الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

هل الجن مخلوقات مرعبة ؟

بقلم : أبو ميثم العنسي - اليمن
للتواصل : [email protected]

هل الجن مخلوقات مرعبة ؟
أشكالهم بالنسبة لنا غريبة


ذات يوم سألتُ والدي : هل حدث لك في حياتك المديدة أمراً خارقاً للعادة ؟ ، قال لي : هل تقصد الجن ؟ نعم كنا نراهم . أثار جوابه لي الدهشة و الخوف في نفسي ، إبتسم والدي مواصلاً حديثه : قبل أن أغترب في بلاد الغربة طلباً للرزق ، و عندما كان يخرج كل أهل القرية إلى الساحة في الأعراس ( كانت عادة أهل الريف في اليمن أن يخرج الجميع لساحة القرية في أعراس الزواج ، فالرجال يرقصون و يزوملون ، و النساء يطبخن مؤدبة العرس ) ، حينها كنا نراهم و هم يشاهدونا من نوافذ البيوت و كأنهم مستمتعين برؤية الرقص و البرع .

سألت والدي : و كيف كانت أشكالهم ؟
قال لي : كانت أشكالهم بالنسبة لنا غريبة ، فعيونهم مثلاً طولية و ليست عرضية و في حركاتهم رعشة غريبة ، و لكننا لم نكن نخاف منهم ، بل كنا معتادين عليهم ، و في يومٍ ما أمسك أحد رجال القرية بإحدى الجنيات التي كانت تؤذي أهل بيته في كيس كبير كان يستخدم قديماً للنوم ، و كنا نراها تتحرك في الكيس كأنها ترافس محاولةً أن تتخلص منه ، و لم يتركها إلا بعد أن أقسمت يميناً ألا تعود لفعلها .


قصة والدي ليست وحيدة و نادرة ، بل نسمعها كثيرا في اليمن و الوطن العربي ، بل و نجد مثل هذه القصص في تاريخ شعوب العالم قاطبة ، و نجد كثيراً من القصص التي تحكي مقابلة الصحابة في صدر الإسلام للجن و كيف تعاملوا معهم بل و تغلبوا عليهم ، و كما ذكر المسعودي في كتاب أخبار الزمان في تعامل بعض البشر تجارياً مع الجن في بلاد الهند ، حين كانوا يضعون للجن أشياء و يذهبون ليجدوا في اليوم الثاني أن الجن قد استبدلوها بمنتوجات زراعية .


و السؤال هنا : لماذا كان يشاهد الناس الجن قديما دون رعب بل و يتعاملون معهم في أحيان كثيرة ، بينما في وقتنا هذا لا تحدث المشاهدة إلا في حوادث مرعبة و مخيفة يزيغ من هولها القلب و العقل ؟ هل أثرت الحياة الحديثة و التكنولوجيا و الحضارة المادية في طبيعتنا و حواسنا فصرنا أكثر جبناً و خوفاً ؟
حسب وجهة نظري أن الجواب : نعم ، لقد أثرت الحياة الحديثة في فهمنا للأمور و صار التلفاز و السينما بما تبث من أفلام رعب توجهنا و تسيطر على مشاعرنا و تفكيرنا . صرنا نرى عالم الجن كما تصوره لنا أفلام الرعب في هوليوود ، مخلوقات مرعبة و شريرة لا تريد إلا أذية البشر و كل همها كيف ترعب هذا الإنسان بأشكالها المخيفة و المرعبة و كيف تتخلص منه . لا ننكر أن منهم الشياطين و المردة و العياذ بالله و التي تسعى لتدمير الإنسان في الدنيا و الآخرة تحت ذلك المخطط الذي وضعه إبليس ليردي أبناء آدم في نار جهنم ، و لكن ليس كل الجن هم من الشياطين و المردة ، بل قد يكون عدد الشياطين و المردة بالنسبة لعدد الجن قاطبة ضئيل جدا .

عند قراءتك عزيزي القارئ لقصص الجن ، ألا تصل إلى نتيجة أنهم يعشقون و يعبثون و يشعرون و يفكرون و يخطئون و يسأمون و يرقصون و يضحكون و يبكون ؟ ألا تصل إلى نتيجة كذلك أن بعضهم يتصفون بالجمال و  بعضهم عاديون و بعضهم قبيحون و بعضهم قصيرون أو طويلو القامة ؟ . ألا ترى أنهم يتأثرون في حياتهم بحياة البشر أكثر بكثير مما يؤثرون هم على حياة البشر ؟ فدياناتهم هي ديانات البشر ، فمنهم اليهود و منهم النصارى و منهم المسلمون و منهم الكافرون و منهم من ينكر وجود الخالق ، قال تعالى على لسان أحد الجن ( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ) و كذلك ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) ، أوليس أنبياء الله و رسله هم من البشر و ليسو من الجن ، ألم يتأثر الجن و تلين قلوبهم لكتاب الله عندما استمعوا القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه و سلم و أسلموا في الوقت الذي استكبر و كفر الإنس من عتاة الكفر و عذبوا رسول الله في دعوته ، قال الله تعالى ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ) .

لو تفكرنا في خطر الشياطين و المردة لوجدنا أن خطرهم يتمثل في إيقاع البشر في المعاصي التي تهلكه في الآخرة بالدرجة الأولى ، فالشيطان لا يريد أن يظهر لك كما يريد أن يوسوس لك حتى تقع في الذنب ، بل أن كيدهم ضعيف لو أنك تمسكت بإيمانك بالله تعالى .
و لو تفكرنا أيضا في السحر الأسود الذي يؤذي الإنسان بواسطة شياطين و مردة الجن لوجدنا أن هناك إنساناً هو الذي استدعاهم ليقوموا بفعلهم و تأثيرهم على الشخص المراد أذيته .

إذن فأفلام وقصص الرعب التي نقرأها جميعا وجهت أدمغتنا في الإتجاة الخاطئ لفهم حقيقة تلك الكائنات العاقلة التي تشاركنا هذا الكوكب ، و تعيش في مجتمعات قد تكون ذات سمات مشابهة جداً للمجتمعات البشرية ، فالمشكلة الحقيقية هي في عقولنا و ما يتم شحنها من معلومات خاطئة ، فأصبحت لا تتقبل وجود كائنات ذكية ليس لها الشكل البشري . نعم المشكلة الكبرى هي في ذلك العقل و ظواهره الغريبة التي هي أكثر غرابة من عالم الجن بحد ذاته ، و التي من خلال التحكم بمدخلاته يمكن أن تكيفه كيف شئت و تخلق من خلاله العالم الذي تريد أن تراه أنت . ( سيكون لي مقال قادم عن الدماغ و التحكم بمدخلاته ) .

هل تريد أن تعرف من هي الكائنات الأكثر رعباً و شراً على هذه الأرض ، ما عليك عزيزي القارئ إلا أن تنهض إلى أقرب مرآة و سوف تراها بأِم عينيك ، حقاً هذا الذي أقصده ، هو أنت أيها الكائن البشري ، أنت الذي تسببت بإنقراض حيوانات و طيور و زواحف ، أنت الذي سفكت كثيراً من الدماء في حروب عبثية ، و تسببت في مجاعات و كوارث بيئية ، أنت من قصف قنابل نووية على هيروشيميا و ناجازاكي ، و أنت و أنت و أنت ......

في الوقت الذي لم نجد تلك الأعمال الكارثية يرتكبها الجن ، بل أن أشكال الجن المرعبة التي نخاف و نرتعب من أن نراها ما هي إلا أشكال كانت من نسج خيال أولئك البشر الذي ينتجون أفلام الرعب في هوليوود ، و ما زلت أتذكر ذلك اليوم الذي شاهدت فيه فيلم الرعب ( The ring ) ، كيف أني ظللت أسبوعاً كاملاً في حالة من الخوف و الرعب الشديد و أنا أنتظر أن تخرج لي سمارا من التلفاز .

تاريخ النشر : 2018-10-13

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر