الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

المتكلمون ( 2 )

بقلم : غاده شايق - السودان

وجدتها تئن و تتوجع و عندها نسوة يؤازرنها و يخففن عنها

سأختار أسماء حركية لخصوصية أصحابها ، هذه الأحداث و المواقف حدثت حقيقة و قد رواها أشخاص يشهد لهم بالصدق و الأمانة و العهدة على الراوي ، سأسردها في حلقات منفصلة كل على حدة .

طرق على الباب يدل على أن صاحبه في عجلة من أمره و لحوح في طلبه و حاجته ، كان ذلك في إحدى الليالي الباردة في قرية من قرى الشمال السوداني .
و من عادة السودانيين النوم في الفناء فلا يهنأ لهم جفن إلا عند رؤية وجه السماء بنجومه ، و يُرغمون لولوج الغرف عند تقلب الجو أو برد قد حل و أشتد .

البيت عظيم و هائل ، و رغم ذلك سمعت آمنة طرق الباب المتلاحق و فزعت من نومها و سارت مترنحة تتخبط يميناً و يساراً من أثر النعاس و هجمة طرق الباب .
فتحت الباب الحديدي الصدئ فتلقاها رجل وقور يبدو على سيماه التوتر و الانزعاج الشديدين وقد بادرها بقوله : 
- سيدتي لقد سألت في الأرجاء و قيل لي أنكِ ( داية ) ماهرة لا يشق لكِ غبار فقصدتكِ ، و إمرأتي في حالة ولادة و حصل أنها متعسرة ، أرجو أن تُسرعي سيدتي فليس هنالك وقت .
- حسناً يا ولدي انتظرني ريثما ألبس ثوبي و أجلب معداتي .
قاطعها بنبرة حادة و جادة : 
- أسرعي سيدتي .. أسرعي .. أسرعي


أسرعت آمنة إلى الداخل و إلحاح الرجل يلاحقها ، حاولت إخبار زوجها و لكن شخيره يُعلن عن فشلها و إخفاقها ، حملت أدواتها على عجل و لبست ثوبها ( الثوب السوداني ) و تُسرع إلى الرجل و ثوبها يجر أرضاً من إلحاحه و توسلاته.

دلفت إلى سيارته التي قادها بين طرقات القرية.
قالت آمنة و الحديث لها : 
- ولجنا دروب لم أعهدها من قبل ، نطوي المنازل و نقطع الخلاء و الخرابات ، و الظلام الحالك يتحدى نور القمر فلم أعرف وجهتنا حتى وقفنا إزاء بيت يعج بساكنيه و يضج بعامريه من أثر جلبة آتية منه و صادرة عنه ، دلفت إلى داخله و هالني ما رأيت من كثرة الخلق ، فالكل واقف مترقب قلق متوسل ، و لاحت مني التفاتة فبصرت أرجلهم فوجدت لها حوافر ، بهت و تسمرت قدماي فأصفر لوني و أمتقع وجهي و ضاقت علي الأرض بما رحبت حتى خنقتني العبرة ، يا إلهي ما هؤلاء القوم !!!!!

وقف الرجل الوقور إزائي و بادرني بالحديث قائلاً بعد أن رآني متغيرة و قد أحس بما وقع في قلبي
- سيدتي عهد علي أن أعيدك سالمة غانمة آمنة ، يد مُدت إليكِ فلا ترديها .

قطعت كلماته صرخة إمرأة شقت عنان السماء ، قالت لم أحس بشئ سوى أنني وجدتُ نفسي أهرول إلى حيث صراخ المرأة و عويلها و وجدتها تئن و تتوجع و عندها نسوة يؤازرنها و يخففن عنها ، تناسيت كل شيء و بصوت حاد أمرت كل النسوة بالخروج ماعدا اثنتين ليقمن بمساعدتي .

خبرتي كلها تجلت أمامي حتى وضعت مولودها بعون الله ، تعالت الزغاريد ، و ضج البيت بأصوات التهنئة و الفرح ، و خرجت من الغرفة بعد أن أتممت عملي .
جاءني الرجل الوقور متهللاً مستبشراً و قال لي : 
- هيا سيدتي سأعيدك من حيث جئنا ، و لكِ عندي يد و لن أنساه لكِ معروفاً

 
ركبنا السيارة و عدنا أدراجنا ، تنفست الصعداء حين لاح لي الباب الصدئ ، فتحته على عجل ، أما الرجل الوقور فقد شكرني مرة أخرى و دلف إلى الفناء و مال على الحائط و وضع حقيبة سوداء و لم يزد على ذلك و ركب سيارته ورحل
أما أنا فقد أقفلت الباب و غطيت في نوم عميق و قد تقارب الصبح .

لم يؤكد روايتي لزوجي إلاّ الحقيبة السوداء ، وجدنا بداخلها مال كثير ، و من خوفي و وجلي لم ألمس ذلك المال زمناً حتى اطمأن قلبي و صرفته عند الحاجة .
و مازلت ممتنة لذلك الرجل الوقور ، و مازلنا في رغد و يسار إلى اليوم .

 

تاريخ النشر : 2018-02-20

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر