الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

تجارب واقعية من أرض فلسطين 5

بقلم : المعتصم بالله - فلسطين

كان الرجل محاط بستة أقزام بشعة المنظر

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ، سأروي لكم اليوم قصه رواها لي أحد كبار السن ، تتحدث عن قريه فلسطينية من ضواحي مدينة رام الله وكان موقعها يتوسط بين مدينة أريحا و مدينة رام الله وكان هناك طريق ترابي قديم يربط القرية بالمدينتين وكانت هناك مغاره تقع على الطريق بجانبها جدول مائي صغير ، أما الفترة الزمنية لأحداث القصة فكانت في بداية القرن العشرين أبان الحكم العثماني والأن إلى التفاصيل :

يا أبو أحمد يا أبو احمد هيا استيقظ ، أما زلت نائماً ، أنسيت أن وراءنا يوم صيد طويل ؟ هيا أيها الكسول أخرج .  

- سامحك الله يا ابو جلال ما زال الوقت مبكراً على الذهاب .

- هيا أيها الرجل أحضر الفخاخ ودعك من الثرثرة. ، سمعت أن المكان الواقع بجانب مغارة علياء يفيض بالأرانب والغزلان في انتظار من يصطادها.

- إذاً سيكون يومنا حافلاً بالصيد

- وهو كذلك

المهم ، خرج الرجلان من القرية قاصدين البرية ، وبعد فتره من الزمن وصلا إلى المكان ونصبا الفخاخ ، وبالفعل فقد كان يومهم حافلاً بالصيد واصطادا الكثير من الطرائد وكانت الفرحة كبيرة وعندها قال أبو جلال لأبي أحمد : بما أن الله قد تفضل علينا بصيد وفير يكفينا وعيالنا ما رايك أن نمكث هنا للمساء ونقيم حفلة شواء في المغارة وننصب الفخاخ لصيد النيص فأنت تعلم كم هو لحمه لذيذ ، فقال أبو أحمد : ونعم الرأي ، دعني أولاً أوصل الصيد للبيت ريثما أنت تعد الفخاخ ثم أعود إليك ، وهو كذلك

عاد أبو أحمد بأغلب الصيد للقرية بينما أنشغل أبو جلال بتحضير ما تبقى من الصيد للشواء وقام بنصب الفخاخ ، وفي المساء عاد أبو أحمد من القرية وكان قد حل المساء وبدأ على الفور بعملية الشواء ، وبعد أن فرغا من العشاء قال أبو جلال : سنمكث الليلة في المغارة وسنغادر في الصباح لعلنا نجد بعض الفخاخ قد اصطادت لنا شيئاً ، كما تشاء قال أبو جلال ، وبالفعل تجهز الرجلان للمبيت في المغارة أنتظاراً للصباح .

- اااه  ، قالها أبو أحمد.

 - ما بك يا رجل ، لماذا صرخت ؟

- هناك من ألقى على رأسي بحجر !

- هل أنت جاد فيما تقول ؟ لا يوجد سوى أنا وأنت ، لا بد انك تتوهم .

- ربما يا أخي .

- ااه ، هذه المرة صرخ بها أبو جلال .

- يبدو أنك لا تتوهم فأنا أيضاً أُصبت بحجر في رأسي .

- هل هناك أحد معنا في المغارة ، اجبنا هيا .

- لا احد يرد .

بدأ الخوف يتسلل إلى الرجلين وفجأة وإذا بالحجارة تنهار عليهم من كل جانب ، أصيب الرجلان بالرعب الشديد و قررا الهرب من هنا حيث يبدو أن المغارة مسكونه بالجن ، خرج الرجلان من المغارة وهم يجريان بسرعة كبيره وعند وصولهما لشجرة جميز كبيرة و قريبة من المكان شعرا وكان أرجلهم قد تيبست وكأنها قد قُيدت فلم يعودا قادرين على الفرار ، وفي هذه الأثناء سمعا خلفهما خوار مرعي يقترب منهما و فقررا النظر خلفهما لتبين الامر ، فشاهدا ثور أسود عملاقاً عيونه حمراء ينظر لهما بغضب شديد و بدأ بالاقتراب منهما وهما لا يقدران على الفرار .

- يا أبا جلال أترى ما أرى ؟

- نعم ، ماذا نفعل ، سيقضي علينا هذا الشيء ، لقد بات قريباً منا يا أبا جلال ، أنه ليس ثور عادي أنه شيطان ، أقرأ يا رجل شيئاً من القرءان فأنت تحفظه كله .

- ما عدت أتذكر شيء مما حفظته يا ابا أحمد لقد نسيته كله من الخوف .

- اللعنة عليك يا أبا جلال فأنا لا أحفظ سوى سورة الاخلاص و الفاتحة .

- إذاً أقراها .

وبدأ أبو أحمد بالقراءة فتحررت أقدامهما فجأه وانطلقا بسرعة رهيبة نحو القرية تاركين وراءهما الفخاخ منصوبة ، وما هي إلا مدة من الزمن حتى وصلا القرية ، وقد كان رجال القرية في بيت المختار يتسامرون وفجأة دخل عليهم رجلان يبدو على وجهيهما أشد علامات الرعب والجزع وكانا في حاله من الإرهاق والتعب ، صدم الرجال من هذا المشهد فقام مختار القرية وسألهم : أبو جلال أبو أحمد ما الذي حدث ولماذا تبدوان في هذه الحالة؟  

- ماء ، أسقونا ماء أرجوكم ، بعدها سنقص عليكم ما حدث .

و بعد أن شربا بدأ الرجلان برواية القصة وجعل الرجال يستمعون وينظرون إلى بعضهم البعض و بعد أن انتهيا من القصة ساد الصمت برهه من الزمن ، ثم قام رجل يلقب بأبي الرجال يدعي القوة والشجاعة وقال : أيها الجبناء أتخافون من بقرة ظهرت لكم وتفرون منها هاربين ؟ ما أجبنكم فلو كنت مكانكما لجعلت من لحمها شواء لذيذ .

- فارس ومغوار أنت يا أبا المراجل ، وكيف تفسر لنا ما تعرضنا له من عملية رجم ؟

- ها ها أيها الاغبياء أنتم كنتم في كهف و المعروف أن الكهوف يتساقط منها بعض الحجارة و هذا برأيي ما حدث لكم .

- كلام منطقي يا أبا الرجال ، قالها مختار القرية.


غضب أبو جلال من هذا الكلام وقال : يا أبا الرجال أن كنت حقاً تصدق ما تقوله وأن كنت أبا الرجال حقاً فأني أتحداك أن تذهب إلى المغارة الأن وأن تملئ هذه القربة من الجدول القريب من المغارة وأن تأتي لنا بفخ من فخاخنا المنصوبة بالقرب من المغارة ، فقال أبو الرجال : وماذا لو فعلت ذلك ؟ فرد عليه : تكلم أنت ما الذي تريده ؟ فقال لهم أبو الرجال : أن تحلق شواربك وإلا تقرب مجلسنا أربعين يوماً ، فقال : موافق بشرط ، على أن ينطبق عليك هذا الكلام أن أنت أخفقت ، فقال : موافق ، قالها أبو الرجال ، فتدخل الرجال وقالوا : دعكما من هذا ولننسى الأمر ، فقال أبو جلال : لا لقد استهزأ بنا هذا الرجل وعليه أن ينفذ الأمر وإلا ليحلق شواربه الآن ، فقال أبو الرجال غاضبا : لن يحلق شواربه إلا أنت


 وخرج بعدها إلى بيته وتسلح وأخذ قربة الماء وخرج باتجاه المغارة ، وصل أبو الرجال إلى المغارة وقام بخلع أحد الفخاخ وذهب إلى الجدول وملاء القربة ففرح وقال : ستحلق شواربك يا أبو جلال اللعين ، كيف تجرؤ على تحدي أبو الرجال ، وما أن هم بالعودة للقرية والانتقام من أبو جلال واذا به يتفاجأ برجل ينتشر على جسده شعر كثيف أبيض وله أنياب ومخالب وكان منظره مرعباً جداً يقف على باب المغارة ، صُعق أبو الرجال مما راه وأُصيب برعب شديد فما كان منه إلا إن ألقى بالقربة والفخ من يده وأطلق رجلاه للريح

وعند وصوله إلى شجرة الجميز إذا بديك أسود ضخم ينظر إليه من فوق غصن ، نظر أبو الرجال إلى الديك باستغراب شديد فقد كان حجمه يفوق حجم خمسة ديوك ، فقام الديك بمهاجمة الرجل وأشبعه نقراً وخفشاً قبل أن يتمكن الرجل من الافلات منه والنجاة بحياته ، وعند وصول الرجل إلى القرية دخل على مجلس الرجال وكان بحالة يرثى لها فقد كانت ثيابه ممرقه وجسمه مملوء بالجروح ، فتعجب الرجال منه وقال له أحدهم : من الذي فعل بك هذا ، هل هاجمك نمر ؟ فقال أبو جلال : أين القربة والفخ ، لما لم تحضرها معك يا ابا الرجال ؟ هيا إلي بشاربك ، فقال له المختار : قبحك الله يا أبا جلال ألا ترى حال الرجل ، أنه بحاجة إلى الراحة والعلاج ، فقال أبو الرجال : أني أعتذر لك يا أبا جلال أرجوك سامحني فقد كان كلامك صحيحاً ، فقال له أبو جلال : أني أسامحك و يكفيك ما عانيته اليوم


فقال الختار : هيا أيها الرجل قص علينا ما حدث لك ، فاخبرهم الرجل بما حدث معه ، انتاب الرجال حاله من الرعب بعد ما سمعوه فأمر الختار بعد ذلك بعدم التوجه إلى ذلك المكان وعمم ذلك على أهل القرية  وكل ضيف يزور القرية ، وتمر الأيام والشهور ويأتي فصل الشتاء وفي يوم من أيام الشتاء يصل تاجر معه بضاعه على حمار إلى القرية فسأله مختار القرية بعد أن قاموا بواجبه إلى : أين وجهتك أيها التاجر ؟ فقال : أني ذاهب إلى العوجة لأبيع البدو بعض البضائع ، فقال له المختار : ليكن ربحك وفير ، ولكن أحذرك لا تمر بطريقك بجوار كهف علياء ، فقال له الرجل : ولماذا ؟ فقص عليه المختار ما حدث ، تبسم التاجر وقال : ليكن خير أن شاء الله ، فقال له المختار : أنت حر ، لكن لا تنسى أني حذرتك


شكر التاجر المختار وخرج من القرية متوجهاً نحو العوجا ، وعند اقترابه من الكهف فتحت السماء أبوابها بمطر غزير فخاف الرجل على بضاعته من المطر فقرر اللجوء إلى المغارة ليحتمي بها من الأمطار ، وصل الرجل إلى المغارة مع حماره ولما أراد دخول المغارة رفض حماره دخول المغارة فحاول الرجل معه دون فائدة ، اللعنة عليك أيها الحمار ، ما الذي جرى لك ؟ فلتبقى تحت الأمطار أيها اللعين

 ثم قام بأنزال بضاعته عن الحمار وادخلها معه إلى المغارة ، وفي الداخل وضع الرجل بضاعته ثم أشعل ناراً للتدفئة ، وبعد مده قصيره وبعد أن أطمئن الرجل وأراد أن ينام ، شاهد فجأة أطياف بيضاء تتجول في فضاء المغارة وبعدها اختفت فقال الرجل : يبدو أن كلام المختار صحيح ، وما هي إلا لحظه و إذا بالرجل محاط بستة أقزام بشعة المنظر فقالوا له : ألم يقوموا بتحذيرك من القدوم هنا ومع هذا اتيت ؟ أي أنك تتحدانا ، سوف نقوم بقتلك حرقاً الأن ، وصاروا يحثون من الجمر ويلقونه على الرجل والرجل ينفض عن نفسه ما يلقون عليه ، فقال لهم : أقتلوني ولكن لن أخرج ، أين تريدونني أن أذهب في هذا الشتاء ؟ أعدكم أن توقف الشتاء فسوف أخرج

 وفجأة يأتي صوت من الخلف ويقول : اتركوه ، فاذا بقزم سابع يظهر من لا شيء فتراجع الجميع عنه وقال للرجل : لا بأس عليك ، أنت في ضيافتي الأن و لن يمسك أحد بسوء ، فقال الرجل : من أنت ؟ فقال : أنا سيدهم ، فقال الرجل : هل صحيح أنكم أنتم من أخاف الرجال ؟ فقال القزم : نعم ، حتى لا يزعجونا مرة أخرى ، فقال الرجل ولماذا استثنيتني أنا ؟  فقال له القزم : أولاً أنت عابر سبيل وثانياً لكي أحملك رسالة للناس تحذرهم من المرور بجانبنا أو أزعجانا


 بعدها نظر أحد الأقزام نحو الخرج وقال : يوجد خبز ، هلموا لنأكل ، و بالفعل قاموا بأكل الخبز جميعه والرجل ينظر ، فقال له قريبهم:  نم الآن و سنعوضك بغيره في الصباح ، ثم انطلقوا خارج الكهف نحو شجرة الجميز وتسلقوها وأصبحوا يلعبوا و يقفزوا على أغصانها ثم اختفوا داخلها ، بعد ذلك غلب الرجل النعاس فنام ثم استيقظ الرجل على صوت يناديه : هيا أيها التاجر طلع الصباح وكفت السماء خذ رحلك وغادر وأياك أن تعود إلى هنا مرة اخرى لأننا لن نكون حينها ودودين ، قال بخوف : لا لا ، لن أعود ، أعدك وشكراً على الضيافة


 بعدها أخذ الرجل بضاعته و وضعها على الدابة وأنطلق في طريقه ، وأثناء الطريق شعر الرجل بالجوع وقال : أه من أين لي بالطعام وقد أكله الجن ؟ ثم قال في نفسه : لعلهم أبقوا لي بعض منه ، وحينما أستدار الرجل و فتح الخرج ، كم كانت صدمته حينما وجد الخرج وقد امتلاء بالخبز الطازج الساخن ، فشعر بالفرح الشديد وقال : يا ساكن المغارة أن كنت تسمعني فأنا أشكرك من كل قلبي ولن أدع أحد إلا وأخبره عنكم ، لقد وفى الجني بما وعد فعلاً ، ما أجمل الصدق والوفاء بالوعود !


وهنا تكون أنتهت القصة ، وأرجو أن تنال أعجابكم ، والسلام عليكم و رحمه الله و بركاته ، و إلى قصه قادمة إن شاء الله.

تاريخ النشر : 2018-02-18

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر