الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
ملاحظة مهمة : سيتوقف موقع كابوس عن استقبال المزيد من المواضيع مع انتهاء شهر رمضان المبارك .. وذلك لاغراض الصيانة

تجربة واحدة لا تكفي

بقلم : ذكريات - حضرموت

نظرت للنافذة فرأت المطر ينساب على زجاجها كشلال منهمر..
نظرت للنافذة فرأت المطر ينساب على زجاجها كشلال منهمر..

كانت تنظر عبر نافذة السيارة ، نحو سلسلة من الجبال التي لا تكاد تنتهي ، ترفع بصرها للسماء فترى تلك الغيوم الرمادية الثقيلة ، التي لم تحتمل ما بها من أثقال ، فأرسلته مطراً غزيراً يروي أرضاً متعطشةً لخيراتها ، كان المنظر يبدو كلوحة فنان أبدع في رسم لوحته فأضحت تسر كل ناظر إليها ،وكانت البنايات والأراضِ تمر سريعة ، كسرعة هذه الأيام والأشهر التي ما تفتأ تفاجئها يوماً بعد يوم .

نظرت للنافذة فرأت المطر ينساب على زجاجها كشلال منهمر ، ورأت على الأرض القاحلة ، تساقط قطرات المطر بخفة واتزان، يرويها ، يغسل أحزانها ، يمحوَ آثاراً من القسوة والتصحر، فيمدها بإكسير الحياة ، ويجعلها فائقة الجمال خضراءً بهيّة ..

- ليتكَ أيها المطر تفعل في قلوب بعض البشر ماتفعله على هذه الأرض القاحلة (قالتها في سِرِّها )

- هل تحبين المطر ؟ ( قطع حبل تفكيرها صوته الأجش )

- آه ، نعم ، منذ أن كنت صغيرة ، فالمطر يجعلني أشعر بسعادة غامرة (ردت عليه بعد أن نظرت إليه وحمرة الخجل أوردت خديها )

أظهر إبتسامة خفيفة وواصل طريقه وهو ينظر للأمام ، نظرت إلى حيث ما كان ينظر ، نحو ذاك الأفق البعيد البعيد ، وهي لا تدري ما تحمله لها الأيام القادمة ، تحسست فستانها الأبيض الذي ترتديه والذي اختارته بعناية فائقة ، وطرزّته بخيوط فرحها وصدق إحساسها ، وحلقت نحو بحرِ من الذكريات..

رجعت بذاكرتها للخلف، قبل 4 أشهر تقريبا ، حين تقدم لخطبتها ، من يمدح فيه القاصي والداني ، شاب خلوق طموح ، كريم الخَلقِ والخُلُق ، ذا مال وشهرة .،وافقت عليه بعد تردد كبير ، وبعد أيام من السؤال عنه والإستفسار ، ولم تمضِ فترة من الزمن إلا وجاءها خبرٌ بقرب موعد الزفاف ، حيث اللقاء وبَدء حياة جديدة ،حينها اتصلت سريعا بصديقتها المقربة رهف :

- رهف ، قد تم تحديد موعد الزفاف ، أشعر بخوف يكاد يفتك بي ، وكأن مصيبة ستحل علي ، إني خائفة يا رهف ، خائفة ، حتى أني أفكر بإلغاء الخطوبة .

استهدي بالله يا رقية ، استهدي بالله ، لم كل هذه الأفكار السيئة والمحبطة ، أنتِ فتاة عاقلة وواعية ، فلم كل هذا الخوف ؟

- انصتي إلي يا رهف ، إني أشعر بتوجس وخيفة من أيامي القادمة ، أنا وللآن ، لم أنسَ تلك الأيام السوداء التي عشتها ، يكفيني ما لاقيته في زواجي الأول من شقاء ، وما كابدته من تعب وعناء ، إن قلبي الصغير هذا لا يحتمل صدمة أخرى .

- تعوذي من الشيطان يا رقية، فهو يسعى لتحزين المؤمن، واطردي عنك هذه الأوهام والأفكار السلبية ، إلى متى ستجعلينها تسيطرعليكِ ، قد رفضتي خطاباً كُثُر وهذا أفضلهم فأين ستجدين مثله ، فهويُشار له بالبنان و ....

- أنسيتي يارهف أن الأول كان يُقال عنه أنه الأفضل وكان يُشار له بالبنان أيضاً ، ولم أعلم بحقيقته إلا بعد الزواج وفي أول تعامل بيننا. (قاطعتها بحدة )

- رقية عزيزتي ، كان هذا ابتلاء من الله واختبار لك ، قد صبرتِ واحتسبتِ الأجر، وحان الوقت كي تنسي الماضي وتهتمي بحاضرك وتفكري في مستقبلك وتبدئي حياة جديدة مليئة بالأمل والثقة بالله، أنتِ قد استخرتِ الله في خطيبك هذا قبل الموافقة عليه ، وكم رفعتي كفيكِ متضرعة له ، فتوكلي على ربك واحسني الظن به ، فلن يخزيكِ الله أبدا ولن يصيبك إلا ما كتبه الله لك..

- نعم صدقتي ياارهف ، صدقتي يا أعز ما أملك ، اللهم إني أستودعك نفسي وقلبي فلا تُريني بأساً بعد يومي هذا .

- وصلنا لمدخل المدينة . ( قالها دون أن ينظر إليها )

كانت سارحة في ماضيها من غير أن تنتبه أنها وصلت إلى المنطقة التي يعيش فيها والتي ستكون مكان عيشها منذ هذه اللحظة ، لم تنسَ حزنها حين فكرت بأنها ستفارق أهلها وصديقاتها وكل من يعز عليها، ولكنه النصيب ولا مفر منه فإلتى متى ستظل أسيرة أحزانها ، ها هي الآن تتجه نحو مملكتها التي ستكون هي راعيتها وملكتها ، ستبنيها بالحب ، وتغمرها بالحنان ، وتملؤها بالعطفِ والأمان .

تباطأت السيارة شيئاً فشيئاً ، ثم توقفت أمام إحدى المنازل المتاخمة لمنازل أخرى ...
- يا ترى هل وصلنا . ( قالتها في سرها )

نظرت إليه حين فتح باب السيارة وتوجه مباشرة نحو مرآب أوقفها أمامه ، هنا تيقنت من وصولها ، وتيقنت أنها ليست في حلم ، وأن حياة مجهولة تنتظرها ، شعرت بتوجس وخوف أدخل الرعب في قلبها ، وازدادت دقاته حتى كاد يقفز من بين أضلعها ، تذكرت أيامها السوداء التي عاشتها مع زوجها الأول ، تذكرت قسوته ، جفوته ، وعدم مبالاته ، تذكرت بخله وعدم اهتمامه ، تذكرت صراخه وعويله وغضبه الذي كان يهز أركان المنزل ، تذكرت كيف كان يتركها حبيسة أربع جدران ، وكيف كان يسهر لما قبل الفجر ويتركها وحيدة تكابد أحزانها وآلامها ، تذكرت كيف كان يظهر بمظهر الحمل الوديع أمام أصدقائه ومعارفه ، وذئباً شرساً أمام ضعفها وقلة حيلتها ، تذكرت كيف كان يتلذذ بعذابها حين يهددها بالطلاق وكيف كان يتفاخر بأنه إن طلقها فيكفيه أن يلفق أي كذبة حولها وسيصدقه الأهل المجتمع والناس أجمعين وسيتعاطفون معه ويلطمون الخدود حُزناً عليه ، أما هي فمن سيصدقها ، فهي أنثى في الأول والأخير، تذكرت كيف فعلها ، حين طلقها و طردها من بيتها شر طردة كمتسولة لاكرامة لها ولا اعتبار ، وتذكرت بعدها كم احترقت بوجعها بعد طلاقها وزادها وجعا فوق وجع نظرات الناس إليها ، همساتهم ، كلماتهم الجارحة ، وكأنها هي من خطت حياتها بيدها ، ونسوا أو تناسوا شيئاً يُسمى القضاء والقدر..

تفاجأت بيده الذي فتحت باب السيارة من جهتها فانتفضت كالفأر المذعور حين تمسكه المصيدة ، وتفاجأت بصوته الحنون حين قال لها ممازحا :

- أين سرحت بتفكيرك ، كنت أكلمك قبل مدة ولكنك كنتِ شاردة الذهن ، هيا ندخل للمنزل أم أنكِ تفضلين المبيت بالسيارة ؟

- آسفة.. قالتها والخجل أخذها كل مأخذ ، خرجت من السيارة وانتبهت أخيرا أن المطر قد توقف ، وأن نَفحة من الهواء البارد قد جعلها ترتعد من البرد ، فخلع قميصه ووضعه على كتفيها برفق وقال لها :
- لقد فتحت لكِ باب المنزل ، اسرعي للداخل قبل أن يصيبك المرض، فالجو بارد جدا.

هنا انشرح صدرها وتهللت أساريرها وارتاح قلبها ، شعرت أن هذا ليس مثل ذاكَ ، وأن شمس الأمل ستشرق في حياتها من جديد ، والحزن سيغادر حياتها دون رجعة ، توجهت بخطىً ثابتةٍ نحو مملكتها ، مطمئنة البال ، مسرورة الخاطر ، نظرت نظرة أخيرة للخلف ، حيث الأجواء المملوءة بعبق التراب وماء المطر ، ولفت نظرها شيئاً ما عندما جالت ببصرها نحو السماء ، نعم ، إنه هو ، المزهو بألوان الحياة ، وروعة الجمال ، وإشراقة الأمل ، إنه قوس المطر ، في تلك اللحظة شع وجهها بابتسامة أزالت ما بقي من خوف في داخلها ، ووقر شيء في قلبها جعلها تشعر بأن الحياة تجارب لا تخلو من ألم ولا ينتهي فيها وجع ، ولكن هذا لا يعني أن نستسلم ونذر الماضي يجرنا إلى الوراء ، ونترك اليأس يفتك بأجسادنا الضئيلة ، ويقتل شيئاً فشيئاً أرواحنا الجميلة التي وهبها الله لنا ،

إن الحياة جميلة رغم كل ما فيها ، المهم أن نعيش بقلب يملؤه الرضا والقناعة والثقة بالله تعالى ، إن مع العسر يسر، وأن بعد الألم سعادة ، نعيش اليوم بأجوائه الملبدة بالغيوم السوداء لكن مايلبث أن يفاجئنا الغد بإشراقة تضج بألوان السعادة والأمل والتفاؤل وكل ما هو جميل .

انتهت

ملاحظة : تمت مشاركة هذه القصّة منذ عام في إحدى المسابقات الأدبيّة

تاريخ النشر : 2019-02-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : Strawberry
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر