتاه في الحياه
لذالك غير مقبول ابدا وصف الام او الاب انهم سبب في حقد على الحياه لان بالاصل الحياه صعبه وقبيحه بطيبيعتها مهما كذبنا على انفسنا .
وشي الثاني انتقاد الفتاه لشكل الخارجي (( شعر اشعث )) غير جميله وتكررت الجمله , والجميع يعلم ان الجمال يبنع من داخل ام الشكل الخارجي فيمكن صقله وتشكيله بمساحيق التجميل وهو سهل جدا

تحياتي اتمنى ان تستمري في الكتابه عن الامل والشغف في الحياه وقد تنصدمين بما يمكنك ان تفعلينه بهذه الحياه وهو اكبر مما تخيلين


تحياتي
2017-11-11 07:14:34
185308
user
12 -
سيف
❤ beautiful words just like u
2017-11-10 06:06:11
185102
user
11 -
moon child الكاتبة
شكر لكل تعليق جميل مر و ساندني و شكرا لكل قارئ ..
الجمدلله تم نشر القصة و نظرا للصدى الايجابي ساحاول كتابة جزء ثاني .. انه لشرف كبير ان يتبنى هذا الموقع الرائع نصي
للتواصل معي ارسل رسالة على البريد الالكتروني و لقراءة المزيد اتركوا تعليقا رجاءا و سانزل المزيد باذن الله
2017-11-08 22:16:05
184978
user
10 -
سليم
أنت فتاة ذكية و مبدعة في السرد الوصفي ،أتمنى لك التوفيق والخلاص ..
2017-11-04 12:27:42
184260
user
9 -
مصطفي جمال
ماذا يمكنني ان اقول الا انها قصة رائعة مترابطة و جميلة قطعة ادبية قد تصل الى مستوى من البراعة اسلوب رائع و اوصاف اجمل و تسلسل افضل كل شيء جميل و لا يسعني ان اقول الا انها اعجبتني اكملي على هذا المنوال اريد ان اقرأ لك ثانية اتمنى فقط الا تتوقفي فانت تمتلكين الخبرة و الموهبة بالتأكيد لديك مستقبل باهر في هذا المجال
2017-11-04 08:24:16
184239
user
8 -
يكفيك ان تعلم اني انا
لا احب المجاملات واعتبرها كذب وخداع وتضليل وان لم تكن هناك مصلحة فالمجاملة ستكون دليل سذاجة في التفكير و سطحية في الفهم وسوء تقدير لعواقب الامور.
الكتابة موهبة من الله سبحانه وتعالى ولايعلم بها الا من حرم منها ويحاول اكتسابها فاعلمي انك في نعمة يتمناها كثير من الناس.
القصة جميلة وحزينه والافكار مرتبة ومتسلسة والبداية مرعبة تشد القارء تزيد الادرينالين في الدم والخاتمة فيها معاني ايجابة كثيرة وكل قارء يفهم منها حسب شخصيته وانا اراها تبث الامل من جديد في التعافي وتحقيق السعادة (مواجهة المشكلات وحلها وتذليل الصعاب هو الحل الامثل حتى لاتمر الايام وتمضي السنين ونقول لو انا قمنا بمحاولات لتغيير واقعنا لما وصلنا لما نحن عليه اليوم ) وهذا امر جميل.
اما الامر السيء فهو ان الكتابة بهكذا مواضيع حزينه ستتعب النفس وتحزن القارء وتفقد كل من الكاتب والقارء لذة الاستمتاع بالحياة وما فيها من امور جميلة و معان رقيقة و تجارب نافعة وكتابات هادفة ومن يمتلك هكذا موهبة يكون اجدر من غيره في الارتقاء بالقراء حسا وتذوقا لغويا ، وسلامة وعمقا فكريا ،وسلوكا ايجابيا.
2017-11-04 04:10:44
184213
user
7 -
Arwa
قصه حلوه رغم كمية الحزن ،، اضحكتني بعض الاوصاف التي تدل على مقدرتك في اختيار الصفات ، حاولي كتابة قصه من نوع كوميدي حتما ستنجحين ،، بالتوفيق ،،
2017-11-03 11:26:45
184055
user
6 -
متابعة موقع كابوس
رغم ما حملته هذه السطور من معاناة .. إلا أن أسلوب الكتابة جميل وممتع في القراءة ...
2017-11-03 11:21:46
184024
user
5 -
القصة جمعت بين الأمل والكئابة والقصة بدت لي أنها تجربة من الكاتب وهي حقًا رائعة
تحياتي =)
2017-11-02 09:38:04
183862
user
4 -
ريموسوريا
قصة حلوة لكن عطتني طاقة سلبية وسببتلي اكتئاااااب
بالتوفيق عزيزتي
تحياتي للجميع
2017-11-02 00:13:03
183805
user
3 -
ام ريم
حميلة برغم كمية الالم اللتى تحتويه
2017-11-01 14:21:48
183736
user
2 -
أميرة البدراوي
رائعه قصة في قمة الجمال وكأنك كنتي تتكلمي عن حياتي ولاكن بعد أن إلتقيت بشريك حياتي وتزوجته فلا يمكن لأحد أن يضايقني أبدأ (بالتوفيق المزيد من القصص تحياتي)
2017-11-01 14:10:33
183727
user
1 -
وليد الهاشمي
عزيزتي نوار!?!?!?!?!?"?!!!!!!!!!!!!!!!!!
move
1