الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الأيام العشرة (قصة أعمى)

بقلم : أبو الحسن ماجد - العراق

أنا أعمى ومشلول من يعبأ ، ولكن لدي قصة أريد أن أرويها
أنا أعمى ومشلول من يعبأ ، ولكن لدي قصة أريد أن أرويها


(أنا أعمى ومشلول من يعبأ ، ولكن لدي قصة أريد أن أرويها ، فمن سيقرأها كأنما سيكون مغمض العينين في ظلام دامس، يسمع ما يدور حوله وله أن يتخيل الأشكال)


في الشتاء أصبح الجو أكثر قتامة . تتحشد الغيوم السوداء أمام قرص الشمس الذي راح يستريح ويبتعد رويدا رويدا نحو الغروب ، تلك الخيوط الطويلة المنسدلة من السموات العلى نحو اسحق الارض تضرب دون هوادة فوق الأشياء ، إنه المطر يهوي على أرضية الشوارع الترابية فيحيلها إلى دروب موحلة .

-كفاك كذبا رائد أنت أعمى ونحن في الصيف وأقل كلمة بحق هذا الجو هو سخان كهربائي ، شمس كأنها ثقب سماوي مطل على جهنم ، حرارة قائظة تشقق الجلود ، وهواء تخنقه رطوبة مقيتة .
-أنت متشائم يا وليد
-لست متشائما إننا في الصيف وهذه حقيقة الطقس أيها الرفيق الأعمى . 
إذن دعني أستمتع بشتائي أنا أبصر الجو هكذا ، من الجيد بأنني أعمى 
- أنت لم تر الشمس في حياتك كلها ، هل تستطيع أن تصفها لي
- صحيح أنني لم أرها ولكنها في الحقيقة قرص دائري
- أحسنت وما هي الدائرة
- شيء ليس له أضلع ، مثل عجلات السيارة
-أها. -وكيف يكون شكل العجلات ؟ لا تستعجل الاجابة
-العجلات ؟ شكلها دائري كالشمس
- ههههههه هيا يجب أن نذهب قبل أن يحتلوا مكاننا

كان نادراً ما يضحك ، يعيش دائما مع تأنيب الضمير وجلد الذات منذ اربع سنوات مضت ، غرقت حبيبته رباب حينما كانت تسبح وسط الشاطئ ، كان الاثنان معآ في ليل أدهم تحت ضوء القمر الخافت ونمنمات النجوم اللماعة وفي ساعات الليل الأولى خلعوا ملابسهم وخبؤوها تحت أنبوب حديد ضخم يمر من تحت الجسر ثم رموا بأنفسهم وولجوا من الساحل صوب أعماق المياه محتضنين بعضهم يتبادلون القبل الحارة ويزيحون عنهم تعب اليوم بأكمله .


كان الموج في تلك الليلة بين مد وجزر عتيد وكانت هناك خصلة في شخصية وليد وهي الإقدام والتهور وعدم إدراك الأخطار ونتائج النهايات ، فأراد أن يثبت لرباب حبيبته أنه باستطاعته أن يحميها من أخطار وأهول ما يحيط بهم ، لم تتردد لحظة وهي التي عبرت الأرياف والمدن لأجله وارتمت بأحضانه وتنعمت بعضلات جسده الممشوقة ، لم تكن تعرف السباحة في الشواطئ مطلقا لذلك حينما هبت تلك الموجة العالية وكان الاثنان منتشيان بخمر القبل وعلى حين غفلة ساطت تلك الموجه أجسادهم وضربتهم فافترقا حتى ضاعا في شاطئ صغير ، ثم يحدثني وليد بعد أن انفصلت رباب عن يده يقول :

فجأة أصبحت تتكون غيوم سوداء أمام القمر والنجوم اختفت كان يبدو أن الأمر متفق عليه ، كأنها مكيدة مدبرة لي ، فما بدا وكأنه جو رومانسي في لحظة تحول إلى جو مرعب أصارع الموج الذي بدأ يلطمني ويرميني ذات الشمال وذات اليمين وما من مستقر ، لم أكن أهتم لنفسي أبداً بل رحت أنظر من غير ضوء في كل الاتجاهات فلم أر أو أسمع صوتا لرباب . كأنها هربت مني على متن زورق كان مركونا خلف الأعمدة الكونكريتية التي تحمل ظهر الجسر ، فبت أصرخ بعد أن فقدت الأمل ولم أبالي بزوارق خفر السواحل والشرطة النهرية فصرخت حتى اختفى من الحنجرة صوتي ثم رحت أبكي بهدوء لا إرادي وأغمضت عيني . حسبت للحظة أنني أحلم وأنه قد جثى جاثوم على أنفاسي ثم شعرت وكأنني طفل رضيع نائم في المهد ، وهناك أحد ما يهزه بعنف.

استسلمت للموج وأيقنت بالموت . فقدت وعيي ثم استيقظت وأنا في مستشفى الزهراوي ولكني لست بوليد المتهور بل وليد الظالم وليد الكسير والذليل والخانع لأنني من قتلت ربابآ ولم اعثر لها على اثر أبدا ،فالشاطئ انتصر في النهايه وخبأ في قعره لؤلؤة ثمينة.
فلم يعثر على أي أثر يدل على موتها أو حتى نجاتها ، ولأنها كانت متسولة مثلنا فموتها وفقدانها من عدمه سيان ، يعتبرها المجتمع ورقة يابسة على البلاط ساقطة من شجرة في أيام الربيع ويجب كنسها ورميها بحاويات الأوساخ .


هذه قصة وليد . منذ ذلك اليوم وهو في قمة تشاؤمه وبؤسه يمقت المجتمع جدا وينتقد أي خطأ يحدث أمامه.
يعلق في رقبته كاميرا نيكون قديمة الطراز، قال بأنه اشتراها من سوق الجمعة إلا أني متأكد بأنه قد سرقها فبالإضافة لكونه مصور بارع جدا إلا أن خفة يده وبراعته في سرقة الأشياء تعلوا على براعتة في التصوير ، قال بأنه التقط لي عدة صور أخذهن من يده ثم أضعهن أمام عيناي مثل أي شخص ير صوره ولكني في الحقيقة أفعل هكذا لأشعر بما يشعر به الإنسان العادية وما الغاية من رؤية صورنا نبدو وكأننا حبيسي وقت تجمد.

يأخذني وليد دافعا كرسيي المتحرك متوجهين صوب مكاننا هناك في السوق المسقوف عند المكتبة العصرية ، في شارع التربية ، إنه من أقدم مناطق مدينتي يقع في مركز المحافظة يحوي المحلات والمولات التي تتنوع بكافة البضائع فكان هو شريان المدينة التجاري لذلك يقبع في هذا المكان العشرات من المتسولين أمثالنا كل يوم بأطراد تتزايد أعداد المتسولين لا نعلم من أين يأتون ، شباب يافعين وشابات مثيرات يقومن بأغواء الشباب المترفين الذين يقعون ضحايا شباك صيدهن ، يتنكرن بالعباءة والخمار والبوشي والبرقع تصبح عباره عن عود ثقاب محروق حتى العقب يتمشين وسط الناس ،
عالم التسول هو عالم خطير جدا ومليء بالقصص.


قدد تتساءلون كيف لي أن أعرف كل هذه الأشياء وأنا أعمى ومقعد ؟ سأجيبكم أنه وليد ، في الحقيقة وليد هو عيناي في هذه الدنيا ، أرى النور من خلاله . كان يكثر من الشكوى لصاحب المكتبة المربي الأستاذ عوني ويقول له ، إن المتسولين أصبحوا يتزاوجون فيما بينهم وينجبون أعداداً من الاطفال يطلقونهم في الشارع ويعلمونهم سر المهنة ، تقبيل اليد تقبيل القدم ، رمي الجسد على جسد الشخص المستهدف ، استعطافه بعبارات حزينة مع إيماءات بريئة تتكون الخلطة فيأكلها الشخص المغفل ويقوم بإعطائهم بعض الدنانير ألا أفٍّ لهم .


يبصق على الأرض ثم يذهب يجلس على مبعده مني حيث يمكنه رؤيتي ، يفترش كرتونا يقعد عليه جانب محل أحمد لألعاب الأطفال ثم يصيح لله يا محسنين . بعد أن ننهي يومنا ويشعر وليد بأن الوقت قد حان للذهاب يجيء نحوي ثم يمكسك مقابض الكرسي الخلفية ويدفعني ، يهمس بأذني عبارته اليومية الشهيرة (لقد انتهى موعد الدوام الرسمي)
نودع الأستاذ عوني وننطلق صوب مطعم النبلاء ، نأخذ لفات الهمبركر ونتجه شطر مكاننا المعهود حيث ضاعت رباب، كل هذا وأنا أسمع دون أن أرى.


كنا نجلس عند الشاطئ ، يرفعني وليد من على الكرسي ليضعني على الرمال الندية حتما لا أشعر بشيء ولكن ذلك رائع حينما تلوك لفات الهمبركر والشمس أمامك تغيب من عند شاطئك لتظهر في شواطئ أخرى لم تخفي في جوفها الربابات

لقد كنا على هذه الحالة منذ أن اختفت رباب . نجيء نقضي الليل بأكمله حتى ننام هنا تحت الجسر . لا أحد ير ولا أحد يسمع ، يقول وليد بأنه يوما ما سيعثر على رباب تخرج من وسط المياه ثم تمشي فوقها بأقدامها الترفة وهي تحدو حدوه حتى تصله ،لقد كان ذو خيال خصب وهو قاص بالفطرة يحكي عن قصص من وحي خياله كلها خرافية لا تصدق ، كان يقص علي أنواع من القصص دون أن أعرف أي نهاية لأي قصة منهن .


أنهينا وجبتنا ،ثم صمتنا بعد تعب الفكين . وبينما كنت صامتا سارحا بهدير أمواج الشاطئ حدث شرخ في زمان وقت الغروب، أمر لم نكن نحسب له أي حساب

-رائد رائد
-اللعنه عليك لقد افزعتني
-يارجل هنا.... تل... سألتقط لها صورة
-من؟ لمن التقطت صوره لتوك ؟
-فتاة
-فتاة أي فتاة؟
-نعم فتاة وهي قادمه نحونا
-وان يكن مادخلنا نحن
-لا لا لا لا لا.مع كل الأسف
-ماذا ما الذي يحدث
-تبدو ضريره مثلك
-ضريره !
نعم ضريره..... ها ما الذي حدث يبدو أنه شرح صدرك
-وليد صديقي وعيناي . صفها لي ارجوك وكأنك تكتب نصا عن قصه ، أرني براعتك في السرد
-حاضر، تسير بتخفيف هناك على الشارع اليوغسلافي الرئيسي وعلى جانب الطريق تتوقف سيارة بي ام دبليو سوداء يترجل منها السائق، رجل في العقد الرابع أصلع الهامة مشعر أطراف الرأس ، يرتدي بذله رسمية سوداء ، يهرول بخفة صبي ينتقل إلى الباب الخلفي ، يفتحه ثم يلج يده إلى الداخل ، يمسك يد ناعمه بيضاء كأنها الزبد مصبوغة الأظافر وهناك خاتم ذهبي يلمع في البنصر الأيمن ،تظهر الساقين وكعب عالٍ أحمر تنتعل به قدميها ، وبقفزة كقفزة أرنب من مقعد السيارة نحو الأرض تظهر وكأنها حورية بحر شاردة ، ثم جاءت لتغوص في الأعماق من جديد ، شعر أشقر طويل كأنه لحظات الغروب . هذه وتلك الخصلة المتدلاة من أعلى الناصية صوب وجنتها الشوندريه كأنها مسيل عسل من خلية كبيرة ما عادت قادره على حمله ، فم فراولي ، وذلك الأنف سيد الملامح ينتصب شامخا يشكل مع الحاجبين الثخينين صليب كاثوليكيا كنائسي .

وهناك رجل اخر يترجل من المقعد الخلفي من الجهه الأخرى حيث كانت تجلس ، يفتح صندوق السيارة ويخرج كرسي كهربائي متحرك ويدنوه عند مفصل ركبتيها من الخلف ، تتلمس أذرع الكرسي وتجلس بحذر والرجلان يساعدانها بالجلوس، نظرها مصوب إلى الأمام وكأنها تنظر نحو اللانهاية أو تشبه نظرة ما بعد الصدمة أو نظرة الألف يارده .
ذلك الرجل السائق يدفعها بتؤدة ، ينزلها من على الرصيف بينما ركب الرجل الآخر السياره ، وها هي على الطريق الرملي قادمة نحونا


-أين وصلت الآن
-تبعد عنك عشرة أمتار ،جالسة مثلك تماماً ولكنها على الكرسي تنظر صوب الشمس وحفيف الهواء يلاعب شعرها وماء الشاطئ بدا وكأنه يريد أن يأخذ مراده منها . لقد أصبح يداعب أطراف أصابع قدمها عابراً بخريره فتحة الكعب الأماميه. بيني وبينك تبدو فتاة ثرية جداً

- هه ،ومن أين عرفت ثرية و...جداً

-سأقول وأجيبك ،رياض صاحب محل مذهلة النسائي قلت له ما هي أغلى أنواع الماركات لديك ، فقال جوسي وشانيل وتلك الفتاة لا تكاد تخلو قطعه على جسدها من العلامتين
-اوو
-نعم.. ولا تنس السيارة صديقي ، فهي تظهر وتعكس ذوق وشخصية مقتنيها
-أهي لوحدها أم مع أحدا جانبها
-حينما أوصلها ذلك الأصلع إشارت له بيدها ، انحنى ووضع أذنه جانب فمها . همست له ثم انصرف بعيدا هناك عند أعلى الشارع جالسا في بدن السيارة
يعني لايوجد أحد سوانا نحن الثلاثه "ورباب طبعا"
-ماذا تقصد بأن لا أحد سوانا . ما الذي يمكن فعله فأنا كما تر مقعد وأعمى
-وهي عمياء كذلك ،الشيء الجيد في العمى أنه لا يمكنك أن تر كيف ينظر الناس إليك


كانت الشمس تودعنا فيحتل اللون البرونزي محيط شعاع هالتها الخافتة بينما غرقت المسافات البعيدة عنها بعتمة اللون الأسود الذي أعلن عن مجيء الليل، وتلك الفتاة التي ما إن هبت نسائم الشاطئ الليلية من صوبها حتى جاءتنا مثقلة بعطور كانت تتشبث بجسدها وهندامها ، عطور لم نكن نشمها في سالف سنواتنا الثلاث والعشرون المندثره، لم تبدِ حراكاً مذ لحظة وصولها . كانت كنبتة مزروعة صغيرة على أروقة مياه الشاطئ . وكنت ووليد جالسين دون أن ننبس ببنت شفة أو تصدر منا أصوات خفيفة ، يبدو أنها لا تعلم بوجود أحد جانبها ، ربما ذلك الأصلع لم يخبرها بوجودنا بالقرب منها .


تمر الساعات مسرعه ساكنة لا صوت يعلو الهدير والحفيف ، لكن هذه الفتاة كانت تنتظر أن يشتد الظلام ويعصب بسواده عيون الضوء حتى تنفذ ما رأته نجاتها من كربتها ، حيث سمعت همس وليد وهو يحثني أمر مريع على وشك أن يحل

-رائد انتبه
- ماذا وليد ما الذي يحصل
-الفتاة تحرك يديها وتفرقع أصابعها
-نعم أسمع الفرقعه بوضوح
-أعتقد أنها تزيح نفسها نحو الشاطئ
-ماذا ؟ لحظه.. دعني أشم.. إنها فعلا تدفع نفسها نحو الأمام ...عطرها بدأ يتقدم ، راحت الرياح تبعده عن أنفي
- يا إلهي أصبحت تسير بكرسيها الكهربائي بسرعز نحو الماء 
-وليد سوف تنتحر فلنذهب لإنقاذها قبل أن يصبح هذا الشاطئ سجن للأرواح الهائمة


راح وليد يركض نحوها بكل سرعته بينما غطست هي في المياه ، كان كرسيها الكهربائي مزود بمحرك قوي انطلقت به بواسطة عتلة صغيرة موضوعة على نهاية ذراع الكرسي اليمنى، ما إن ارتطمت عجلات الكرسي بعمق الماء وغطست بالرمال المبللة حتى طارت الفتاة من مكانها جراء السرعة وصارت في الماء .
وصل اليها وليد، أمسكها من يدها، فاجأها وأفزعها، كانت تقاومه تدفعه وتصفعه عدة صفعات على وجهه ثم ركلته وهي في الماء بين قدميه ، لكنه لم يفلتها ،فراحت تصرخ وتقول "دعني أمت لا أريد العيش بعد الآن" وأجهشت بالبكاء بعد أن خظعت لوليد الذي أمسكها قابضا عليها من الخلف كما يقبض النمر على فريسته، جرها وأخرجها من الماء . كانت ممده تبكي حينما أضجعها وليد على الساحل الرملي ،
كنت أسمع نحيبها وتنهداتها كان كل ما يصدر منها يشي بفؤاد مضني كوته الأحزان والشجون وألقت به في غياهب جب عميق وجد من الانتحار دواء لدائه.


صمتنا كلنا وراحت تتنهد وتهمهم وتنشج ، كانت على مقربة من نهايات البكاء، وهدوء شجن قلبها ، ولا تزال مضطجعة .
الساعه قاربت العاشرة مساءً وقد مضى على وجودها أربع ساعات كانت ثقيلة مفزعة وكئيبة .
أسمع صوت خرير قطرات ماء منهمره بشده وتتوقف ثم تنهمر وتتوقف . عرفت أن وليد يبعد أمتار يعصر ملابسه وينشفها،
ثم سمعت صوتا كان كفيلا بأن يجعل ليلي صباحا ربيعيا مشرقا رغم نبرته الحزينة والعليلة
-لماذا أنقذتني ؟
-لم أك أنا من أنقذك، ولكنني كنت صاحب الأمر بذلك
-أريد أن أموت أرجوك دعني
-كيف أدعك ووظيفتي تقتضي حماية الناس من الغرق
-أنت لا تعرف ما بي لذلك تتكلم ببرود
-أنا لا أتكلم ببرود ولست من الأغبياء الذين يسخرون من مشاعر الآخرين . يجب أن تشكري وليد ، هو من أنقذك من براثن ذلك الشاطئ الذي يسكنه وحش الكراكن
-هل أنتم اثنان
-نعم نحن اثنان... نستمتع في الليل عند الشاطئ..... نأكل ما يسقط بأيدينا..... وننام تحت ذلك الجسر ، هذه كل حياتنا روتين مقيت، يمكن للروتين أن يجعل من ثلاث وعشرون عاماً يوما واحدا

-مرحبا أيتها الشابه أنا وليد وهذا صديقي رائد . نحن نملك هذه البقعة والمساحة من الشاطئ ولا يمكن لأي أحد أن يموت هنا إلا بأمر منا، فهنا وفي هذا الماء وتحت هذه البقعة بالذات يسكن أقرب الناس لنا ويعيشون مترفين في جزيرة أتالانتس الغارقة هنا، إن هذا الشاطئ ملك رباب وأنا أعرفها جيدا لا تحب أن تشارك أشياءها مع الآخرين وخصوصاً الفتيات أمثالها .
-دعك منه فهذا وليد شخص مثقف خيالي يرتجل الخواطر والقصص ،كل ثقافته ومعلوماته يسرقها من الأستاذ عوني صاحب المكتبه العصرية، كما أنه مصور مذهل
-إنه يكذب أيتها الشابه فأنا لا أسرق
-كذبت
-لا
-كذبت
-لا
-كفاكما ... كفاكما، أنقذتماني من الانتحار بالغرق تريدان قتلي بشجاركما
-لا تصرخي في وجوهنا قلت لك نحن نسيطر على هذا المكان ونحن لأسياده
-دعها يا وليد فهي متألمة ، أعتقد أنها تريد أن تبوح بحزنها
-لست حزينة أنا ضريره ولا أريد شفقة أحد علي ،كيف يمكنني أن أعيش طوال عمري هكذا ...كيف
-أتعرفين كانوا يقولون لي أنت تعيش في الظلام، فأقول حسنا أنا اعيش في الظلام ،الأعمى يرى الظلام، الظلام لونه أسود ،والأسود لون الليل ، ولكني لم أعي ما هو الظلام أو كيف يكون اللون الأسود لذلك تقبلت الحياة بأسمائها وأصواتها وعطورها . فأنا اعمى مثلك لم أرَ صورة واحدة في حياتي أبداً لأي كائن ، فرحت أتخيل الأشكال دونا عن شكلها الحقيقي الذي يراه المبصر
فهذا أجمل ما في العمى أن تكون مجبر على سماع الأصوات المحيطة بك ومخير في تكوين شكلها في خيالك

-هل حقا أنك ضرير
-هه، لن أقول ضريرا، أشعر فيها بشيء من الشفقة ،بل أقول أنا أعمى . ذلك يجعلني قويا جدا بحيث لا أترك ثغرة للمقابل يعيرني بها، أتوافقني وليد بهذا؟
-مائة بالمائة صديقي . كلام ملهم ،ولكن الآنسه لم تطرب أسماعنا بأسمها
-ولماذا علي أن أقول لكما اسمي
-قلت لك نحن نملك هذه المنطقة من حقنا معرفة من يدخلها ومن يخرج منها ، أليس هذا صحيح يا رائد؟
- صحيح وبأمكاننا أن نصبح أصدقاء ، فالاسم بوابة الصداقة الأولى
-اسمي غدير
-واو غدير أتعرف معناه يا وليد


ربما تكون ليالي الصيف حارقة قائظة و أؤكد ذلك ، إلا أننا جلسنا في تلك الليلة البوهيمية نتسامر ونتحدث برفقة نار أشعلها وليد، نحن الثلاثة وأقصد أنا ووليد وغدير، كنا كفريق تاه في ليلة مظلمة بإحدى الغابات الاستوائية حينما نتراءى للناظر من بعيد .

بعد أن عرفت اسمها شعرت بشيء يحركني من الداخل ، أحسست وكأنني أرى النور ، رأيت وكأن ثقب حدث في تخوم عالم الظلام ومر من خلاله خزمة شعاع ، غدير وهذا الاسم قد جعل من الماء ينز ويبلل عروقي اليابسة ، عصافير وورود وشواطئ وشموس وأقمار راحت تصدع بمسامعي وأتخيل شكلها ، ابتسامة لا إرادية تعلو زوايا شفتاي ما إن أتذكر صوت غدير ، كان ذلك الصوت أعذب ما سمعت يرسم لي لوحات سوريالية ، آلاف الوجوه تتبارز في الجمال لا أعرف أي منها غدير .


عندما خفضت أصوات أنفاس الناس ، واشتد عود الليل وغط العالم بسهاد هادئ ، وظل الهواء يلقي علينا بموجات أصوات سيارات بعيدة ، قررت غدير الرحيل
فبعد الصمت المطبق وانخماد ألسنة النار وتوهج احمرار الجمر ، نطقت بصوت متحشرج متقطع الاحرف قادم من بحر دموعها الجاف .
قالت (يجب أن أرحل)، لم أدر ماذا أقول وقد تفاجأت بالقرار، وارتبكت ، بدأت من مكانها تلمست الكرسي ،أراد وليد مساعدتها لكنها أبعدت يده ثم استقرت جالسه على المقعد، سألها وليد عن الرجلين الجالسين في السيارة ولماذا لم يستبطيانها أو على الأقل يطمئنا عليها ، وتقول أخبرتهما ألا يزعجانني ،تطلب من وليد أن يخبرهم بأنها تريد الرحيل ،يذهب، يخبرهم، يصطحبوها إلى السيارة ، يصعداها ، وينطلقون بعيدا. ولم أنم ليلتها


-كم محصولك اليوم رائد؟
-لا ادري وليد ،هل بإمكانك أن تعد نقودي
-حسنا عشرة... احدى عشر..اامممم..عشرون ... خمس وعشروف دينارا ،لا بأس أنت تعمل بجد رفيق
-وليد يجب أن نذهب لمكاننا أما انتهى موعد الدوام ؟
-اااااا لماذا تريد الذهاب مبكرا اليوم هل لديك موعد ما؟
- اي نعم موعد مع غدير هههههههاااايييي
-يالك من لئيم إياك أن تستسلم لامرأة من أول لقاء
- اي لقاء هذا ،انا أمزح يا رجل وهل يمكن لفتاة أرادت أن تنتحر تعود لنفس المكان الذي انتحرت فيه وفشلت ، دعك من هذا
-فضلا على أنها عمياء وتلتقي بمتسولين يا لحظها التعيس، لقد سألني الأستاذ كريم ذات مرة أي إنسان صاحب أتعس حظ في العالم ؟ قلت له المرأة التي سأكون من نصيبها
- ههه حلوه يا وليد لكن مهلا ...من هو الأستاذ كريم؟
-ااااا حقيقة لا أعرف . تراه من هو؟
-هههههههااأاأاي


لم أصدق مسامعي لأول مره ، حينما كنت متأملا سارحا وكان وليد يدفعني متوجهين لساحلنا، سمعت وليد يقول (إنها غدير) ،وقد توقف وصرت أسمع صوت الموج وتغيير رطوبة الهواء فعرفت أننا وصلنا لمكاننا، تحركت من مكاني تزحزت قليلا ، ابتسمت ، عدلت ياقتي ،ربت على شعري ، لكن مهلا لمن فهي عمياء وأنا كذلك ، ااا نعم ،احتراما لصوتها فهو نظرها .

فجأة شعرت بلهيب هواء يحرق طبلة أذني اليسرى ، استغربت ، مددت يدي أتلمس مصدره ، إنه أنف وليد يزفر ، منحني علي ينظر لي بدهشه يراني متحمسا، مبتهجا والفرحة تكاد تفجر أحشائي، لم أفطن ، بل نسيت وليدا في هذه اللحظة لذلك ضحكنا بعد أن استوعبت وتداركت الأمر

لم يك حديثا عابر أو عاديا ، صفني وليد بكرسيي جانب كرسي غدير ، ابتعد وليد عنا ، ومن بعيد راح يلتقط لنا صورا ، صورا كنا ننظر فيها إلى الشاطئ المتكسرة أمواجه برعونه ، كل الصور كانت لقفانا وليست لوجوهنا ،كانت في منتهى الجمال، أردت أن أعرفها بعالمي وأزيح عنها هم الكآبة والكبت اللذان تحشدا حول فؤادها

- اتسمعين هدير الموج ؟
-نعم أسمعه جيدا 
-يمكنك أن تتخيلي الصورة أمامك ولكن ليست كما هي عليه في الحقيقة
-هه، وكيف يعني
-أنا أراه بحراً واسعا جدا يلتقي من الأمام حيث أنظر مع السماء الزرقاء الصافية جداً جداً . يسمى خط الأفق ونحن الآن ملقين بصناراة صيدنا ،جالس على شرفة بيضاء خشبية تتصل بممر خشبي أبيض ينتهي عند حافة الغابة وعلى مساحه فارغة منها قرب الممر يقع كوخي الصغير الذي صنعته بيدي ، لقد أتعبني حقاً
-هههه
-أجل اضحكي ، وتقبلي ما أنت عليه ،فلا يمكننا تجاوز أقدارنا الصادمة بل يمكننا تخفيف وقعها إذا تقبلناها كما ينبغي
- أنت غاطس حتى هامتك بالفلسفة
-لقد تعلمت من العمى أن أتلقى علاجي بالفلسفز ، نعم العلاج بالفلسفة
-تفاؤلك يقتلني ، ألن يأتي معك صديقك ؟
-كيف لا يأتي وهو دليلي وخليلي وكل شيء ولكنه يعاني منذ أيام من دوخان وغثيان ، أتودين سماع قصة ،ولو أن الوقت لا يسمح بقصة طويلة ،فالليل يقضي بسرعة عندما يكون جميلا
-لما لا ولكن اقتصر اذا كانت طويلة ، فما بوسعنا غير أن ننصت ونستمع


-كان هناك شاب وسيم ثري جدا ، لكنه كئيب ومقيت وحزين ، لم يعرف الحب في حياته ، جربه عدة مرات لكنه فشل ، وبعد كل قصة فاشلة يزداد حزن وكآبة وانعزال ، لم يتركه أصدقاءه ابدا، كانوا يواسونه ويعملوا كل جهدهم حتى يفرجوا عنه همه، وفي ذات ليله ممطرة مرعدة فزع من نومه مرعوبا ،أرقا ، غارقا في التعرق ،لقد حلم بكابوس
-حسنا يكفي يجب أن أرحل علي الذهاب


ذهبت في تلك الليلة ، لم أكمل لها القصة ،كان الوقت يسمح بالمزيد من الأسطر لكنها قررت أن ترحل ، تراها لماذا أرادت الرحيل هل لأنها تريد ان تترك القصه ليوم ثان ، حتى تكون حجتها باقي القصة ، يقاطعني وليد يقول بأنني بدأت أهلوس ، وصرت أكتب أحداثا هي بداية وقوعي في حب صوت غدير ، فالعاشق لديه موهبة في تحوير الأحداث وجعلها تصب في صالحه بشتى أنواع الطرق المعتدلة والملتوية ، هل فعلا أنا هكذا بدأت اهلوس بدأت غدير تسيطر علي ولما لا وما المانع في ذلك


غسق المساء يدندن بنوتاته المعهودة نيق النوارس، والظلام الذي أنا فيه ماعدت أراه أمامي انقشع واندثر ، وانا الآن أنتظر غدير ، غيرت عادتي هذه المرة ،وقت المساء بدأ ينفذ، وموعد مجيء غدير صار ينزف ثوانيه وهي لم تأت بعد، بدأت أحبط قليلاً ، لماذا أنا في ركود أصلا ، لماذا ؟

-إنني أشم رائحه هنا ،أهذا أنت يا رائد؟؟

لم أكن لأصدق مسامعي هذه غدير وهذا صوتها ويحيط به هالة من عطر الأبيدوس الثمين، فالكئيبة والحزينه وجدت نفسها في عالم الرؤيا من الصوت ، لقد تعلمت الدرس جيدا

-نعم هذا انا غدير هل تريني جيدا كيف ابدو
-لا بأس في شكلك أسمر البشره ذو ملامح عربيه يمنية ، شعرك أسود قصير ، وطول قامتك مائه وواحد وسبعون، وكرسيك المتحرك قديم ومهترئ نوعه الزهراوي،
-كيف عرفت كل هذا ؟ هل أخبرك وليد؟
-أخبرني وليد عن حالة الكرسي أما شكلك فهو تخمين متخيل ؟ هل اصبت يا ترى بتخميني؟
-نعم اصبتي لحد لا يصدق ، كل المبصرين يقولون لي نفس ما وصفتي، في إحدى المرات قلت لوليد أعطني مرآة أريد أن أرى شكلي! فقال كيف ترى شكلك وأنت لا تنظر ؟؟، فقلت اذا لم أر انعكاسي في المرآة عل انعكاسي يراني
-وهل رآك انعكاسك ؟
-لا طبعا ، صراحة أنا لا أعرف مقاييس الجمال ،الألوان والطول والعرض ، ولكنهم دائماً يقولون أن الشخص الأشقر هو في العادة من يملك الجمال كذلك الشخص الأبيض والاسمر ، انا لم ارى هذه الالوان ابدا ولا أعرف كيف تكون، فإذا اردت أن اقول لشخص أنت جميل سأقول له (مايكوم)
-مايكوم؟؟؟ ماهذا
-تساءلت مثلما يتساءل المبصر، مايكوم يعني جميل في لغة عالم الظلام
-هل هذه لغتك الخاصة ؟
-نعم في الحقيقة لا يمكنني إدراك عالم المبصرين لذلك صنعت عالم ذا لغة خاصه لا يعرفها المبصر الا اذا دخل عالم العمى، وهذا ما يهرب منه أبدا ، وهنا يأتي التعادل ولا لأحد القوه على آخر
-أما استخدمت لغة إيرل
-هو أعمى وصنع لغته وانا مثله صنعت لغتي ، ولكن الفارق أنني صنعت عالم مع لغه ، أما هو فلغة خاصة ونفس عالم المبصرين

خمسة ايام كيف انقضت ؟ والى متى تبقى الايام تنقضي؟ وغدير الى اين، لم تبارح المكان بعد ان اخبرتها بحقيقتي ووليد ، لماذا لم تترك المكان وتبتعد عنا بعد ان عرفت بأنني متسول ؟ كل شيء بدأ يطلق اسئلته ولا يصيب الاجابة ، صديقي وليد بدأ منذ ايام قلائل مريضا ، يتقيأ ، بحيح الصوت غثيان ودوران ، واحيانا نوم ليوم كامل جالسا على كرتونه دون ان ينطق كلمة ،يحل الليل يوقظه احمد صاحب محل العاب الاطفال، يقول الاستاذ عوني ، انه مريضا جدا ، فمرضت انا من داخلي

-وليد انت تسير ببطء فلترتح اذا كنت متعب وبعدها سنواصل السير
- يجب ان تصل اريد ان انام
-ما بيدي حيله عليك رفيقي ، ماذا عساي أن افعل لك ،لايمكنني ان اكون مكتوف الايدي ،
- ان تعرفني جدا في كل مره أمرض ثم اشفى هذه ليست المره الاولى

الموج بدا مريضا ،الليل اصبح كئيب، كل ما هنا ، الشاطئ ، الجسر، الرمال ، كأنها تحن لوليد، كأنها تواسيه ، الشيء الوحيد السعيد هنا هو غدير، فبعد ان تصل الى هنا يقوم حرسها الشخصي بوضعها عند الرمال المبللة حيث تصلها الموجات تبلل جسدها وتنسحب وهكذا دواليك ، تقول وهي ترسم بسبابتها فوق الرمال ، بينما كان وليد غاطا بتهويم عميق


-رائد منطقك لايوحي بأنك شخص غير متعلم فضلا عن كون اعمى ومتسول
-ان من قام بتربيتي فعلا هو الاستاذ عوني صاحب المكتبه العصريه ، كنت اجالسه عند باب المكتبه منذ عشرين سنه ،اتلقن كلامه ومعلوماته حينما كان يتناقش مع اقرانه من المثقفين حول شتى القضايا، حتى قال لي ذات مره بأنني سأكون من افضل واذكى الطلاب لو كنت مبصرا
- وقت طويل جدا هذا يعني انت متسول منذ ان كنت في العاشره
-افهم مقصد كلامك تريدين ان تقولي اين عائلتك سأجيبك، سمعت الكثير عن عائلتي ولكن الخبر المؤكد بأن ابي كان متقع الفقر وحينما انجبتني امي وعلموا بأنني اعمى تخلوا عني ،رموني عند ملجأ هو الاسوأ في حياتي، هذا الخبر الاكيد والمتواتر ان صح التعبير
-وهناك تعرفت على وليد
-نعم هناك اصبحت ارى ،حيث عرفت وليد ، لقد تصادمنا ذات ليله حينما كنا نسير ، كنت امشي في الملجأ جنب الجدار متلمسا دربي بينما كان هو يركض ، صدمني وسقطنا نحن الاثنين على الارض ، ثم لم نشعر الا ونحن غارقين في نوبة ضحك شديده حتى دمعت عيوننا ومنذ تلك اللحظه اصبحنا صديقين ، ثم قررنا الهرب وكان امرا سهلا

قادني وليد ماسكا يدي في ليل شتاء ممطر سلكنا مسلك صغير يقع خلف الملجأ يؤدي الى باب متروك قديم يطل على الشارع الرئيسي ،هربنا ،وعبرنا الشارع نحو الجهه الاخرى ،كان وليد ماداً يدي اليمنى من فوق رقبته ويركض بي بينما كنت اضحك ، ابتلت اجسامنا، ورحنا نمشي والمطر يشتد وينهمر بغضب شديد ، كنا كمجرمين هاربين محكومين بالاعدام،ثم بعد ان تنفس الصبح ألفينا انفسنا تحت هذا الجسر وهذا المكان حيث نجلس انا وانت ، ورباب طبعا
- وما قصة رباب هذه ، فهذا الاسم أحرفه لاتفارق فاه وليد
- انت لم تري شيء ، فقبل اربع سنوات كان كل كلامه رباب رباب رباب ثم خف شيئاً فشيئاً ، رباب تلك المتسوله التي قتل بسببها جنديان وضابط وعشرة متسولين
-واو رقم لايصدق
- ومراتب دنيويه لاتصدق كذلك، فضابط ، وجندي ، ومتسول مراتب دنيويه مختلفه ،اعتقد انه لاتوجد امرأة في التاريخ قتل بسببها مثل هذه التشكيله والخليط الغريب من البشر
-وكيف احبت وليد
-قصة كذلك ،هي فتاة ريفيه بيضاء صهباء تعرف عليها وليد حينما كان في السادسه عشر وهي في الثانيه عشر ،لم يكن جسدها وجمالها يعطي انطباعا بأنها فتاة بهذا العمر الربيعي الصغير ، كانت ناضجه وممتلئة الجسد ، هكذا يقول وليد ، كانت تجلس قبالة وليد في السوق وهكذا كمثل العشق التقت عيونهم وبعدها بأشهر التقت اجسامهم لمئات المرات كانت تأت من الريف عن طريق سيارة البيك اب ، تترجل وتتسول ، ثم تأت في وقت الغروب نفس السياره تأخذها وترحل ، وبعد ان شغفها وليد حبا وشغفته، قررت ان تبقى حيث هو ، بعدها اعترفت لوليد بأنها عامله في احدى شبكات التسول الخطيره وأنهم سيقتلوها اذا قررت تركهم واللجوء لاحد غيرهم حتى وان كان متسولا مثلها، عندها قام وليد بإخبار الامن ،فنصب للشبكه كمين ثم وقعوا فيه الا انهم كانوا مسلحين فدارت مواجهه قصيرة انتهت بمقتل ضابط وجنديان وعشرة متسولين


لم اكن بعيدا عنهم كنت اقضي الليل هنا حيث انا جالسا بينما كانوا يقضونه بعيدا عني تحت الجسر بالتحديد ، كانوا مثل طيور الفنجس يغردون بصمت ، حتى حانت لحظة موتها واختفائها ، عندها جن جنون وليد وظل يسكن وينام هنا منذ اربع اعوام
-لقد احبها فعلا ، واهله الا يعرف عنهم شيء
-لقد رماه والده في الملجأ بعد موت والدته ولانه تزوج لم تقبل زوجة ابيه الجديده ان يبقى معهم ، بكل بساطه رماه وكان بيلغ سبعة اعوام حين ذاك

في تلك الليله كانت غدير منشرحة الاعطاف ، بينما كنت كئيب بسبب مرض وليد

تمر الايام مسرعه وتنقضي منها عشرة وغدير لم تزل غديرا ، اصبحت هي اكثر تفائل بينما اصبحت محبطا ، تقول لي لولاي لماتت ولاكتأبت وربما اصابها الجنون


اليوم العاشر من التقويم الغديري

انه تقويمي الخاص او تقويمنا انا وهي، اوتقويم العمى، فالتقاويم انما جاءت حسابا نتيجة بشارة ، فالتقويم الميلادي جاء بمولد المسيح عيسى ابن العذراء مريم ، والهجري بهجرة الرسول محمد ،والنوروز وغيرها كلها تقاويم فرح وسعاده وولاده جديده لعمر جديد

صباحا جو قائظ، مترب مكفهر ، قررت في سالف الليله الماضيه ان اقول اخطر كلمه في حياتي (احبك) نعم سأقولها لغدير رغم انني لااعرف سوى اسمها ، نعم فهذا اسمى مايمكن ان يصله المبصر من درجات الحب وهو الحب الاعمى ، سيفرح وليد جدا ، ولا اعلم ماستقوله غدير ، كل شيء يصب في مصلحتي، كما قالتي هي فأنا لدي الفضل في ان جعلتها انسانه قويه لا تخاف ظلام العمى،،،،
انتظرت حتى الليل لازال وليد نائم دون حرك لم اسمع صوتا له الاقليلا ، وان غدير لم تأت حتى الان بدأت ايأس واقلق ، بدا كل شيء موحش، انتصف الليل قلبي بدأ يضطرب شعور لم آلفه من قبل شيء ما أحدث خطأ في اتزان الكون ، اشعر بالوحده المفزعه ، لاوليد ولا غدير ، يالها من ليله مرعبه ، هل هو شعور البوح بالحب ، ام شعورآ بمرض صديقي، الرياح بدأت تعصف الموج اصبح يهدر بقوه ، هل نزل ملاكا على الارض واهلكها ، لماذا تغير كل شيء وليد صديقي اين انت اشعر بالخوف والرهبة

-انا هنا رفيقي
-وليد حمدا لله انت هنا
-صديقي اردت ان اودعك
-ماذا وليد مابك نحن في منتصف الليل
- في مثل وداعي هذا لا يمكن للوقت ان يكون هو المتحكم
-وليد هل انت ممد على الارض
-رفيق رائد سأرحل ولن آسى على الدنيا لسواك رفيق ... لسواك يارفيقي
-وليد هل انت ممد على الارض اجبني ،، هل اصبحت مشلول؟
-نعم صديقي انا لن اقدر على السير من جديد لقد جئت اليك حدوا اجرجر نفسي عنوه لقد اصابني الخبيث لابد وانه السرطان من اهلكني هكذا ، لم ارد ان اموت ولن اخبرك واودعك
-اعطني يدك رفيقي، الظلام اشتد علي اصبحت اعمى الان
-رفقي انظر تلك رباب انها تناديني ، سأذهب اليها انا الان حي انا الان حي

ودعني وليدا وراح نحو الموج اسلم له جسده اخذته الموجات وكأنها راحات ايادي تريد ان تحتضنه كما لم تفعل امه، ثم اختفى ، بينما رحت ابكي بشده وانتحب واصرخ بأسمه لكنه لم يلتفت الي ، واصبحت من تلك اللحظه اعمى

كان وليد مصابا بالسرطان منذ مده الا انني لم انتبه قط ، فأيقنت انني كنت غاطسا في الفلسفة وكنت اكذب على نفسي بأنني اسمع مايدور حولي لكنني اتخيل شكله ، كلها فلسفه وكذب هدمها رحيل صديقي ، لم اكن اعرف ان شكله تغير كثيرا واصبح شعره يتساقط ، لقد عشت بقية حياتي نادم اعض بنان الحسره ، جسده الهزيل لم اشعر به الا حينما امسكت يده وهو يودعني، لابد وانه فقد الكثير من وزنه


(اليوم الخامس عشر من التقويم الغديري)

ظهرت غدير بعد غياب خمسة ايام بمشاعر ميته غير مباليه وكأنها انسانه اخرى ، كنت سارحا صوب الشمس امام الشاطئ ، لااهم بما خلفي من الحياة ، اردت ان اموت مع وليد ورباب ان انزل معهم تحت الماء واعيش، اركض فوق العشب واركل الماء، تلك احلام اعمى ،

-اهذا انت يارائد
-نعم انه انا ياغدير
-اردت ان اشكرك على الايام العشره التي ألهمتني بها وجلعتني انسانه متزنه
-لاشكر على واحب هذا واجبي
-لقد جلبت لوليد هذه الكاميرا انها حديثه جدا نوع نيكون
-لقد رحل وليد
-الى اين
-الى رباب
-عموما ،خذ هذه الكاميرا واعطها له
-خذي مني هذه الصور لقد التقطها لنا منذ الايام الاولى
-حسنا شكرا ،لقد جلبت لك بعض الرفقاء انها هديل هي فتاة عمياء ومعاقه وتريد ان تسمع دروسك هديل قولي مرحبا هذا رائد
-مرحبا رائد انا هديل
-اهلا هديل
-وداعا رائد يجب ان اذهب الى مدينتي ، اعتني بهديل
-مع السلامه
- ولكني اريد اخبارك امرا
-تقضلي كلي اذن صاغيه
-لقد عدت ارى من جديد
-ماذا كيف
-في الحقيقه كنت مصابه بالعمى ولكني لم اعرف بأنه عمى مؤقت الا مؤخرا
- العمى المؤقت ؟؟؟؟؟هل هذا نوع من انواع العمى
-نعم ، لقد اصبت به نتيجه تعرضي للخيانه من زوجي، والمشاكل العائليه، فأرسلني والدي الى هنا للتعالج ولكنني تعالجت روحيا منك منذ ان اصبت به، فأنا التقيتك في اليوم الثاني من اصابتي ، فأنا ممتنه لك مهما حييت والان بفضلك سأعيش حره متفائله ، وسأغادر البلاد بعد الغد وداعا......

تاريخ النشر : 2019-03-19

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار

التعليق مغلق لهذا الموضوع.