وحيداً وسط الدروب
الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

وحيداً وسط الدروب

بقلم : محمد بن صالح - المغرب
للتواصل : [email protected]

علي الاعتراف لنفسي والعالم بدون مقدمات بأنني فاشل

رن صوت منبه الهاتف في الصباح الباكر ليهتك سترة نومي الجميل ، ويحثني على فراق الفراش ، كم أحب النوم ، ليس عشقاً في الخمول ، لكن فيه أكسر قيود الواقع ، وأتحرر لساعات من الحياة البائسة ، فلو كان لي الخيار لفضلت العودة إلى أحشاء أمي ، فأنا أمقت هذه الحياة وأمقت نفسي ، وأمقت البشر ، لا أعرف لماذا بالتحديد ، كل ما أعرفه هو أنني لست كما أريد أو ربما كما يريدون .. ها أنا ذا أفارق الفراش مغادراً البيت الذي لم أدفع ثمن إيجاره منذ شهور ، وأخرج إلى الواقع من جديد .. هذه مدينتي ، لا لا ليست مديني ، لكني أعيش فيها فقط فأنا من جنوب البلاد وهذه أكبر مدنه ، الناس فيها تجري ليلاً نهار كالخيول الجامحة دون مقصد ، أو ربما مثلي دون هدف محدد ، ثم أتوجه عند " سعيد " ابن قريتي الذي يملك مطعماً صغيراً قرب مسكني .

- صباح الخير يا سعيد كيف أحوالك .
سعيد : أهلاً أحمد ، ما هذه الغيبة يا رجل
أجبته كاذباً : كنت مسافر إلى مدينة أخرى ، هيا أحضر لي الفطور بسرعة فقد تأخرت عن العمل .

قال سعيد بسخرية : ومتى وصلت إلى العمل في الوقت المناسب .. دعك من هذا الآن ، أخبرني هل علمت بسقوط الأمطار في بلدنا ، لقد فاض الخير هذا العام .

لم أجبه وأسرتها في نفسي متسائلاً ، يا له من غبي ، ماذا سأفعل بالأمطار هل أملك السدود ! .
وبعدما أنهيت إفطاري توجهت إلى العمل ، فأنا أحمل الماجستير في هندسة الطيران ، لكن كل الأبواب أغلقت في وجه هذه الشهادة ، حتى وضعتها ديكور في غرفتي البائسة وأصبحت مكسوة بالتراب ، والتجأت إلى شهادتي الثانوية التي أنقذتني من البطالة ورمت بي كموظف حقير في شركة خاصة مردودها لا يكفي مدرائها أصحاب البطون المنتفخة والأدمغة المتسخة بالأموال .


وبينما أقترب من مقر الشركة ، ظهر لي شخص ينتظر قرب الباب .
إنه المدير ومن غيره يلهت من الأمراض المزمنة وينتظرني لتوبيخي على التأخر .. يا له من صباح مشرق كوجه هذا المخلوق الذي ينفر منه الشياطين

- صباح الخير سيد المدير

المدير : بل قل مساء الخير أيها الموظف المجتهد

صمت قليلاً بانتظار رد فعلي ، لكني لم أبديها له ثم قال : ألم أوصيك دائماً على عدم التأخر .. اسمع هذا آخر إنذار أوجهه لك ، هيا إلى مكتبك
يقول آخر إنذار ، وكأنه سيقصف قواعدي .. توجهت إلى مكتبي وفي هذه الأثناء دخلت علي الكاتبة وهي على عادتها ، فوجهها يصلح للعمل في السيرك من كثرة المساحق التي تصنع بهم ابتسامة صفراء
- مرحباً سيد أحمد ، لقد جلبت لك هذه الملفات لمراجعتها بطلب من المدير ، ويجب تسليمها يوم الغد .
لم أقل لها كلمة واحدة ، واكتفيت بإظهار بعض أسناني في وجهها وكأنني أبتسم .. طبعا المدير يريد عقابي وأرسل إلي أطنان من الأرواق ، وقضيت يوماً كاملاً وأنا غارق في هذه الملفات ولم أستطع إكمالها حتى أدركني وقت الخروج .

غادرت الشركة وأنا أجر خطواتي بين الأزقة وأمعائي تغرد من قلة النعمة ، حتى وصلت إلى محطة الحافلة وعدت إلى مطعم صديقي سعيد


- مرحبا يا رجل
سعيد : ما بك يا أحمد أراك شاحباً ..
- أنا لم آكل منذ الصباح ، هيا جهز لي شيئاً آكله ، فالمدير انتقم مني على تأخري

سعيد : عندي حل لك ، ما رأيك أن نسهر اليوم في الملهى الليلي وتنسى قليلاً مشاكلك ؟

أقنعني سعيد في قضاء بعض الوقت في الملهى الليلي ، وهذا ما حصل حتى نسيت نفسي إلى وقت متأخر وعدت إلى البيت وأنا متعب لا أقوى على تحريك أطرافي، وفي الصباح طال بي النوم حتى انتفضت من فراشي لأجد الساعة تدق العاشرة ، والمفترض أن أكون في العمل قبل ساعتين ، غادرت البيت مسرعاً وأنا ألعن في نفسي سعيد




وعند وصولي إلى مقر الشركة ، استقبلتني الكاتبة بجملة واحدة : المدير يريدك في مكتبه
- يا إلهي لا أريد أن أرى خلقة هذا الرجل ، أكيد سيوبخني
توجهت إلى مكتب المدير : صباح الخير سيدي المدير ، أرجو المعذرة على تأخري فقد تأخرت الحافلة كثيراً

كان صامتاً كالهدوء الذي يسبق العاصفة حتى كسر هذا السكون قائلاً بعصبية مفرطة : أنت مطرود .. أنت مطرود !!
جمعت أغراضي وغادرت الشركة غير مأسوف عليها ، فأنا مهندس طيران لا أعرف حتى ماذا أفعل هنا ، وقمت عائداً عند سعيد

كيف كانت ليلة أمس يا أحمد ، تساءل سعيد

- كانت في غاية الروعة حتى أنني طردت من العمل بسببها أو بسببك أيها الصديق المثالي .

قال سعيد مستغرباً : ماذا ! طرودك .. ثم ضحك بسخرية وأردف : كنت أعرف أنك ستطرد في الأخير ، فهذه ليست المرة الأولى التي تتأخر فيها ، ولا تتمعنى عليَّ كثيراً .

في الأخير أصبحت دون عمل ، وعائلتي في البلد لا تعرف أنني أتسكع في الشوارع باحثاً عن عمل جديد ، حتى التقيت بصديق لي قديم منذ أيام الجامعة وأخبرني عن شركة جديدة تبحث عن المواظفين ، لم أتردد في الأمر ، وتوجهت إلى مقرها حاملاً معي سيرتي الذاتية ، لكن وجدت المكاتب قد حجزت وعرض علي المدير العمل في الأرشيف في مكتب قرب دورة المياه ..
- ماذا تقول أيها السيد ، أنا أعمل في الأرشيف قرب الحمامات !! انا مهندس طيران .. نعم مهندس طيران !

رد المدير بنبرة مستهزئة : وما دخلي أنا إذا كنت مهندس طيران أو مهندس شاحنات .. هيا ارحل من هنا .

لا شيء جديد فسرير البطالة في الانتظار ، ومرت الأيام وأنا على حالتي أقضي سحابة يومي بين الدروب حاملاً معي بعض الأرواق أطرقوا بهم أبواب الشركات الخاصة والعامة . لقد تعبت من الأمر ولم أعد قادر على المواصلة على نفس المنوال


وفي كل مساء أعود عند سعيد لأنسى قليلاً مصائب يومي . أنا أحتاج المال ولم أدفع واجب كراء مسكني منذ زمن ، ولهاذا كان علي إيجاد عمل مهما كان ، نعم مهما كان
وفي الأخير وجدت عمل .. أخيراً سأعمل ، سأغسل الصحون في إحدى المطاعم . يا حسرتاه على أيام الدراسة ، يا حسرة على سنين العلم ، لكن للضرورة أحكام ، إما أن أغسل الصحون أو أموت جوعاً ، وأكثر ما يؤلمني هو حال أبي الذي يفتخر بإبنه كثيراً ، الإبن الوحيد الذي صرف دم قلبه من أجل دراسته ،ودائماً يتغنى بـ إبني أحمد مهندس طيران ، وفي كل مرة يغير لها الألحان والمقامات ، مهندس طيران .. مهندس طيران !

لا يا أبي ، إبنك سقط جلد يداه من فرط غسيله لصحون .. لم أكن راضياً على هذا العمل ، لكني استمريت فيه مرغماً حتى قرأت ذات يوم إعلان في إحدى الجرائد عن الخطوط الجوية للبلاد التي فتحت أبوابها للباحثين عن عمل في عدة تخصصات ومن بينها هندسة الطيران ، وفي الأثناء تركت غسيل الصحون لأصحابها ، ونفضت الغبار عن شهادتي الحزينة وأنا أعود لأمتطي خيل الأحلام راكضاً به إلى مقر الخطوط الجوية من جديد بعد عدة محاولات سابقة ، وعند وصولي إلى هناك وجدت أمام الباب قبيلة من الشباب مدججين بالأوراق حالمين بالمستقبل الذي نحت ذات يوم بمدرج الجامعات . 

ثم أخدت مكاني بين الصفوف حتى وصل دوري لأدلي بدلوي ، ودخلت إلى مكتب المسؤول عن التوظيف لأضع أوراقي في تصرفه ، وبدأ في طرح الأسئلة بعد أخرى ، والأجوبة كانت على حافة لساني ، حتى سألني عن مهنة أبي ، هنا استغربت لسؤاله !! قبل أن أجيبه : أبي إمام مسجد بسيط يتناطح مع الحياة .

نظر إلي بإمعان ثم عاد ليقلب أوراقي بين يديه حتى تسمرت عيناه على إحدى زوايا شهادتي .. وأنا أتساءل عما ينظر ، حتى أدركت الأمر ، إنه ينظر إلى إسمي ، ليس الأول بل إسم عائلتي



كان يفترس بنظراته تلك الزاوية وكأنه يتساءل في وحيه : أي نسب هذا ؟!
أجبته في سري : هذا إبن آخر ليس من آل أنسابكم

نظر إلي وكأن حال لسانه يقول : هذا الشرف أرفع من أن تستحقه بهذه الأوراق

كنا نتبادل النظرات ، وكانت أبلغ من كل الكلمات ، حتى أسدل الستار على أوراقي ، وقال جملة سمعتها مراراً حتى شكلت إحدى عقد حياتي : اذهب حتى نرسل في طلبك


حتى نرسل في طلبك .. ألا توجد جملة أخرى في قواميس هؤلاء البشر .. إلى متى سأنتظر بحق كل ما هو حق .. وعدت من جديد لمهمة الانتظار ، لعل الغيوم القاتمة ترحل عن سمائي ذات يوم لينصل منها نور السعد الذي أطال الغياب وفي أرض يطلقون عليها مملكة الشمس .. ومرت الأيام والأمل يتقلص مع كل يوم ، حتى انقضت المدة المفترضة للانتظار ، وفقدت الأمل المفقود في الأصل ، ولأن المصائب تأتي في حلة الجماعة ، فقد طردني صاحب المنزل الذي استأجرته نظراً لتأخري في تسديد الإيجار ، ولم يبقَ لي سوى سعيد ومن غيره سيقف جنبي في هذه المحنة التي تحولت إلى كرة ثلج ..

في الأخير السيد أحمد حامل الماجستير في هندسة الطيران ، والوحيد في عائلته الصغيرة والكبيرة الذي ابيضت عيناه من القراءة أصبح دون مأوى ، أما العمل فالقلم مرفوع .
إزدادت تعاستي وتضاعف البؤس في وجهي ، وأنا قد أصبحت عبئاً على صديقي سعيد رغم أنه من طينة من يموتون مع الأصدقاء ، لكن حاله ليس أفضل من حالي إلا بالقليل ، لكني لا أملك الخيار سوى البقاء معه في مسكنه في نفس المطعم الصغير .. وفي تلك الأيام قررت العودة إلى عادتي القديمة حيث أحمل الأوراق بين الأزقة ومقصدي أبواب الشركات ، ولا جديد يتجدد حتى قررت أن أضع سلاح الأوراق جانباً ، فقد أثبتت بطلان مفعولها معي ، لأبحث عن عمل لا يحتاج القلم والورقة ، حتى وجدت مطعم شعبي يحتاج إلى نادل .





ولأن مصائبي تلتف بثوب الأزل ، فقد أعلن صديقي سعيد إفلاسه وغادر المدينة صوب أخرى ليتركني وحيداً وسط الدروب ، كان علي البحث عن مسكن جديد ،ولأن حالتي المادية متدنية فقد كانت غرفة بائسة في أحقر أحياء المدينة من نصيبي ، ولم يمر وقت طويل في عملي الجديد والمرغوم حتى اتصل بي والدي ليخبرني أنه قادم لزيارتي ، وهو لا يدري أنني مجرد نادل في مطعم ، حتى وصل عندي واستقبلته في مسكني وهو ينظر إلي بإستغراب ، فلم يكن هندامي كما في السابق ، وحتى ملامحي تغيرت على آخر مرة نظر إليها.


لم يعد هناك شيئاً لأخفيه : أبي"أنا لم أعد أعمل في أي شركة خاصة فقد طردت من زمان وأغلقت كل الأبواب في وجهي حتى رضيت مرغماً أن أشتغل كنادل في إحدى المطاعم الشعبية .. أنا آسف يا أبي لأنني لم أخبركم على حالتي ، فقد أردت أن لا أزعجكم وأبقي على صورة أحمد المعروفة في البلد .

لقد تألم أبي كثيراً لحالتي وهو يتساءل لماذا لم أوفق في الحياة رغم كل مقاومات النجاح ، حتى بدأ الشك يرتابه عن ابنه أحمد فربما إنحرف عن الطريق ، رغم أنه لم يخبرني بذلك إلى أنني قرأتها في عيونه .. لم يستمر معي طويلاً حتى عاد إلى البلد وهو لا يصدق حال إبنه الوحيد الذي أضاع السبيل ، واعتقدت أنه سيخبر الجميع عن حالي لكنه لم يفعل ، وأنا قد قطعت كل اتصالاتي مع أبناء قريتي بإستثناء صديقي سعيد حتى لا أحرج أمامهم ..

ثم عدت لأكمال حياتي المذلة حتى توقفت ذات يوم قرب البحر وكأن يد خفية تجرني إليه ، حتى وصلت إلى أطرفه متأملاً فيه وكأنه يكلمني لكني لم أفهم الكلام ، حتى تمعنت فيه جيداً لأتحرر من الواقع واندمجت مع صوت الأمواج وهي ترتطم بأقدامي ثم بدأت أفهم كلماته , إنه يقول : ورائي توجد بؤرة تتحقق فيها الأحلام ، هناك عند مرقد لينكولن وفي أرض أحفاد نابليون في بلاد الجنس الأشقر "



"هيا يا أحمد تشجع و لترحل إلى هناك ، هل ستبقى طول حياتك نادل حقير وشعرك رأسك شاب من الدراسة "
عدت أدراجي وأنا أفكر في الأمر : لماذا لم تخطر في بالي الهجرة طول هذه السنوات .. لكني كنت متردد حيال الأمر ، حتى وصلت إلى غرفتي البائسة لأختلي بنفسي مثل كل ليلة وأنا أصارع أفكاري وأستعيد الذكريات الجميلة حين كنت يافعاً مفعماً بالحيوية والنشاط ، منتظراً بفارغ الصبر المستقبل الزاهي والموعود ، الذي وصل عند مغيب الشمس في حلة باهتة ، حيث لا يوجد أسوأ من أن يخيب الأمل للمرء بعد سنوات من الانتظار ، وتيقنت بما لا يدعو للشك أن كل تلك الأمنيات التي سطرتها يوماً بكفاح بعد آخر ما هي إلا نسمة انطفأت مع تعاقب الأيام ، حتى طرحت بي الحياة مجاناً في هذا الجرف الهاري .

وأكثر ما يخدش كبريائي هم من يحيطون بي ممن هم أقل مني علماً ومعرفة ، والحياة قد زفت إليهم السعادة وبعضهم لا يحمل حتى شهادة ابتدائية ، وأنا المكتظ بالشواهد بالكاد أجد عمل مستور يقيني برد الشتاء ولهيب الصيف ، ودائماً أتساءل لماذا يغيب العدل في الحياة . وكان علي الاعتراف لنفسي والعالم بدون مقدمات بأنني فاشل .. فاشل .. وأكبر فاشل في هذه البلاد السعيدة ، ولم يعد هناك أي رجاء يرجى في هذه البقعة من الأرض ، والحل الوحيد هو البحث عن بقعة أخرى في أرض الله الواسعة . 


قررت أن أتخلى عن عملي كنادل الذي أتوجه إليه كل صباح برأس منحنية ، ليس لأنه عيباً ومتى كان العمل الشريف ينعت بالعيب ، لكن بالنسبة لشخص مثلي أفنى عمره في الدراسة وكانت وراءه عائلة متواضعة الحال بذلت بالغالي والنفيس في سبيل دراسة ابنها الوحيد ، فلا رضا إلا بالمقام العالي .. ثم أعود إلى جنب البحر وأنا أنظر إلى أقصى نقطة منه وأنا على ثقة أن وراء هذه الستار الزرقاء ستنصب عروشي .




قررت في الأخير أن أرمي بآخر ورقة ستأتي بنتيجة لن تقسم على إثنين ، أكون أو لا أكون .. حيث سأحمل شواهد العلم وأمتطي قارب الموت لعلى الأمواج تكون دليلي لتسير بأحلامي في أعالي البحار ، ولتقذف بي عند أبواب فردوس الأرض حيث لا يظلم أحد ،أو ربما يكون مصيري كغيري من الكثيرين الذين واصل جسدهم ولم تلحقه الروح التي استسلمت بشرف مهيب وهي تصارع جبال المياه وسط المحيط في سبيل البحث عن حياة..

في البداية كان علي إيجاد رفقاء الهجرة ، وهذا ليس بصعب فقد عثرت عليهم بسرعة وكان عددنا يفوق العشرين ،كل واحد بعلمه وتخصصه ، والمشترك بيننا هي نفس السبل التي تقطعت بنا والأبواب الموصدة في وجوهنا حتى وضعنا آمالنا على قارب مهترئ مع بضع سترات النجاة ليقودنا إلى الحياة التي نستحقها .. ثم اتفقنا على الهجرة بعد أسبوع ، وفي أثنائه أغلقت هاتفي حتى لا يزعجني أحد ، ولأبقى في أجواء السفر المثير .

مر الأسبوع وأتى يوم السفر الذي وجدني في أوج الاستعداد ، وفي ليلة الهجرة اجتمعنا جميعا وأخدنا في الطريق إلى البحر كسرب الطيور المهاجرة وكل واحد ينظر إلى الآخر في صمت مقدع وفي جو بارد كئيب كأجواء الجنائز والقمر ينتصف في كبد السماء .. كنا نسير بثقل شديد وكأننا نساق إلى مثوانا الأخير ، حتى وصلت أقدامنا إلى الرمال والبحر أمامنا بعرضه وسكونه المخيف يرحب بقدومنا ولا يعدنا بأي شيء ، والأمواج تستعد لمحو أثار أقدامنا ، والسؤال الوحيد في أذهاننا : هل ستبزغ الشمس علينا مرة أخرى لتجدنا نخطو في الجهة الأخرى من الأرض ، أو ربما يكون القمر آخر نور تبصره أعيننا قبل أن يحد قاع المحيط أجسادنا



الآن ياقومي سأغادر أرضكم حاملاً معي شواهد العلم التي سأحيا أو سأموت معها ونسبي مطبوع عليها ، وقبل أن تمحو الأمواج آثار أقدامي سأعترف لمقامكم وأنتم نيام ، أن الحق كل الحق علي وليس عليكم ، فأنا من جندت نفسي لمعركة خاسرة في أرضكم .. وقبل الصعود إلى القارب ، تذكرت شيئاً كان ثقيلاً في أعماقي منذ الصباح ، إنها أمي " : ماذا لو مت ولم أسمع صوتها ولو بنبرة الوداع .. وهنا قررت أن أفتح هاتفي وأتصل بها لربما تكون المرة الأخيرة التي أسمع فيها جملة " كيف حالك يا ابني " فتحت هاتفي وبدأت أبحث عن القلب الذي وضعته رمزاً لرقمها وأصابعي ترتعش حتى وجدته أخيراً ووضعته في حالة اتصال .. حتى ردت علي وهي تبكي ، وأنا أقاطع دموعها : مابك بك يا أمي ! لماذا تبكين !؟
ردت أمي بصوت مرتجف مغموس في الدموع : أين كنت ولماذا هاتفك مغلق ، لقد مات أبوك قبل أسبوع وأنا أحاول الاتصال بك دون جدوى حتى ظننت أنني فقدتك أنت أيضاً

سقط الهاتف من يدي من هول ما مر على مسامعي، وتسمرت في مكاني بينما رفقائي يحاولون استفسار الأمر ، وأنا لا أستطيع الكلام فقد شل لساني لبعض الوقت حتى خرجت الحروف أخيراً وقلت لهم : أنا لا أستطيع الذهاب معكم لقد مات أبي قبل أسبوع بينما كان هاتفي مغلق ، والآن علي السفر إلى البلد ، وأمي لم يعد لها أحد غيري.


ودعتهم جميعاً متمنياً لهم التوفيق ، وعدت إلى المدينة متوجهاً إلى المحطة الطرقية وأنا أسير وسط الشوارع تائهاً وأهوج ، حتى وصلت إلى المحطة وصعدت إلى الحافلة التي تمر على قريتي وصوت أمي الباكي مازال يلقي بصداه في أذني .
قضيت ليلة كاملة في الطريق حتى وصلت في الصباح وقصدت منزلنا حيث منبع طفولتي .. كنت أسير وأنا أغالب دموعي حتى ظهرت لي أمي تنظر إلي من بعيد ، وأنا أدفع بجسدي للوصول إليها حتى أصبحت على بعد خطوة منها .



فتحت عيونها الصغيرة لتنظر إلى إبنها الوحيد وفلذة كبدها الذي حل في مقامها في أحقر الحلل ، وأنا لم أعد أستطيع الوقوف على قدمي حتى قذفت بنفسي صوب أحضانها ملتصقاً بها كطفل صغير وأنا أجهش بالبكاء بينما تحاول المسكينة أن تعيدني إلى صوابي ، وقلت لها والنحيب يقمع صوتي : أرجوكِ يا أمي " إتركيني أبكي ، فعلى حضنك يهوي ستار الكبرياء .. والآن يا مقلة عيني فلتنضحي بالدموع الراكدة ، وأنت أيتها الشجون تحرري من جسدي بعيداً ، فقد حان الأوان لتنصب أعلام الاستسلام ، فأنا لم أعد أريد شيئاً من الحياة ، فقط أعيدوا إلي تلك السنين التي ضيعتها بين الكتب وفي ذلك المدرج اللعين ، وجحظت فيها عيوني وأنا أبحث عن شيء غير موجود .. فقط أريد أن أعود كما كنت طفلاً لا يفقه غير اللعب واللهو ..

يا أمي " أريد أن أعود طفلاً صغيراً أنام جنبك وأنا أعانقك وأغلق عيوني على صوت أنفاسك .. وأن توبخيني كلما تأخرت في الخارج .. وأن أركض إليك كلما عظم علي من أمر .. وأن أشكي لك ألمي وهمّي الصغير الذي كبر معي حتى فاق الجبال .. وأن نعيش معاً في السعادة بالخبز والشاي
أرجوكم , أعيدوا لي طفولتي .. أعيدوا لي طفولتي .


Fin

"وحيداً وسط الدروب "

بنصالح ...
 

تاريخ النشر : 2018-01-29

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر