الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عواصف الغرام

بقلم : يعقوب السفياني - اليمن

عواصف الغرام
كانت كلمات منى رصاصات تخترق محمود

 على أنغام "هل عادك حبيب" للفنان اليمني الشهير أيوب طارش عبسي سرح تفكير محمود ، كانت المشاعر تختلج في صدره وتموج الأحاسيس بقوة محطمة كل أمل لديه في الحياة ، كانت الدقائق تمر ببطء وألم شديدان عليه.

لم يكن من عادة محمود الشاب القوي في قريته أن يذرف الدمع ، وحتى وهو وحده صعب عليه البكاء وأكتفى بتنهيدة عميقة ودفن الأمه عميقاً في داخله وعاد إلى بيته ليلاً بعد أن أنجز حرث حقله في قريته الجميلة كحال قرى اليمن السعيد .

-محمود، تعال لتناول عشاءك بني ، نادت ميمونة والدة محمود .

على سفرة العشاء المتواضع تراص أفراد الأسرة ، كانوا 6 ، رشيد والد محمود وأمه ميمونة ومحمود وأختاه رغد وفاطمة ، وأخوهم الصغير وليد.

كان محمود شارد الذهن ويسبح في عالم أخر، لم يأكل لقمة واحدة ولم ينبس بكلمة واحدة .

- لماذا لا تأكل يا محمود ؟ قال رشيد بنبرة غاضبة لابنه محمود ، الذي أجاب :

- لا رغبة لي في الأكل !

فيقول رشيد ونبرة صوته تتعالى لتتحول لصراخ: أما زلت عالقاً في ذلك الموضوع التافه ؟! ، يكفي يجب أن تنساها و إلا.

- وإلا ماذا ؟ قالها محمود ببرود لوالده الذي صفعه أمام العائلة ، وعندها غادر محمود المنزل ولم يلتفت لصراخ أمه التي ترجته بأن يدخل غرفته ،

لأول مرة يتمكن محمود من إنزال دمعة ، لم تكن دموع كثيرة لكن دمعة واحدة ساحت على خده ، كانت كفيلة لشرح ألم محمود ، الذي يعرف محمود بمجرد رؤية دمعته سيعرف أن ألمه و وجعه بات لا يُحتمل ، فهو ذلك الشاب الذي في غمرة الهموم والمصائب ينتصب شامخاً ومن حوله متقهقرون ، لكن لكل أنسان لحظة ضعف وهكذا محمود الذي لم يعرف أين يتجه في هكذا وقت متأخر من الليل .

يمشي دون وجهة، يقطع الطرقات وهو لا يشعر بشيء، حتى وصل لأعلى التلة الموجودة في طرف القرية.

كان يمشي على ضوء القمر الخفيف ولم ينتبه للأشواك التي فطرت قدماه و خضبتهما بالدم.

يستلقي ويخرج هاتفه ويشغل أغنية ويغرق في الذكريات.

-محمود ، كنت أعلم أنك هنا .

التفت محمود ليرى صديقه العزيز والوحيد نبيل ، الذي أحضر بعض الخبز والحليب لصديقه .

يرد محمود : أهلاً نبيل ، من أخبرك بمكاني ؟

نبيل: أخبرني حدس الأصدقاء ، ويردف ضاحكاً : وكأنك تذهب لمكان آخر غير هذا ، أنت تأتي إلى هنا منذ كنا أطفالاً ، كلما أصابك شيء أو كنت حزيناً.

بعد إلحاح نبيل الشديد شعر محمود بإحراج من صديقه وتناول مجاملاً بعض الخبز وأرتشف قليلاً من الحليب ، كانت أغنية " هل عادك حبيب" لا زالت مشغلة ، أراد نبيل ممازحة صديقه فقال له : محمود يجدر بك أن تشغل أغنية أخرى لأيوب طارش أسمها " مسكين يا ناس من قالوا حبيبه عروس" فينظر محمود بغضب كبير لصديقه نبيل وينهض من مكانه وينزل من أعلى التلة ونبيل يتبعه قائلاً : كنت أمزح معك يا رجل ، ثم ماذا ؟ عليك أن تنساها ، لن تجتمع بها بأي حال من الأحوال ، تذكر أن اخوها قتل عمك !

كانت تلك الكلمات ملح يرشه نبيل على جراح محمود الذي أشاح بوجهه عنه وقلبه يتفطر ألماً وفي كيانه صوت يقول : ما ذنبي أنا وهي ، لماذا يحاولون حرماننا من بعض ؟ بصوت هستيري يصرخ أنها خطيبتي ، أنها خطيبتي سأقتل كل من يحاول أن يفرقنا عن بعضنا ، نعم سأقتله .

يذهب محمود لمزرعة والده ، يدخل حجرة صغيرة معدة لتخزين أعلاف الماشية ، يستلقي وينام .

في الصباح كانت حيوية الريف اليمني والمزارعين في أوجها كفيلة لأيقاظ محمود .

شمس تنسج خيوطها الصفراء الزاهية، حياة تدب في أوصال الأماكن بعد ليل مظلم .

-محمود ، كنت قلقة عليك يا بني ، لماذا نمت هنا في البرد ؟ حدثت ميمونة أبنها محمود وقد أتت لأخذ بعض الأعلاف للماشية .

-أرجوك يا أمي ، أنا أحبكم جميعاً أكثر من نفسي ، لكن دعوني وحدي ، لقد قررتم قتلي عندما منعتوني من الزواج بمنى ، ليس ذنبي أو ذنبها أن أخوها المجنون قتل عمي ؟
صمت قليلا قبل أن يردف : عليكم أن تعرفوا أنني لن أسمح بزواجها بشخص آخر وسأقتل ذلك الشخص وكل من يفكر بأخذها مني ، ياخذ محمود نفسه ويخرج .

يذهب محمود ماراً من جانب بيت منى ، عله يمتع ناظريه برؤيتها ، لكن صراخ والدها وشتمه لمحمود وعمه الذي تسبب في تشتيت عائلة والد منى ، لقد ضايق هاشم أخو منى المصاب بمرض نفسي حتى قتله ومن ثم قتل والد محمود هاشم كعادة الريف اليمني الذي يقدس الثأر والأخذ بالدم بقوة ، وفي الحقيقة أن مختار عم محمود يتحمل الجزء الأكبر من المصيبة فهو شخص يحب مضايقة الأخرين والسخرية منهم .

يستمر محمود بالمشي دون أن يرد مما زاد في غضب بشير والد منى الذي صرخ بقوة : وأنت يجب أن تنسى زواجك من أبنتي ، لن أسلم بنتي لعائلة مجرمة مثل عائلتكم ، لقد خطبها أبن عمها وتم الأمر وسنزوجهما قريباً !

كانت الكلمات كالصاعقة على محمود ومنى أيضاً التي كانت تسترق النظر من نافذة المنزل ، لقد بللت الدموع وجنتيها ، لم تكن حالها أفضل من حال محمود.


تمر الأيام وشوق محمود يزداد ومعه يزداد غضبه ونقمته ، لقد حولته أشواقه وحزنه لشخص أخر ، كان يشعر بالنقمة ممن حوله ، وفي أحد الأيام رأى سيارة فارهة تدخل سور منزل بشير والد منى ، تلاها ببرهة ألعاب نارية من سطح المنزل ، زغاريد النساء عمت المكان بسرعة .

أنطلق محمود كالمجنون إلى بيته وأخذ يسأل أخته رغد ما الذي يحدث في بيت منى ؟!

- يحدث...أنه...لا أعرف، قالت رغد لأخوها وهي ترتعد خوفاً.

يصرخ محمود بقوة بوجه أخته ما الذي يحدث تكلمي ؟!

فتجيبه: سمعت أن اليوم عرس منى على حازم أبن عمها.

يشتاط محمود غضباً و يدخل حجرة والده ، وكعادة البيت اليمني خاصة الريف يتوفر سلاح الكلاشنكوف دائماً في كل بيت ، يأخذه محمود ويذهب خارجاً.

 

يبدأ صراخ رغد وهي تنادي والدها وأمها أن يلحقوا بمحمود قبل أن يرتكب جريمة ، يخرج والده مسرعاً وهو يتبعه ، لكن محمود أختفى و كأن الأرض أنشقت وبلعته.

مما دعى برشيد والد محمود أن يرسل زوجته إلى بيت بشير لتحذرهم رغم حجم العداء بينهم ، لكنه لا يريد مصيبة أخرى أن تحل عليهم ، وكما يقول المثل اليمني "شابع مشاكل".

محمود الذي ذهب بسرعة إلى مكان مرتفع يراقب كل شيء ، كان حازم يرتدي بذلة سوداء أنيقة ، يصوب بندقيته باتجاهه ولكن ، يخفضها ، لم يخف محمود من القتل ولكنه كان خائف أن يحول عرس منى إلى عزاء ، كان يحبها لدرجة أنه فكر بها دون أن يفكر بالأخرين.

يصوب بندقيته باتجاه رأسه ، فكر بالانتحار ، ولكنه كان أقوى من أن تهزمه وساوس الانتحار ، كان يخاف عاقبة المنتحر ، ولكنه صرخ وهو يبكي : بقائي في هذه الحياة دونك يا منى و رؤيتك تتزوجين غيري هو الانتحار بعينه ، ماذا أفعل أكاد أن أجن؟

-محمود .

يلتفت ليرى أخته فاطمة .

-ما الذي تريدينه ؟

تقترب منه بخوف وهي تحمل ورقة بيدها.

-هذه رسالة من منى، أرجوك لا أحد يعرف بالأمر غيري وطلبت مني إيصالها لك ، وعادت أدراجها بعد وضعت الرسالة على الأرض .

يذهب ويأخذ الرسالة ، يفتحها :

محمود ، أكتب لك هذه الأحرف وأعلم ما تمر به ، لأن حالي كحالك تماماً ، لقد فرقتنا أقدار خارجة عن أرادتنا ، عليك أن تدرك أني عشت أيامي كلها معك وفي الأشهر تلك التي كنا فيها معاً كخطيبين ، لم ولن أفكر لمرة أني سأعيش مع غيرك ، أرجوك بقدر ما تحبني لا تدمر نفسك من أجلي ، تجاوز هذا لأجلي إن لم يكن لأجلك .

كانت كلمات منى رصاصات تخترق محمود ، نقلت معاناته لمستوى آخر ، كان وجه محمود الشاحب وعينيه المتسمرة على الأرض مظهر خادع لقلب يتقطع ألماً وقهراً ، وحرب تنشب في داخله .

وقف على حاله ساعات طوال لا يتحرك حركة واحدة، حل الليل وشعشعت أضواء الزفاف على جنبات بيت منى ، والألعاب النارية الكثيفة ، ليدوي فجأة عويل مخيف ، صيحات النساء تعالت بسرعة بجوار بيت منى ، انطلق مسرعاً ليعرف ماذا جرى.

بالقرب من بيت منى سمع محمود النساء يصرخن ، لقد انتحرت منى وشربت سم ، كان مجلس العروس يضج بالنساء كما هي تقاليد اليمن في الزفاف ، وبينما كان كرسيها فارغاً والجميع ينتظرها ، تأخر وصولها ، ذهبت أمها لغرفتها التي كانت تلبس فيها فستان الزفاف وتضع الماكياج الذي أفسدته الدموع مرات كثيرة ، لتجدها ميتة وبجانبها علبة مبيد حشري ، تناولت السم وانتحرت ولا زالت دموعها الفضية تزين خدها الباهي.

محمود الذي دارت به الأرض وكأن قلبه القوي هذه المرة أضعف من أن يتمالك نفسه ، أصابه انهيار نفسي ، مر عليه شريط الذكريات سريعاً ، كل لحظة جمعته بمنى ، ضحكاتها ، روحها البريئة والطيبة ، كلماتها الأخيرة التي أرسلتها لمحمود في رسالتها .

تحولت كل هذه المشاعر فجأة لطاقة انتقامية هائلة اجتاحته ، فأخذ البندقية وقرر قتل كل من كان سبباً في التفريق بينه وبين منى ، بدأ بوالده ووالدها وأنطلق صوب بيته ، كان والده يدخن في باحة المنزل ، يقترب منه بعد أن عّمر سلاحه بالذخيرة ، يسمع أنين خافت ، كان والده يبكي بحرقة .

محمود يمزقه سكين في داخله، كيف أقتل والدي ؟! يضعف محمود أمام انتقامه ويترك والده ، وهو يجري في الظلام ويصل تلته المعهودة.

يصدح أيوب طارش بصوته :

قلبي يسألني عليك ، أين أنت ، أين الحب ، هل عادك حبيب؟

وأسمع لنبضي في دمي ، أنات ، انات ، تسألني...

لماذا لا تجيب ؟!

وأنا وأشجاني وأطياف الندم.

أشرب ندى عيني واقتات الألم

وأبكي بلا دنيا وأحيى في عدم !

كانت الكلمات تطابق تماماً مع حال محمود ، وما زالت الأغنية مستمرة  إلى أن وصل أيوب إلى :

لا يقدر النسيان ينسيني...

ولا أرضي بديل ...ولا ارضى بديل.

وخالط موسيقى الأغنية المبكية صوت رصاصة بندقية تنبه لها نبيل بسرعة الذي يبحث عن محمود فأتجه بسرعة نحو الصوت ليجده يحتضن ورقة وهو مضرج بالدماء بعد أن اخترقت رصاصة راسه .

انتحر محمود فقد كانت المصيبة أكبر من أن يتحملها

ولعل نفسه أفتت له أن الانتحار الحقيقي هو العيش دون منى وليس تخليص نفسه من ألم لا يجدر بإنسان أن يتحمله !

أنتهت.....

تاريخ النشر : 2018-05-22

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر