الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

رعبٌ على الجانب الآخر

بقلم : محمد ذكي - مصر

رعبٌ على الجانب الآخر
ظهر هذا الشخص كأبعادٍ ثلاثيةٍ بلا أي ملامحٍ في الظلام

كنت و أنا صغير أصغي دائماً و أتابع أحاديث ضيوف أبي ، خصوصاً الأقارب و الأصدقاء و اللذين بدورهم كانوا ينادونني للسؤال عن لاعبي الكرة و عواصم العالم و ما شابه ذلك .. و من ضمن تلك الأحاديث ظلت حكاية السيد "أبي القاسم" ، و بالمناسبة هذا ليس اسمه الحقيقي لأنه والد كابتن منتخب مصر في إحدى اللعبات الجماعية .. لذا اسمحوا لي بإخفاء اسمه و لكنه شبيهٌ جداً باسمه الحقيقي ، ظلت حكايته عالقةً بذاكرتي حتى يومنا هذا و حان وقت نشرها في ذلك الموقع الرائع ..

كان "أبو القاسم" جالساً مع أبي في أواخر ثمانينات القرن الماضي داخل منزلنا ، و أخذ الحديث مجراه حتى انتصف ليل القاهرة .. فاعتدل في مجلسه و قال لأبي سأحكي لك حكايةً غريبةً حدثت لي في أوائل السبعينات ، و باستهلالٍ رائع أدخلنا في جو قصته محدثاً إيانا أنه لا يتذكر كيف وجد نفسه فجأةً في منطقةٍ ريفيةٍ غير مأهولةٍ اسمها "المناشي" .. يعرفها جيداً أهل الجيزة و إمبابة في مصر ، منطقة لم تمتد إليها يد العمران في ذلك الوقت .. كانت بلا مصانع أو مساكن أو أي نوعٍ من أنواع الحياة ، فقط ترعة طويلة و براري شاسعة لا تنتهي ..

أين كان الرجل قبل غروب الشمس ، و ما الذي أتى به هنا .. هل قادته قدماه كتاجرٍ و صاحب مصنع زجاج لعقد صفقةٍ هنا .. هذا مستبعدٌ تماماً حتى الشيطان نفسه لا يعقد صفقاته هنا! .. هل ضل طريقه ظل الرجل يعتصر ذاكرته بلا أي جدوي لماذا هو هنا ، سار الرجل بجانب الترعة التي لا تنتهي .. و التي تمتد إلى أفقٍ سرمدي مهتدياً بأضواء النجوم الخافتة كان هذا هو الموقف ..

شابٌّ في الثلاثينيات بداخل بلدةٍ مهجورة ينتظر أي بصيصٍ من الأمل ، كسيارةٍ قادمة أو منزل به أضواء و صحبة بشرية .. و لكن كان حقاً ما يقولون في الليالي المظلمة يُفْتَقَد البدر ، و أضيف أنا من عندي و يفتقد الأمل أيضاً .. حيث ظل الرجل ينظر خلفه و أمامه و لم يجد أي فارق ، فالبراري تتشابه مثل الصحاري تماما .. خواءٌ رهيب تساوت معه كل القرارات فالسير للخلف كان مثل السير للأمام بلا نهاية ، و قضت الخيالات السوداء عليه .. أي عقلٍ لدى هذا الرجل حتى أنه كان موقناً أن نهاية تلك الليلة الكئيبة ستكون بين أنياب كلبٍ جائع أو ذئبٍ شريد ، و لكن حتى ذلك كان أهون مما حدث و فاق توقعاته ..

لقد ظهر ذلك الغريب على الجانب الآخر للترعة ، شخصٌ غريبٌ ظهر و كأنه من العدم أو من حيث تأتي الشياطين .. شخصٌ عجيب لا تجدي معه الكلمات لذا كانت السينما جديرة بالكثير من تلك المواقف ، ظهر هذا الشخص كأبعادٍ ثلاثيةٍ بلا أي ملامحٍ في الظلام أو ما يسمونه السيلويت .. و عند تلك اللحظة سأل السيد "أبو القاسم" أبي ، ضع نفسك مكاني ماذا كنت ستفعل فطلب منه أبي أن يكمل .. لقد نجح السيد "أبو القاسم" أن يضعنا في ذروة الأحداث رغم جلوسنا في جو المنزل المصري الدافئ حيث كنا في ذروة توترنا ..

أكمل الرجل حكايته لقد قرر أن يستمر في السير مردداً بعض آيات القرآن ، و استمر على هذا نحو عشر دقائق و الشخص الغريب على الجانب الآخر مستمرٌّ في السير .. ثم قرر السيد "أبو القاسم" أن يسرع من خطوته ، و أقسم لنا أن الغريب أسرع أيضاً في خطواته ليظل في حذوه .. هنا قرر أن يبطئ لعل المجهول يستمر في خطواته السريعة حتى يختفي ، و لكن المجهول أبطأ أيضاً من خطواته .. هنا لم يعد قلب الرجل يتحمل أي شيء فلا الليل ينتهي و لا تلك البراري اللعينة و لا خطوات المجهول كذلك ، و لكن كُتِبَت له النهاية عندما صاح المجهول بصوتٍ عالٍ لا يناسب جلال الموقف و كآبة المنظر ..

في تلك الليلة صاح قائلاً باللهجة العامية المصرية "يا أستاذ يا اللي هناك يا شيخ يا سيدنا ، أنا خلااااص انتهيت من الخوف هو سؤال واحد انت عفريت؟" .. هنا هدأ قلب السيد "أبو القاسم" و ظل يضحك بشكلٍ هستيري حتى أنه جلس على الأرض ، و علي الجانب الآخر جلس الغريب المنهار في وضع السجود ممسكاً بركبتيه محملقاً في ذلك المجنون الذي يضحك بلا انقطاع حتى هدأ السيد "أبو القاسم" .. و حكى له حكايته مع تلك البراري ..

كان هذا الموقف مثالاً للرعب الموجه في اتجاهٍ خاطئ ، و استكمل الرجلان رحلتهما حتى لاحت أضواءٌ بعيدةٌ خافتة للمقهى كانت بالنسبة لهما ديزني لاند .. هل انتهت القصة عند ذلك لا يا صديقي أنت لا تعرف المصريين ، لقد أصبح الرجل من أقرب أصدقاء السيد "أبو القاسم" و ظلا يتبادلان الزيارات .. و لكن الرجل كان في نهاية كل زيارةٍ يدعي أنه نسي أن يسأل صديقه عن شيء ، فيقول السيد "أبو القاسم" خير فيسأله قائلاً أأنت عفريت؟ ..

و هكذا انتهت ليلةٌ من الرعب على الجانب الآخر ، و لكن الغريب هنا أن السيد "أبو القاسم" و صديقه لم يتذكر أيٍّ منهما حتى الآن لماذا وجد نفسه في المناشي؟ ..

تاريخ النشر : 2018-12-25

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : تامر محمد
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر