الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

قصص قصيرة - الجزء الثاني

بقلم : هشام بودرا (hibo)
للتواصل : [email protected]

قصص قصيرة - الجزء الثاني
إنها الجزيرة الملعونة تلك المذكورة في كتاب القراصنة المقدس



العائد من السماء 

عاش ياسر منذ مراهقته شغفه المتمثل في التجوال ليلاً على شاطئ البحر متأملاً في تلك السماء الشاسعة بنجومها السابحة في الزمن دون توقف ، و أسرارها الغيبية. كلما تقدم به العمر زاد حبه لليل الهادئ و البحر الساكن والسمر على وقع الموسيقى الهادئة بعيداً عن الضجيج والصخب المتصاعد و الأجواء المحمومة طيلة اليوم..
 وذات مساء من يوم ربيعي و كعادته في عطلة نهاية كل أسبوع جهز ياسر نفسه بما يلزم من مآكل و مشرب و متطلبات ، مصطحباً معه صديقه الوفي كلبه روكي قاصداً البحر للسمر و التأمل و الإستماع لبعض الموسيقى الهادئة والتي تروقه. و في حدود منتصف الليل.. أرخى ياسر قامته قرب صخرة ضخمة شامخة كأنها الحارس الشخصي لذاك البحر المتمرد تارة و الهادئ تارة أخرى. جهز ياسر جلسته و اتكئ على وسادة صغيرة إصطحبها معه و شغل بعض الأغاني المحبوبة إلى قلبه في هاتفه النقال بينما كان كلبه الوفي جاثماً بالقرب منه يراقب تصرفاته بإهتمام.

لم يدم السمر طويلا حينما انتابت روكي حالة من الهستيريا الغير المفهومة .. كان روكي يجري و يقفز كمن لذغه عقرب نحو الشاطئ شاخصاً بصره نحو شعاع غير واضح المعالم يربط السماء بوسط البحر ، حاول ياسر تهدئة كلبه لكن دون جدوى. خلالها تناول مصباحه اليدوي المضاء و ركز على ذاك الشعاع القادم من السماء، و في غفلة من ياسر هرول روكي هارباً تاركاً ياسر في حيرة من الأمر ..
تساءل مع نفسه عن سر ذاك الشعاع .. هل هو إنعكاس لشيء ما أم إنارة لباخرة ما؟
إقترب من الشاطئ بخطوات حذرة .. أحس برعشة تجتاح جسده .. ورغبة في الهروب كروكي ، كلما أمعن النظر أكثر كان ذاك الشعاع يزداد بروزاً و إقتراباً منه. هنا فقط شعر ياسر أن الشعاع يستهدفه شخصياً. إستدار و حاول الفرار من المكان لكن دون جدوى فقدماه لا تستجيب لرغبته بالفرار .. نظر لساقيه محاولا تحريكهما بيديه .. ماذا أصابني ؟ هل أصبت بالشلل ؟!
خلالها رفع رأسه ليتبن مدى إقتراب الشعاع ليتفاجئ بضوء أبيض حاد موجه نحوه مباشرة .. صرخ بكل ما أوتي من قوة و بكى بشدة كطفل و طلب المساعدة لكن دون جدوى. و فجأة سحبه ذاك الشعاع في داخله بقوة دفع هائلة نحو السماء. بعدها خفت الشعاع شيئاً فشيئاً حتى إختفى بشكل مطلق .. و بقي إختفاء ياسر المفاجئ مبهما من طرف والديه و أصدقائه و الشرطة أيضا التي أجرت تحقيقا معمقا لكن بدون نتيجة ترجى. أُغلق ملفه الذي صنفه ضمن الأشخاص المختفين طوعياً وذلك لعدم توصل الشرطة في تحقيقاتها إلى أي معلومات عن موته أو إختطافه.

لكن بقي الأمل بعودته عند كل من عرفه و خصوصا أمه التي بكته كثيراً و أباه الذي لم يترك سبيلاً إلا و قصده من أجل عودة إبنه الوحيد. و كما إختفى فجأة ظهر ياسر بعد خمس سنوات فجأة .. قاصداً منزل والديه ، اللذان شعرا بمزيج من الصدمة لحال إبنهم المتدهورة و السعادة التي لا تصفها الكلمات برؤيته مجددا ..
عاد و عادت قضيته للبروز مرة أخرى على صفحات الجرائد و التلفاز و موجات الراديو و على النت و شبكات التواصل الإجتماعي. كان ياسر يتحدث بشكل هستيري و غير مفهوم و أحياناً بلغة غير موجودة على كوكب الأرض ، كان يتحدث عن الخلاص و النهاية و أولئك القادمون مستقبلاً لإصلاح أخطائهم على الأرض .. سلسلة من الرويات و الأحاديث الغير المترابطة و الغير المتجانسة جعلت البعض يتهم ياسر بالكذب و الهلوسة ، و إتهمه البعض بالإنفصام و الجنون.
 
أحدثت قضية ياسر شرخاً في المجتمع بين متعاطف و مناوئ ، كما أنها أسالت الكثير من الحبر و سرعان ما تحولت القضية إلى قضية رأي عام .. تدخلت على موجبها أعلى سلطة في البلاد مطالبة بوقف الخوض في القضية ، و لإسكات ياسر زُج به في مستشفى للأمراض العقلية تحت حراسة مشددة و بعد ساعات فقط أرسلت المستشفى بأوامر عليا بياناً رسمياً إلى كل المحطات و الوسائل الإعلامية المكتوبة و المرئية و المسموعة يعتبر ياسر شخص مجنون بشكل كلي .. و لا علاج لحالته المرضية. و بعد شهرين و بضعة أيام .. أصدرت الشرطة البيان التالي عثر على ياسر سعدون منتحراً في غرفته في مستشفى الأمراض العقلية و النفسية ، حيث شنق نفسه مستعيناً بحبل صنعه من ملابسه. عممت الشرطة البيان على جميع وسائل الإعلام محذرة الجميع بعدم الخوض في هذه القضية مرة أخرى.
دُفن ياسر في مكان مجهول .. و تساءل الناس فيما بينهم هل تمت تصفية ياسر أم أنه إنتحر فعلاً .. و إستمر لغز إختفاءه و ظهوره و موته محيراً للناس لعدة شهور إلى أن فترت قضيته و طواها الزمن.

و بعد عشر سنوات على رحيل ياسر ظهرت ممرضة هاجرت منذ مدة إلى إحدى الدول الأوروبية كانت تعمل في مستشفى الأمراض العقلية و النفسية أثناء تواجد ياسر به ، حيث تحدثت عن إمتلاكها لمذكرات ياسر الشخصية أثناء تواجده في المستشفى و التي أودعها عندها .. بعد أن وثق في نبل أخلاقها و معاملتها الحسنة له على خلاف الجميع في المستشفى ، و أخبرها أن هناك من يجهز لتصفيته .. طالباً منها الكشف عن محتواها في الوقت الذي تراه مناسباً لها و لا يتعرض لسلامتها الشخصية .. و أنها قريبا ستكشف سر محتوى المذكرة ، ثم عادت نفس الممرضة بعد يومين و نفت الأمر موضحة أنها كانت تهدف بأقوالها تلك إلى الإساءة للمستشفى بعد أن طردت منه منذ ما يقرب من الثلاث سنوات ..
و بعد بضعة أيام تناقلت وسائل إعلام أجنبية نبئ مصرع الممرضة في حادثة سير أثناء توجهها لعملها.

النهاية.
  ..

لعنة الجزيرة المهجورة

روى لنا أحد قراصنة البحار قصة غريبة عجيبة ، تحكي القصة أن قرصاناً من أخطر القراصنة الذين جابوا البحار و المحيطات على مدى زمن طويل في هذا المجال المثقل بالمجازفة و المغامرة و المخاطرة و الجريمة .. و كان لقب القرصان الذي إشتهر به هو قرش نسبة لسمك القرش و ذلك لشراسته و شجاعته و غدره. يروي الراوي أن قرش وصل بسفينته إلى إحدى الجزر المهجورة وسط المحيط الشاسع المدى فقرر الرسو بالسفينة على الجزيرة و كان له ذلك ، لكن بمجرد نزوله مع أتباعه تعرضوا لهجوم مفاجئ من طرف مجموعة من الهياكل العظمية البشرية ، كانوا مدججين بأسلحتهم المعتادة سيوف و مسدسات و بندقيات صيد ، و ما لبث أن إشتبك الطرفان في معركة حامية الوطيس تمكن خلالها قرش و أتباعه من تلقين المهاجمين درساً في الإستبسال فتشتت عظام المهاجمين في ساحة المعركة عن آخرهم.

إنتابت قرش و أتباعه فرحة عارمة نشوة بالإنتصار المحقق. و بعد أن أستولوا على أسلحة الهياكل العظمية قرر الزعيم قرش إقامة مخيم إستكشافي قرب الشاطئ و قسم أتباعه لعدة مجموعات بغرض إكتشاف الجزيرة ، أخذ كل منهم إتجاه محدد على أن يجتمع الجميع مجدداً قرب نقطة الإنطلاق حيث المخيم قبل أن يعم الظلام الجزيرة. بينما قرر الزعيم الإنفراد وحده في بحثه حيث سلك طريقاً و سط الأشجار الكثيفة الملتفة متسلحاً بمدية حادة و مسدسان على خصره و بندقية على ظهره العريض الواسع .. كلما عاقه غصن من التقدم هوى عليه بمديته قاذفاً إياه بعيداً بكل سهولة و مرونة ..
إستمر قرش في إختراق تلك الأدغال بكل ثقة غير آبه للمخاطر أو ما قد يلقاه في طريقه ، و لكن ما أثار إستغرابه هو عدم وجود أي كائنات حية من طيور أو آفاعي أو حيات أو حتى حشرات زاحفة أو طائرة لكنه لم يآبه للأمر كعادته و بعد مدة من الزمن ترامى لبصره مغارة واضحة المعالم و كأنها تنادي لمن يرغب في ولوجها .. ارتسمت إبتسامة واسعة على وجهه الضخم حتى بانت أسنانه الدامسة اللون من شدة التدخين .. بلع ريقه سحب مسدساً من على خصره و ولج المغارة و لكن الغريب أن المغارة كانت مضاءة بقنديل آخذاً مكانه على صخرة في أعلى المغارة ، ظن قرش للوهلة الأولى أن هناك شخص ما داخل المغارة و فكر في تصفيته بمجرد رأيته لكن تبين فيما بعد أن لا أحد في المغارة غيره .. تناول القنديل من الأعلى .. أعاد مسدسه إلى مكانه و قرر خوض مغامرة الغوص داخل المغارة لعله يجد ما يشفي طمعه و رغباته المادية. بعد عدة خطوات كان بريق الذهب و الألماس يبرق في بؤبؤيه رفع المصباح بيده بسرعة للأعلى قليلاً .. و كانت المفاجأة العظمى أكوام من التماثيل و المجوهرات الذهبية المرصعة بالألماس ، طار قرش فرحاً بهذا المكسب السهل المنال حتى كاد لا يصدق نفسه هل هو في حلم أو حقيقة؟!

خلالها قرر العودة إلى المخيم ليخبر أتباعه ليبدؤوا عملية سحب هذه الكنوز نحو المخيم و من هناك إلى السفينة مباشرة. هرول قرش كالمجنون كانت الفرحة و قهقهاته تخترق صمت الجزيرة المرعب .. كانت أفكار المشاريع المستقبلية تجتاح مخيلته .. سأشتري قصراً و سفينة جديدة و يخثاً للعطل ، و ربما جزيرة في بحر الكاريبي أو في أندونيسية ، و ربما أشتري بلداً و أحكمه .. كانت الأفكار في مخيلته تجر بعضها بعضا .. و لكن بمجرد أن وطئت قدميه المخيم على الشاطئ إنتابت قرش الصدمة من هول المفاجئ .. سفينته الراسية على شاطئ الجزيرة تحترق كما لو أنها تعرضت للعنة. صاح قرش كالمخبول -اللعنة عليكم سفينتي تحترق .. أين أنتم أيها الأوغاد- و يقصد بها أتباعه ، فتش المخيم لكن لا أحد هناك .. لم تكن أي مجموعة عادت بعد.

كان الدخان المنبعث من السفينة المحترقة كخنجر يطعن قلب قرش .. خر على ركبتيه و أخذ يبكي و يولول على حظه العاثر .. و يبكي سفينته المحبوبة التي عاشت معه ما يقارب 30 سنة و تلك مدة تتجاوز مدة ما عاشته معه زوجته التي قتلها في نوبة غضب إجتاحته. و بعد لحظات حاول قرش تهدئة أعصابه و إنتظار أتباعه للبحث عن حل للمشكلة ..
كان قرش يسائل نفسه من تجرأ على حرق السفينة .. أحس للوهلة الأولى بالخوف .. و تسائل هل هناك محاولة من أتباعه لتصفيته. كانت الأسئلة تجتاح مخيلته .. إهدأ يا قرش سيعودون و ستعلم الحقيقة .. أسدل الليل ستائره و لم يعد أحد من أتباعه. كان الهلع و الرعب سيد الموقف ها هو قرش أخطر القراصنة في حالة يرثى لها .. وحيداً جائعاً خائفاً من المجهول. كان قرش يردد يا ويلي ما العمل .. ما الحل .. يا مصيبتاه ..

تسائل .. هل يذهب للبحث عن أتباعه؟ .. أم ينتظر حتى بزوغ شمس يوم جديد؟
ربما أتباعه تاهوا ..
أوقد قرش ناراً ليتدفئ من البرد القارس في ليل الجزيرة. كان جسده الذي غطاه بعدة بطانيات يرتعد من البرد القارس ، كلما قذف بقطع الخشب أو بعض المقتنيات التي تعود له و لأتباعه للنار الموقدة زادت شدة البرد عليه .. أحس بأن دماغه لم يعد قادر على التركيز أو التفكير .. صاح كالمجنون : أيتها الجزيرة اللعينة ما تريدين مني؟!
تمالك نفسه حمل مديته ثم وقف يلوح بها للسماء سأهزمك كما هزمت غيرك .. أنا قرش ملك البحار و المحيطات .. أنا الأسطورة الخالدة. كان قرش يقهقه تارة و يبكي تارة و يضحك تاركة كمن فقد عقله ، خر بعدها ساجداً طالباً المغفرة و الصفح من الجزيرة متوسلاً إياها بمنحه فرصة لإصلاح خطئه بغزوها ..
أثناء كل هذه الأحداث هبت عاصفة قوية أطفئت النار الموقدة معيدة الجزيرة إلى عتمتها المعتادة المرعبة .. كأنه رد من الجزيرة على عنتريات قرش ، بعدها عم الهدوء المكان و إختفى صوت قرش في عتمة الظلمة المهولة.
ها هو يوم مشمش آخر يبزغ على الجزيرة .. الهدوء يسود المكان و كأن الجزيرة إبتلعت كل شيء عكر صفوها.

مرت السنون سريعة و هاهي سفينة قراصنة جدد ترسوا على شاطئ الجزيرة للبحث عن الكنوز المفقودة من زمن طويل .. خلالها تعرض القراصنة الغزاة لهجوم مفاجئ من هياكل عظمية بشرية مدججة بالأسلحة سيوف و مديات و مسدسات و بنادق صيد. كان زعيم الهياكل يصيح في وجه الغزاة الجدد أنا قرش الأسطورة الخالدة سألقنكم درساً أيها التلاميذ الكسالى ..
إندلعت معركة حامية الوطيس تلقى خلالها قرش و أتباعه هزيمة نكراء كما تناثرت عظامهم في كل مكان في ساحة المعركة. نظر زعيم الغزاة الجدد إلى أتباعه و أمرهم بالعودة إلى السفينة و الرحيل فورا ..
تساءل أتباعه عن السبب فربما يجدون كنوزا على الجزيرة أومئ لهم برأسه بأنه سيخبرهم بالسبب بعد أن يتركوا الجزيرة .. سحب الغزاة سفينتهم و أبحروا بعيداً ، هناك أصر الأتباع على زعيمهم أن يخبرهم سر تلك الجزيرة .. قال بصوت خافت و كأنه يتجنب سماعه من قوى غير مرئية : إنها الجزيرة الملعونة تلك المذكورة في كتاب القراصنة المقدس.

إرتسم الهلع على وجه الأتباع و من بينهم من روى لنا القصة .. القصة مصداقيتها على عهدة القرصان الراوي.
النهاية
  ..

سر المنزل المهجور

لطالما مررت من قرب ذلك المنزل الكبير و المهجور من سنين طوال و الذي تصدعت و تهدمت أجزاء واسعة من أسواره المحيطة به ، و لطالما تساءلت عن سره خصوصاً أن المنطقة بمجملها تحولت إلى مباني شاهقة و عقارات فاخرة ، و رغم توحش المنعشين العقاريين في المنطقة إلا أن لا أحد منهم تجرئ على الإقتراب من ذاك المنزل المكون من ثلاث طوابق. إختلفت الروايات التي سمعتها عنه بين من يدعي أن قبيلة من الجن تستوطنه و أن أصواتاً مزعجة و ضجيج حاد تصدر من داخله كل مدة من الزمن ، حُددت غالباً في الليل..
و هناك من يروي حديثاً آخر حول المنزل و يدور عن صاحبه الذي بناه منذ زمن بعيد و يدعى عباس .. و لأسباب غامضة إرتكب عباس جريمة قتل في حق زوجته و بناته الثلاث ليقدم بعدها على الإنتحار برمي نفسه من سطح المنزل ، و يستمر السرد أن عباس كان ساحراً و بسبب خطأ ما إنتقمت منه العفاريت التي كان يستعين بها في مزاولة أعماله السحرية. لكن تبقى كل هذه القصص مجرد أحديث متداولة لأن لا وجود لدليل على مصداقيتها .. فقد قمت بالبحث في أرشيف الصحف لذاك الزمن لكن لم أعثر على أي معلومة تتحدث عن الجريمة المنسوبة لعباس .. حتى ظننت أن قصة الجن هي الأقرب إلى الصواب.

حتى إلتقيت بشاب يدعى ياسين يعمل في مقهى راقي بمنطقة تواجد المنزل أخبرني بأن جده إبراهيم عاش في هذه المنطقة في طفولته و ربما يملك حقيقة سر المنزل المهجور .. و كانت فرصة رائعة للتواصل مع شخص عاش في المنطقة في ذاك الزمن. بعد أن إنتهى ياسين من دوامه الصباحي بالمقهى توجهنا معاً بسيارتي الخاصة للمكان الذي يقطن به الجد إبراهيم .. فرحب بنا الجد بسعادة في شقته بينما أعدت زوجته لنا الشاي الساخن بكل فرح ..
و هناك بادرت الجد إبراهيم بعدة أسئلة حول سر ذاك المنزل .. خلالها شخص بصره لوهلة إلى سقف الغرفة التي كنا نجلس بها .. و بدا كمن يحاول إسترجاع ذكريات الماضي إلى جلستنا .. ثم إسترسل حديثه :
- نعم .. مازلت أتذكر .. كما لو حدث ذلك منذ أيام فقط ، لقد كنت في السادسة عشر من عمري حينما قام الخائن عباس ببناء ذاك المنزل بعد أن ورث بقعة الأرض و الكثير من الأموال من والدته المتوفية. إلا أن عباس كان ذو سلوك و أخلاق ذميمة و مقارعته للخمر على الدوام و بشكل علني ، كما عرف بمعاملته القادسية و الإحتقارية لزوجته و بناته الثلاثة. وبعد مدة من إقامته في المنزل شاع الخبر الصاعقة في المنطقة و التي كانت أقرب إلى الأحياء الشعبية في ذاك الزمن على خلاف اليوم ، لقد راجت بين أفواه الساكنة أن عباس يمارس الفاحشة مع بناته .. و كان رجال المنطقة يريدون تلقينه درساً لا يُنسى لولا خوفهم من الإعتقال و رميهم في السجن من طرف شرطة الإستعمار و التي كانت تتخد من عباس عميلاً لها على رجال المقاومة من المناطق الشعبية ..
و إنتشر الخبر كالنار في الهشيم في كل المدينة ، ما جعل عباس يُكِّن في منزله و يقلل من ظهوره العلني تجنباً لنظرات الناس الحادة و المفعمة بالكره نحوه.

و ذات يوم .. و تحت جنح الظلام .. غادر عباس المنطقة مرفوقاً بزوجته و بناته بعد أن أحكم غلق المنزل جيداً. و بعد مدة من الوقت لم تتجاوز الخمسة أشهر ، إذ خيب عباس ظن البعض بعدم عودته مطلقاً للمنطقة .. عاد عباس لكن لوحده هذه المرة إلى منزله الكبير. لم يكن في حالته الطبيعية .. بدا عليه التوتر و الهذيان و كان يهلوس بكلام غير واضح أو مفهوم .. حتى ظن البعض أنه جن ، و إختلفت الروايات في مصير زوجته وبناته .. و بعد عودته بأسبوع إستيقظ السكان على نبأ إنتحار عباس برمي نفسه من سطح المنزل .. و تكفلت البلدية التابعة للإستعمار بدفنه بعد عزوف جميع الساكنة عن المشاركة في عملية الدفن ، و بقى سر إختفاء الزوجة و البنات يحير الجميع ، إلى أن طوى الزمن حكاية عباس .. و هذا كل ما أستطيع أن أخبرك به.

شكرت السيد إبراهيم عن نبل أخلاقه و حسن إستقباله لي في شقته .. و تبادر في ذهني أثناء المغادرة أن قصة عباس ثم تحريفها مع مرور الزمن لإضافة مزيد من الإثارة و الخوف في نفوس العامة. مر يومين على سماع أقوال السيد إبراهيم و أظن حان الوقت لأقوم بمجازفة إقتحام المنزل و كشف أسراره من الداخل .. رغم رفض مدير تحرير الجريدة التي أعمل بها كمحقق صحفي هذا الإقتراح ... كان معكم علي شوقي محقق صحفي.

السطور سابقة الذكر حول المنزل المهجور تعود لعلي شوقي محقق صحفي ، عُثر عليها في مذكراته في شقته قبل ولوجه للمنزل المهجور و إختفاءه في ظروف غامضة من يومها. أي معلومات تتوفر عندكم عن قضية علي شوقي يرجى التواصل مع مدير الجريدة أو الشرطة .. و يبقى التحقيق مستمرا حتى عودة علي شوقي.

نشر هذا التقرير في الجريدة التي كان علي يعمل بها كصحفي محقق أملا في العثور على أي بادرة أمل في عودته إلى أهله و الجسم الصحفي كافة ..
تنويه :
رغم التحقيقات التي أجرتها الشرطة في قضية علي شوقي .. فإن الشرطة رفضت إقتحام المنزل بحجة عدم قانونيته و ذلك لعدم وجود ملاك للمبنى المذكور و الذي مازال مسجلا في الإدارة العقارية للمدينة بإسم عباس إلى حدود الساعة.

--النهاية


ملحوظة
القصص منشورة سابقاً في مدونة الكاتب. 

رابط المدونة :
hibopress.blogspot.com

تاريخ النشر : 2018-09-26

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : البراء
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر