الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

سواكن عندما اصطدنا الجن !

بقلم : نازك جيلاني - السودان

قفز قط عجوز لونه أسود براق أعور

 ولدنا وترعرعنا في تلك المدينة التي تقع على سواحل البحر الأحمر السودانية ، مدينة سواكن التي ما إن ذكرت إلا و ذكرت إلى جانبها قصص وأساطير الجن و كيف أن جزيرة تلك المدينة كانت سجناً لعدد من الجن في الأزمان الغابرة و قصص القطط السوداء التي تجوب أزقتها القديمة نهاراً و ليلاً و تتحول إلى أشخاص يبثون الرعب في قلوب ساكنيها فينام الصغار بهلع مع أول حلول للظلام

تربينا في أنحاء سواكن فكنا نقضي نهارنا في شاطئ البحر نلعب في مياهه الزرقاء ونقوم باصطياد الأسماك الصغيرة التي يعج بها ساحله فتتقافز هنا و هناك بعد أن نحرفها بخرق قماش صغيرة إلى الشاطئ و نقذف بها في نار أوقدناها من بقايا أخشاب المراكب التي يلقيها النجارون الذين يصنعون المراكب الشراعية ، وما أن تشتم القطط رائحة السمك فتتجمع من كل حدب وصوب فنرمي لها بباقي العظام وأحشاء الأسماك المدخنة

 لم نكن أنا وأختي سماح نهاب تلك القطط و قصصها فنحن لم نرى ما يقولون بأم أعيننا فقط كنا نعتبرها مجرد قصص تُحكى لإخافة الأشقياء من الأطفال ، فنربت على رقابها ونمرر أيدينا على شعرها الأسود اللامع و نخنقها لنستمتع بغلاظة رقابها التي تزداد قوه عندما تتشنج ، وهكذا كان يمضي النهار حاراً و برائحة الأسماك المدخنة و مليئاً بالسباحة والشغب الطفولي و الركض وراء اسراب النوارس التي تستقبل القوارب القادمة من رحلات الصيد الصغيرة لتحظى بأسماك الساردين التي يستخدمها البحارة كطعم يصطادون به و ما تبقى من الرحلات يلقون به في الشاطئ ، فيعج بطيور النوارس التي تعودت على هذه الغنائم فألفت القوارب و مجيئها مثلنا تماماً فقد كان يمتعنا منظر تلك الحشود من الطيور والقطط وكأننا جزءا منهم

 كنا نزاحمهم عابثين بتشتتهم و تجمعهم مجدداً ، تلك كانت حياتنا على الشاطئ فمنازلنا قريبة جداً ، فنجري عندما يدركنا العطش إلى البيت و نعود مرة أخرى لنمارس هواياتنا المفضلة و هي العبث بالحيوانات ، فكنا نجلب صغار القطط المولودة حديثاً و تنتقي كل واحدة منا قطة و نطلق عليها اسم كأنها ابنتنا و من باب الدلال كنا نخرق آذانها و نلبسها أقراط و خمار نغطي به رأسها و أقمصه اختطناها خصيصاً لنلبسها اياها ولا ننسى المناكير في أظفارها بل وتركيب الشعر المستعار كل هذا نفعله بالقطط الصغيرة التي لا تصمد كثيراً باهتمامنا هذا فتموت لننتقل إلى أخرى يعذبون على ايدينا الصغيرة !


ففي يوم من الأيام و بينما نحن نصطاد بعض الأسماك من الشاطئ القريب خطرت لي فكره و هي لماذا لا نصطاد القطط والطيور كالأسماك و عرضت الفكرة على أختي سماح فتهلل وجهها فرحاً و اخذت تقفز هنا و هناك و هي تصيح مرحى ، هيا بنا لنفعلها ، فأخذت الصنارة الصغيرة و غطيتها بالطعم و لوحت بها لطيور النوارس التي تنتظر القوارب فلم يستجيبوا ، فكررتها مراراً وتكراراً و لكن دون فائدة ! فذهبنا إلى مجمع القطط و رميتها بوسطهم فقفز قط عجوز لونه أسود براق أعور يبدو أنه خاض الكثير من المعارك فجسده مليء بالندوب التي تخللت سواده و قام بابتلاع الطعم و استقرت الصنارة بأمعائه ، فقمنا بسحبها و جره إلى هنا و هناك وقد ملأ مواءه كل الأرجاء و تردد صداه في خرائب المدينة ، لقد كان ثقيل الوزن و خيط الصنارة حاد ، فكلما ألمتني يدي كنت أعطي الخيط لسماح و تناوبنا في عذابه !


و في أثناء ذلك أصابتني حاله من الارتعاد والرعشة كما في نوبات الصرع و كذلك سماح فقمنا بالتخبط والسقوط بقرب المياه فكنت أصرخ و أصرخ وأتلوى أريد الوقوف فلا أستطيع و جاء خالي بعد أن سمع صراخنا فحملونا هو و صديقه إلي البيت و قاموا بتلاوة بضع آيات من القرآن علينا و نحن نرغي و نزبد و نرتجف و نهمهم فجاءوا لنا بقارئ في حينا فتلا علينا القرآن واستفقنا بعد وقت طويل و تحدث مع خالي فيما يشبه الهمس و خرج ، قررنا أن لا نذهب إلى الشاطئ ثانية وأن لا نعبث مع تلك المخلوقات مرة أخرى و ذلك كان آخر عهدنا بالقطط و كذلك بسواكن.

تاريخ النشر : 2018-01-26

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر