الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الذي شَرِبَ البول ليعيش , مُعجزة زلزال القاهرة 1992

بقلم : مصطفي سيد مصطفي - مصر
للتواصل : https://www.facebook.com/mostafa.ahlawy.22

الذي شَرِبَ البول ليعيش , مُعجزة زلزال القاهرة 1992
كارثة مدمرة خلفت وراءها مأساة كبيرة


هل تتخيل معي أن تعيش في المنزل وحيداً تحت نسمات المُكيف وبصحبة الانترنت ويكون طعامك هو الخبز والجبن فقط لمدة 82 ساعة ؟ يا للملل.
حسناً , هل تتخيل معي أن تعيش تحت أنقاض منزلك لمدة 82 ساعة بدون مصدر هواء نظيف ولا بقعة ضوء ولا طعام ؟ مصدر الغذاء الوحيد المتوفر لديك هو أن تتبول وتشرب بولك حتى تعيش.
هذا ليس فيلم السهرة لتشاهده وتنام مرتاح البال , هذا الموقف حدث بالفعل و كان بطله و بطل موضوعنا هو المواطن المصري (أكثم سليمان).

الذي شَرِبَ البول ليعيش , مُعجزة زلزال القاهرة 1992
نصف دقيقة ، قتلت المئات و شردت الآلاف

الزمان : العاشر من شهر أكتوبر لعام 1992 , الساعة 3:09 عصراً
المكان : بناء بحي هليوبليس (مصر الجديدة) , شرق القاهرة
في أحد شُقق العمارة تحلقت حول المائدة أسرة بسيطة تتكون من : الزوج (أكثم سليمان) ووالدته العجوز , و الزوجة (تنسيانا) والابنة الصغيرة (سميرة) , انتهي الجميع من تناول طعام الغداء في هذا اليوم الحار , فتطلب الابنة من الأب زجاجة مياه غازية و أثناء توجه الأب ليلبي طلب طفلته الوحيدة يسمع الجميع صوت (فرقعة) عالية , يهرع أفراد الأسرة تحت المنضدة غير مستوعبين لما يحدث .
فجأة يشعرون انهم يسقطون في بئر عميقة , نعم انهارت البناية , أصوات الجميع مختلطة , صراخ و بكاء و أنين , الجميع الآن تحت الأنقاض.

الذي شَرِبَ البول ليعيش , مُعجزة زلزال القاهرة 1992
صورة لبعض الناجين من الزلزال

كانت وسيلة التواصل الوحيدة بين المدفونين تحت الأنقاض هي تبادل الكلام. حاول رب الأسرة (أكثم) تشجيع أمه وزوجته بأن تقطع خرقة من ملابسه وبال عليها وأعاد شرب بوله ولكن أمه وزوجته رفضتا أن تفعلا مثله ولكنها الضرورة.
كانت الجدة العجوز أول من صمتت للأبد و استسلمت للموت , كانت الابنة الصغيرة مازالت تطلب كوب (البيبسي) و لكن فاضت روحها قبل أن تروي ظمأها وكان الأب بجانبها ولا يملك أن يساعدها , وبعد ساعات أسلمت الزوجة روحها و بقي الزوج وحيداً.


بقي (أكثم سليمان) تحت الأنقاض وحيداً بعد موت أسرته , كان يقع في نوبات إغماء ولكنه لم يستسلم أبداً للموت , كان يشرب بوله حتى يعيش , كان يسمع دبيب أقدام عُمال الإنقاذ ويستغيث بهم ولكن هيهات , لا أحد يسمعه.
بعد 83 ساعة من العذاب الأليم وبعد أن فقد (أكثم) أي أمل في النجاة و بعد أن يئست جميع فرق الإنقاذ من انتشال أي شخص علي قيد الحياة , عثروا بالصدفة علي (أكثم) تحت الركام و لم يصدق أي شخص أن هذا الجسد ما زال حياً ولكنها إرادة الله.


ما الذي حدث ؟

لعلك تتساءل عزيزي القارئ عما حدث في هذا اليوم الفظيع الذي تسبب في تشريد الآلاف , حسناً سأسرد لك ما حدث بشيء من التفصيل.

الذي شَرِبَ البول ليعيش , مُعجزة زلزال القاهرة 1992
أنتشرت الأنباء تتحدث عن الزلزال

بعدما توجهت أنظار وكالات الأنباء العالمية إلى مصر , كانت التقارير تشير إلى الآتي : زلزال بقوة 5.8ريختر يضرب مدينة القاهرة وعدد من المدن المحيطة , و المثير للدهشة أن الزلزال امتد تأثيره خارج حدود مصر لدرجة أن سكان قطاع غزة بدولة فلسطين شعروا بتوابع الزلزال.
ذكر الجيولوجيون لاحقاً أن بؤرة الزلزال هي قرية (دهشور) بالجيزة , و كان الزلزال الذي امتد لمدة نصف دقيقة فقط كافياً لقتل 545 مواطناً (حسب التقارير الرسمية) وإصابة 6512 آخرين و تشريد 50,000 مواطن أصبحوا بلا مأوى بعد انهيار منازلهم.
كانت أكثر المباني تضرراً هي المباني القديمة الأثرية بعين الاعتبار , فقد أدى الزلزال لإلحاق الضرر ب216 مسجد و350 مدرسة , وكان حجم الخسائر الأكبر من نصيب القاهرة القديمة.
بالتالي يعتبر العلماء أن زلزال 1992 هو الأكثر تدميراً في تاريخ مصر الحديث أو القرن 20 على الأقل.


كان من توابع الزلزال أن تغيرت الخريطة السكانية لمدينة القاهرة , فقد سقطت المساكن العشوائية القابعة تحت جبل المقطم المسماة بمنطقة (الدويقة) و كان على الدولة إيجاد مساكن بديلة لهم , فتم نقلهم لأحياء أخري مثل : مدينة السلام و النهضة وغيرها.

عودة للمواطن (أكثم سليمان) ..

المكان : مستشفى هليوبليس , مصر الجديدة , القاهرة

الذي شَرِبَ البول ليعيش , مُعجزة زلزال القاهرة 1992
الصورة الوحيدة التي وجدناها لأكثم و هو في المشفى .. يبدو عليه الشرود

لم يكن (أكثم) هو الناجي الوحيد من الزلزال ولكنه كان الناجي صاحب نصيب الأسد من الشهرة.
تحلقت مجموعة من الصحفيين وممثلي الصحف المحلية والعالمية حول (أكثم) , ذلك المصاب الذي ينظر للجميع بعيون مرهقة شاردة غير مصدقة لما حدث , وبكل صعوبة راحوا ينتزعون منه التفاصيل انتزاعاً و استسلم أخيراً و حكى لهم الأحداث التي ذكرناها سالفاً.
تحول (أكثم) من مجرد ناجي من انهيار مبنى إلى أيقونة مقدسة في نظر الكثير من أبناء الشعب المصري , فهو دليل مادى بأن زمن المعجزات لم ينتهي بعد , أصبح الزلزال و ضحاياه في طي النسيان و لكن الناس لم تنسَ (أكثم) فهناك من قال انه سيكون نجم سينمائي أو نجم اجتماعي و انتشرت إشاعات انه سيهب نفسه لخدمة المساجد وهناك من قال أنه لن يستأنف حياته وسنسمع قريباً عن خبر انتحاره , ولكن هيهات , كان الظهور الأول و الأخير لأكثم في المستشفى عندما سرد لنا تفاصيل حكايته تحت الأنقاض.

خاتمة

اختفى (أكثم) وترك لنا علامات استفهام جعلت الجميع يتساءل , متي ينتهي فساد مقاولو العقارات ؟ متى سيتوقف بناء المباني الهشة التي قد تسقط في أي وقت ؟ متى سينتهي الفساد الحكومي الذي جعل إيواء المتضررين من الزلزال أمراً صعباً ؟
و الآن وبعد مرور حوالي 26 عام لم نعد نسمع عن (أكثم) الذي لا نعرف أين اختفى , هل توفاه الله ؟ هل هاجر إلى خارج البلاد ؟ هل قام بتغيير اسمه ويعيش بشخصية متخفية ؟ هل يقرأ موضوعي هذا ؟ هل إذا حدثت كارثة طبيعية أخري -لا قدر الله- هل سنجد تعامل سريع وفوري أم سنجد تخاذل وتباطؤ ؟
هذه كلها تساؤلات قد نجد إجابتها وقد لا نجد أبداً.


المصادر :

زلزال القاهرة 1992 - ويكيبيديا

أكثم معجزة زلزال 92 - التحرير

معجزة زلزال 1992.. «أكثم» حي بعد 4 أيام تحت الأنقاض - أخبار اليوم

Youtube.com/watch?v=XrCbIQEVMaU

ملاحظة : الإحصائيات حول الزلزال متعددة و قد تختلف من مصدر لآخر ولهذا لم أذكر جميع إحصائيات الزلزال , وعلي من يرغب في الاستزادة التوجه إلى المصادر.
 

تاريخ النشر : 2018-08-26

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر