الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
ملاحظة مهمة : اعتبارا من تاريخ 1 - 8 - 2019 سيعاود الموقع التحديث واستقبال المواضيع والمقالات والتعليقات

طفلة صغيرة في منتصف اللّيل

بقلم : عمر أحمد حسين - مصر
للتواصل : [email protected]

طفلة صغيرة سمراء قليلاً لكن ملامحها جميلة وبريئة ، وترتدى رداءاً من القطن يغطيها إلى رأسها ..
طفلة صغيرة سمراء قليلاً لكن ملامحها جميلة وبريئة ، وترتدي رداءاً من القطن يغطّيها إلى رأسها ..

في ذلك اليوم، الذي كُنت عائداً فيه من عملي ليلاً إلى قريتي المتواضعة ، والذي صبّت فيه سماؤه غضبها على الطريق السائر فيه .. ما بين هزيم الرعد ، وهطول الأمطار بكثرة على ردائي ..

رأيت تلك الطفلة... 

كانت قد اقتادتنى ظروف الطبيعة إلى الإلتجاء بأحد الطرق الزراعيّة التي نبتت على جانبيها الأشجار الضخمة بكثرة ، مانعة المياه من التسلّل من بين ثناياها إلى الأرض ، فجلست تحت الشجرة مُلتحفاً بردائي ، مُنتظراً توقّف ذلك الجوّ الهائج كي أستكمل طريقي إلى بيتى.

جلست وأنرت ضوء كشّاف محمولي لينير لي مًجلسي، ونظرت حولي كي أتبيّن أين أكون ، فوجدت نفسي جالساً أمام أحد البيوت المُقابلة لشجرة التوت الجالس تحتها ، يبدو عليها القدم والأصالة فى قريتي ، وجدرانها متشقّقة ومتهالكة ، ويحيط بها سور طويل له بابا من الحديد الصدىء ، وأمام هذا الباب على الأرض بعض نبات البرسيم الموضوع فيما يبدو لحمار كان هُنا.

ركّزت ضوء الكشّاف فوق سور المنزل لأرى نوافذه إن كانت مُضيئة أم لا ، لأتأكّد إن كان بهذا البيت سُكّان. لم يكن هناك نور مُضاء ، بل كانت النوافذ تنفتح وتُقفل مُحدثة صوت صرير بسبب شدّة الرّياح ، ومن وراء تلك النوافذ رأيت ستائر بيضاء تتموّج بفعل الهواء.
أدركت وقتها أنّه ربّما يكون بهذا المنزل سُكّان أو يكونون بالطابق الأوّل .. لكنّني لم أشأ أن أتبيّن أكثر وظللت أنتظر توقّف الجو عن هيجانه.

أدركني التعب وأنا جالس ، وظللت أغالب النوم كي لا أنام حتّى أستكمل سيري لكنّه غلبني. أدركني النعاس ، ولم أنم إلّا بضعة دقائق حتّى استيقظت على صوت طفوليّ لطفلة صغيرة على ما يبدو يقول بصراخ وبكاء :

" عمّي ! ، عمّي ! .. استيقظ لو سمحت "

فتحت عينيّ فى فزع من المُفاجأة فلم أكن أتخيّل مرور أطفال فى مُنتصف اللّيل فى هذا المكان الموحش ، ونظرت إلى من يُوقظنى فوجدتها طفلة صغيرة سمراء قليلاً لكن ملامحها جميلة وبريئة ، وترتدي رداءً من القطن يغطّيها إلى رأسها .. فقلت لها باستغراب من حالتها الحزينة ونشيجها فى البكاء الشديد ووضعها يديها على عينيها الصغيرتين كعُمرها :

" اهدئى يا ابنتى عن البكاء ، ما الذي جاء بك إلى هذا المكان ؟! .. ولماذا أيقظتيني ؟! .. لعلّك تائهة عن بيتك ؟! "

فقالت لى وهى ترفع يديها عن عينيها المغرورقتين بالدموع : " لا يا عَمّي .. لست تائهة .. إنّما جئت لك لكي تنقذ أبي من الموت .. إنّه يُريد الإنتحار بالسم .. لأنّه ! ، لأنّه ! .... "

لم تستطع إكمال كلامها من بكائها ، فقمت من مكاني واقتربت منها ، واضعاً يدي على خدّها فى تهدئة لها ، وقلت لها :

" أين هو يا ابنتي ؟! .. وأنا سأنقذه ! "

فقالت لي مُشيرة بيدها إلى المنزل الذي ذكرته : " هذا البيت يا عمّ .. أدخل اليه وأنقذه بسرعة قبل أن يفعلها "

طلبت منها أن تأتي معى ، لكي تُرينى أين يكون والدها فى غرف شقته .. فأخبرتني أنّه في الصالون فى أوّل الطابق الأوّل ، وأنّها ستنتظرني فى حوش المنزل لأنّها لا تستطيع رؤية والدها يتألّم.

دخلت بسرعة من باب البيت الحديدي المفتوح على مصراعيه ، مُمسكاً بكشّاف محمولي لكي يُنير لى طريق الحوش المؤدي إلى باب المنزل الخشبي من الداخل .. وأنا أحثّ في السير حتّى بلغت الباب. كان المُفتاح فيه من الخارج ، فأدرته ودخلت إلى الصالون المُنار بسرعة .. فوجدت ذلك الرجل بالفعل قد كان يخلط شيئاً ما فى الكوب أمامه بالماء ، ويقلبه بملعقته ، وهو ينظر فى أسى وشرود إلى السماء من النافذة المُطلّة على الخارج ، وقد اصفر لونه ونشف جسمه ، فأدركت بسرعة أنّه مُصاب بالاكتئاب من شيء ما.

همّ الرجل أن يرفع الكوب إلى فيه المتشقّق من الحزن ، وهو مُعطياً ظهره لي .. فلحقته ، ضارباً الكوب الذي في يده بيدي حتّى وقع على الأرض متكسّراً .. فالتفت الرجل لي في اندهاش حزين خالي من الخوف وكأنّه لم يعد باقياً على شىء حتّى يخاف ، وقال لي باكياً :

" لماذا لم تتركني لأغادر هذه الحياة الظالمة ؟! .. ماذا ستستفيد من وجود شخص بائس مثلي فى عالمك ؟! "

أشفقت على الرجل ، واقتربت من جسده الهزيل والمرتعش من الضعف الجسدي والروحي ، مُربّتاً على كتفه ، قائلاً له :

" لا شىء يدعو يا أخي إلى الإنتحار والكفر بالله .. أترضى أن تموت كافراً ؟! .. وتدخل النار ! .. تعال اجلس واسترح حتّى أحضر لك شيئاً دافئاً نأكله معاً "

فقال لى فى أسى وسؤال : " لكن من أنت ؟! .. وما الذى جاء بك إلى هُنا ؟! "

فقلت له وأنا أشير إلى الخارج : " أنا مُحمد من آخر القرية .. كنت عائداً من عملي فاشتدّ الجوّ عليّ كما ترى ، فانتظرت تحت الشجرة المُنبتة أمام منزلك .. فجاءتني ابنتك وأنا نائم فأيقظتني لكي أنقذك من الانتحار وهى تبكى "

فاندهش الرجل ودمعت عيناه فى أسى شديد وحيرة بالغة :

" إنّ ابنتي قد ماتت بعد زوجتي منذ شهر .. وهذا هو سبب لجوئي للانتحار "

تمّت

تاريخ النشر : 2019-02-17

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : Strawberry

التعليق مغلق لهذا الموضوع.