"بغلة القبور" (أسطورة أمازيغية) .. بين الواقع والخيال
الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

"بغلة القبور" (أسطورة أمازيغية) .. بين الواقع والخيال

بقلم : محمد بن صالح - المغرب
للتواصل : [email protected]

وعند حلول الظلام تظهر في المقابر وتبحث عن الرجال لتفترسم

في كل بلد تجد أسطورة تتحدى الزمن وتواصل رحلة الأجيال ولا تنكسر رغم كل التغيرات تجدها مازالت في مكانها وكأن الزمن يتوقف عندها .
واليوم قررت العودة إلى الأساطير وسأبقى في أسوار بلدي أنفض الغبار على الكتب الغابرة وسندع هذه المرة عيشة قنديشة في الوقار ، وسنبحث عن ضالة أخرى تشفي غليلنا في هذا المجال ، واليوم اخترت لكم أسطورة قد تكون أغرب ما مر على مسامعكم من قبل وهي "بغلة القبور" أكيد عزيزي القارئ تتساءل في نفسك ماذا يعني هذا الكاتب الحقير بالبغلة وما دخل القبور في القضية ، كما قال أحد نجوم الكوميديا في مصر " إيييه ياعم طائرة في تبوث دا كلام ناس ! "


من هي بغلة القبور !

غضب الله عليها ومسخها لتتحول إلى جنية في هيئة نصف بغلة


للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعود إلى غابر الأزمان والمكان منطقة سوس جنوب المغرب حيث كان هناك امرأة تعيش مع زوجها لوحدهما حياة كريمة لا يميزها شيء عن غيرها من الناس ، حتى رحل الزوج عن الدنيا وبقيت السيدة وحيدة وأرملة ودخلت فترة الحداد حيث تلبس المترملة من النساء ثوب الأبيض و لا تظهر للرجال لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام وفي أثناء هذه المدة ارتكبت هذه المرأة معصية عظيمة وهي الزنا ، غضب الله عليها ومسخها لتتحول إلى جنية في هيئة نصف بغلة ونصف امرأة لكن حجمها أكبر من البغلة الطبعية وتمتاز بقوة هائلة وهي مغلولة تجر السلاسل وعيونها مشتعلة كفوهة بركان ، تنام النهار مع الموتى وعند حلول الظلام تظهر في المقابر وتبحث عن الرجال لتفترسم أو تدفنهم أحياء وهي لا تؤذي النساء ، فقط الذكور فهم السبب فيما وصلت إليه . 

وعند بزوغ الفجر تعود إلى سباتها جنب الموتى ، ويطلق عليها الأمازيغ (تنكمارت نسمضلن) أي بغلة القبور بالأمازيغية ، وهناك رواية أخرى تقول أن هذه الأخيرة تقصد الناس حتى منازلهم في هيئة أحد معارفهم وعندما يكسو الظلام القبيلة تصطاد أحد رجال ذلك المنزل وتعود به على ظهرها إلى المقبرة لتفترسه هناك و ليحمل المسكين أوزار ذلك الرجل الذي عصت الله معه وكان سبب عذابها ، ويقال قديما أن الرجال في بعض القبائل يتجنبون المرور جنب المقبرة خشية التصادف مع بغلة القبور ..

ومازالت أسطورة بغلة القبور من أغرب ما يتداوله الأمازيغ فقصتها تبدو أقرب إلى فيلم رعب منها إلى أسطورة فيكفي هنا أن الرجال هم المستهدفون ولا خوف عن سلالة حواء فبغلة القبور تضع الرجال في ثوب الإهانة بعد افتراسهم وبتر أعضائهم التناسلية و في بعض المرات تدفنهم أحياء لتنتقم لنفسها ولغيرها من النساء اللواتي تسبب لهن الرجال بالعذاب ، وقديما كانت المرأة عندما تغضب من زوجها كانت تدعو له باللقاء القريب مع بغلة القبور حتى تأخد لها حقها منه وبأبشع الطرق .

وكالعادة كان لابد لنجمة مقالنا أن تلعب أدوار البطولة في العديد من القصص المنتشرة في كل بقاع الأمازيغ وسأحكي لكم أشهر قصة تداولت بين الناس .

استيقظت النسوة ليجدن أن هناك مجزرة جماعية حصلت لأزواجهن !


نعود إلى زمن قبل الجميل حيث كانت هناك قبيلة من الرحل يقضون حياتهم في الترحال باحثين عن منابع الماء والأرض المعشبة لبهائمهم وفي إحد رحلاتهم استقر بهم الحال قرب مقبرة مهجورة تكاد لا تظهر في وسط الغابة ، وفي صباحهم الأول استيقظت النساء على منظر تتجمد له الدماء في العروق فقد وجدن رجال القبيلة ومعهم أطفال ذكور ممزقين أمام أعينهن وأحشائهم منثورة في مسرح الجريمة وبترت أعضائهم التناسلة وكانت الدماء وأثر الحوافر تكسو المكان ، كان ذلك المنظر يخيف الأجنة في الأرحام ، والغريب أن العنصر النسوي نجا من الحادث والأغرب هو أن النساء لم يسمعن أي ضجيج في تلك الليلة فقد كن نائمات قريرات الأعين بينما كانت أحشاء الذكور تندثر في المكان ، وطبعاً كانت المتهمة الأولى في الحادث هي بغلة القبور .


القصة الثانية هذه المرة لعجوز كان يقسم بمشاهدة بغلة القبور في شبابه حتى موته وظهر في فيلم وثائقي أمازيغي سجل في التسعينات عن بغلة القبور ، وكان العجوز يزعم أنه في أحد أيام شبابه في الخمسينات وبينما كان عائداً من الغابة ليلاً إلى قبيلته مر جنب المقبرة ، كان الظلام دامس وكان يحمل مصباح يدوي كان مصدر لضوء خافت ينير به بعض الطريق ، وفي أثناء سيره سمع صوت خطوات تقترب منه ، ظن للوهلة أنه حيوان لكن كانت الخطوات مصحوبة بصوت سلاسل ترتطم بالأرض ، وسرعان ما سمع صرخة مدوية تشبه صرخة نساء أو صهيل الخيول في مكان ما في دنيا الظلام 

سقط المصباح من يده وبدأ يهرول في الظلام دون عنوان حتى وصل إلى شجرة الخروب وتسلقها ، اختفى ذلك الصوت لبرهة قبل أن يلمح عيون مشتعلة كفوهة بركان تتجه نحوه بينما كان الرجل يتجمد من الخوف فوق شجرة الخروب ، واصل ذلك المخلوق إلى تلك الشجرة وكان لا يظهر في الظلام سوى عيونه المشتعلة وأصوات السلاسل التي ترتطم بالأرض بكل قوة إضافة إلى صوت غريب يصدره بين الفينة والأخرى

كان ذلك المخلوق يحاول اقتلاع شجرة الخروب الضخمة بجذورها


كان ذلك المخلوق يحاول اقتلاع شجرة الخروب الضخمة بجذورها بينما الرجل فوقها يقرأ ما بقي من ذهنه من أذكار ، وكاد قلبه أن يخرج من صدره من أهوال ما يحصل تحت تلك الشجرة ، وكاد ذلك المخلوق إقتلاعها لولا سماع آذان الفجر الذي اختفى أثنائه ذلك الشيء وبقي الرجل هناك حتى طلوع الشمس ليجد نفسه فوق شجرة الخروب وسط المقبرة فلم يدرِ المسكين أين هو لشدة الظلام فقد كان في منصة الشرف لذلك العرض المهيب...


وهناك عدة قصص أخرى مشهورة عن بغلة القبور لكنني أفضل عدم سردها لأنها في الأخير تتشابه فيما بينها نفس السيناريو ، فقط يتغير المكان والأبطال

إذاً بعد أن إكتملت عندك الصورة عزيزي القارئ عن بغلة القبور واطلعت عن سيرتها الذاتية ، الآن علينا تقفّي أثر حوافر هذه الأسطورة لنبحث عن بعض الحقيقة وسط صرح الخيال ، وعلينا أن نعود إلى الواقع الملموس . هل يعقل أن هناك إمرأة ممسوخة في هيئة نصف بغلة تصطاد الرجال ؟
هذا السؤال يبدو تافه ، لكن علينا أن نمسك العصى من المنتصف ونطرح سؤال عكسي .. لماذا إذاً استوطنت بغلة القبور خيال الأمازيغ طويلاً و مازالت ؟

وهنا سنحاول الإجابة  ..

الأمازيغ قوم مختلف بعاداته وتقاليده ، فهم قوم جد متحفظ وخصوصاً في قضية شرف الأسرة ، ومن يخدش هذا الشرف فالعار لا يغتسل إلا بالدماء ، ولهذا ليس بالضرورة أن تكون بغلة القبور في الواقع لكن هناك المغزى في الأمر وهو أن أي إمرأة لا تحترم حق الله في العدة ولا ذكرى زوجها وتقع في معصية عظيمة كزنى علينا أن نصنع لها مسخ يليق بمعصيتها ، وهنا سقط الاختيار على البغلة ، مثلاً عندنا نسمع عن امرأة متزوجة تخون زوجها هنا ستتحول هذه المرأة تلقائياً إلى مسخ في أذهاننا ونطلق عليها الأسماء التي تدور الآن في ذهنك عزيزي القارئ


لكن قد يختلف البعض في هذه النقطة تحديداً لكنه الواقع الشرقي المتحفظ منه .
وفي المقابل هناك أسئلة أخرى تبدو معقدة وليس من اليسر فك شفراتها ، مثلاً لماذا يدّعي الكثيرين مشاهدة بغلة القبور حتى لا تكاد تجد أي قرية لا يزعم أهلها مشاهدتها أو على الأقل سمعو أشخاص أخرون يقسمون على ذلك .
هل يعقل أن كل تلك المشهادات ماهي إلا كذب و افتراء ؟
وهنا سنحاول مرة أخرى وضع الجواب المناسب .. لنفترض أنني مررت جنب المقبرة ليلاً وفي الأثناء سمعت صوت السلاسل ترتطم بالأرض وكان ذلك كلب أحمق هرب من صاحبه ويجر سلسلة مغلولة في قدمه ، كيف سيكون رد فعلي وأنا لا أدري أنه مجرد كلب لشدة الظلام ؟ أكيد سأهرب بعيداً عن المكان وأول ما سيسقط في ذهني هي بغلة القبور بعدما تشبعت بقصصها ، وفي الغد سأخبر الناس بتجربتي لكنني سأضيف القليل من التشويق ليكتمل السيناريو ولتكون قصتي مؤهلة للتصديق ، وبعد مدة سيشعر البعض بالغيرة من هذا البنصالح وسيزعمون مشاهدة بغلة القبور أيضاً حتى لا أكون البطل الوحيد في القبيلة وهكذا ، إذاً يبدو التفسير منطقي لكنه في الأخير ليس مقنع .


دعونا الأن من أوجاع الرأس وسأحكي لكم قصة مؤسفة عن مراهق فقد حياته بسب بغلة القبور حيث كانت هذه الحادثة الوحيد التي تثبت فيها الجريمة على بغلة القبور بالدليل القاطع .

قرر التلاميذ الحضور إلى المقبرة 


في نواحي مدينة فاس كان ثلات تلاميذ مراهقين يقومون بتحريات عن بغلة القبور بعد انتشار خبر مشاهدتها في قريتهم ، وفي إحدى الليالي قرروا الحضور إلى المقبرة ومعهم آلة التصوير بعد الوصول إلى المقبرة وبدأ التصوير على غرار مكتشفو ناشيونال جيوغرافيك ، ولحسن حظهم فالبطلة لم تتأخر في الظهور ، فسرعان ما سمعوا صوت السلاسل والصراخ وسط المقبرة لم يعد هناك المجال للتصوير وهرب الثلاثة مفارقين الظلام .


لكن أحدهم كان وراءه مخلوق غريب يصدر صرخات وبعيون مشتعلة ! ! لكن مهلاً مهلاً لا تتحمس كثيرا أيها القارئ فالمطارد لم يكن بغلة القبور بل كان هذه المرة كلب القبور ، فأحدهم في القرية اكتشف تحرياتهم في المقبرة ولهذا فقد جهز نفسه ليلعب دور بغلة القبور واستحق درع الأوسكار على ذلك ، لكن و للأسف الشديد لم تنته المزحة الثقيلة على خير فقد مات المراهق الذي كان يطارده بسكتة قلبية من شدة الفزع .



ختاماً

ربما يكون هناك بعض الحقيقة في أسطورة بغلة القبور لكن قد يرفض البعض الفكرة بكاملها ويعتبرها مجرد تخاريف ، وهنا سأطرح عليك سؤال أيها المعارض ، هل تعتقد أن البشر على علم بكل أسرار هذا العالم الفسيح ؟
فحتى لو لم تكن هذه الأساطير في الواقع ، لكن ربما هناك عالم آخر يحاول ربط الاتصال بعالمنا لكن معداتنا مازالت متخلفة لكشف الستار وتلقي هذا الاتصال ، وهنا لا يتبقى لنا سوى وضع الاحتملات لمحاولة كشف ما يقبع في الجهة الأخرى ، وهنا تظهر هذه الأساطير التي نفسر بها ما يعظم علينا نحن كبشر ، فلا المعارضين ولا المشككين يمتلكون الدليل القاطع الذي سيخولهم كسب القضية ولكن ما يخص أسطورة بغلة القبور فهي تبدو مجرد خرافة لكنها تستحق التنويه .
وفي الاخير أنا مازلت في المنتصف أحاول فقط أن أنثر النقاط على الحروف لعل المعنى يظهر في السطور ومهما تشبعنا بالعلم لا يجب علينا أن نرمي أحداً بالجهل ، وليس قلمي بقاضي لأحكم على أسطورة ضاربة جدورها في تاريخ الأمازيغ .


هوامش ..

حق الله " مصطلح يطلقه المغاربة على أيام العدة الذي تلبس فيه الأرملة الثوب الأبيض لمدة أربعة أشهر وعشر أيام .


 

تاريخ النشر : 2017-11-16

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر