الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ذكريات مرعبة مع والدي

بقلم : محمد الشريف العلاوي - الجزائر
للتواصل : [email protected];fr

كان مخزن الشركة يعجن بالجن و لكني لم أراهم

 كان والدي الله يرحمه رجل طيب جداً وكان قد أُحيل على التقاعد منذ سنوات قليلة من طرف إحدى الشركات العمومية التي تبيع العتاد الفلاحي

و حدث أن ألتقى والدي بزميل له في العمل سابقاً و قد كان يعمل حارساً في تلك الشركة وطلب منه بأن يسدي له طلب وهو أن يتولى والدي مباشرة العمل الليلي لمدة أسبوع لأن صديقه كانت لديه أموراً عالقة ومستعجلة ، فوافق والدي على الفور واتفقا على أن يتولى العمل "مجاناً "

 طبعاً في الليلة الموالية  أخبر والدي أمي بأن تحضر له العشاء ليأخذه كل ليلة لمدة أسبوع ، وذهب عند المساء إلى الشركة وجلس في نقطة التفتيش والحراسة وقام بوضع أغراضه ، و عندما جن الليل وعم الظلام والسكون سمع والدي جلبة كبيرة وضوضاء رهيبة في فناء الشركة و فوق نقطة الحراسة ، فقام مرتعداً من مقعده و ضغط على زر الإنذار

 وما هي إلا ثوان حتى سمع الجيران صفير الإنذار فجاؤوا مسرعين ، و بعدها بدقائق جاءت سيارة الشرطة لتقصي الأمر ، فسألوا والدي عن ماهية الأمر ، فقال بدهشة بأنه قد سمع جلبة كبيرة وأصوات غريبة وحركات عندما جن الليل ، فقامت الشرطة بعملية تمشيط للشركة ولم تجد شيئاً يثير الدهشة فانصرفوا ، و بدأت الجموع بالانصراف

 غير أن مجموعة من الرجال وكانوا يسكنون بالقرب من الشركة قالوا لوالدي بأن الشركة مسكونة و أن الحارس الذي يتولى الحراسة لا يمكن له أن يبقى أكثر من ليلة ، ثم انصرفوا جميعاً ، بقي والدي في حيرة من أمره ، هل يترك الشركة وقد استأمنها عليها صديقه ؟


فقرر والدي البقاء فيها كل ليلة ريثما يأتي صديقه ، فأمضى تلك الليلة الأولى مرعوباً وخائفاً ، وكان يسمع أصواتاً ويشعر بحركات حتى طلع الفجر وعندما عاد إلى البيت أخبرنا بما حدث له ، فطلبت والدتي منه بأن يعدل عن المبيت في تلك الشركة غير أنه لم يعدل عن قراره ، و عندما حل المساء أخذ والدي حقيبته وأغراضه وذهب إلى الشركة

 و عندما كانت الساعة التاسعة ليلاً أتصل والدي بي وقال : تعالى يا حبيب إلى الشركة فوراً ، إنها تقع في قرية كذا التابعة لمدينة كذا ، فخرجت من البيت مسرعاً و اتجهت إلى محطة السيارات الأجرة و انطلقت بسرعة إلى الشركة ، و عندما وصلت إلى نقطة الحراسة و ناديت على والدي وجدت الباب مفتوحاً قليلا ، فدخلت بسرعة و وجدت والدي جالس في زاوية وكان يبدو على وجهه علامات الخوف والفزع ، فقلت له : ما بك ؟

فقال لي وهو لا ينظر إلي : لقد جاؤوا وتحدثوا معي ! فقلت مستغرباً : من هم الذين تحدثوا معك ؟ فقال : أناس من العالم الأخر ، وبعد برهة قليلة قام والدي ببطء وفتح النافذة وقال لي : هناك من جانب أناس مؤمنون وهناك بالمقابل أناس كفار ، فتقدمت لأطل من النافذة وقد شعرت بالخوف فرأيت الشركة ، كان هناك مستودع كبير على الجانب الأيمن ويقابله مستودع أخر ، وكانت هناك مخازن صغيرة والإدارة في الوسط

و في أقصى الشركة كان هناك مرحاض - أكرمكم الله - فقال والدي : هل تستطيع يا أبني بأن تؤنسني وتواسيني في هذه الليالي حتى تنقضي المدة ؟ فقلت له : طبعاً يا أبي ، وأخذنا نتجاذب اطراف الحديث وقمت بعمل قهوة ساخنة وتجاهلت تماماً الكلام الغريب الذي قاله والدي ، لقد لاحظت بأني أبي قد تغير أو كأنما دخل في هذا العالم الغريب

وفي الصباح عدنا إلى البيت ونمت نوماً عميقاً ، و عندما حل المساء قمت بجمع بعض الكتب لأقرأها في الليل و ذهبنا سوياً إلى الشركة ، و بحكم أني مدخن فإني كنت أنتهز بعض الفرص لأدخن سيجارة ، فخرجت عند باب الشركة وأخذت سيجارة ، فمر شاب من تلك القرية وسلم علي وسألني تلك الليلة التي قرع جرس الإنذار و سمعه كل من في القرية ؟ فقلت له : بأنه والدي ، فقال الشاب : هذه الشركة مسكونة ! ثم انصرف

 و بعدما انتهيت من التدخين رجعت إلى نقطة الحراسة ، فقال والدي : يا بني لقد نسيت بأن أخبرك ، إذا أردت أن تقضي حاجتك فلا تذهب إلى ذلك المرحاض ، فقلت : و لماذا ؟ فقال : إنه مكان خطير جداً و به شياطين ، لقد حذروني منه ، فقلت : من الذي حذرك منه ؟ فقال : أناس طيبون ، فجلست أمامه وقلت له : أبي أنت تخيفني ، لم أعهدك هكذا ، فقال : لا تخف علي يا بني إنهم لم يؤذونني ولن يؤذوك أنت أيضاً ، بل لقد فرحوا بك أيما فرح.

عندها خيل إلي بأن والدي قد فارق عالمنا ليدخل في عالم أخر ، ثم أردف قائلاً : هل تعلم بأن دخان السجائر ماذا يصنعون به ؟ فشعرت بالخجل منه لأنه تطرق إلى موضوع التدخين بطريقة غير مباشرة ، فقلت : ماذا يصنعون منه ؟ فقال : الزجاج ، وقال أيضاً : نعم إن لديهم معامل ومصانع وحرف ، و اندهشت من المعلومات التي سردها والدي عن العالم الأخر فقمت بعمل قهوة ساخنة وجلست اقرأ كتاباً ، فقال والدي وهو يبتسم : إنهم يراقبونك وينظرون إليك ، فقلت وقد بدأت أشعر فعلاً بالخوف : وما رأيهم في شخصي ، فقال : إنهم فرحون بك.

وعدنا في الصباح الباكر إلى البيت وغططت في نوم عميق ، و عندما استيقظت شعرت بأني قد نمت كثيراً ، فنهضت مسرعاً وجمعت أغراضي وذهبنا سوياً إلى الشركة ، كنت قد أحببت الصحبة مع والدي ، وبالرغم من أن المكان حقيقةً مسكون ومرعب إلا أني قد اكتشفت بأني والدي رجل شهم وطيب وحنون  وكان يحدثني عن العالم الأخر

 حفظت ما حفظت عنه ونسيت ما نسيت ، وقبل أن تنتهي الليلة ما قبل الأخيرة لأحظت وجود الهاتف الثابت فوق المكتب وقد كان مغطى بقطعة الجلد ، فقفز إلى ذهني فكرة بأن أتصل بصديقتي المغتربة في فرنسا ، وجلست أتحين الفرصة فجاء والدي وقال : لا داعي أن تستعمل الهاتف أنه معطل ولا توجد به حرارة ، فاستغربت إذاً كيف عرف والدي بأني أريد أن أستعمل الهاتف ؟


فقمت وأمسكت بالسماعة و وضعتها على أذني ، نعم لم يكن هناك حرارة ، و عدت لأعمل قهوة ساخنة و أنا كلي دهشة من والدي،  فقال والدي وهو يرتشف فنجان القهوة : يا حبيب إنهم الأن يقومون بإصلاح الهاتف ، فقلت : أتمزح ؟ فقال : أصبر و سترى ، وبعد دقائق قال والدي : قم وتأكد إن كانت توجد حرارة ، فقمت وأخذت السماعة وفعلاً كانت توجد حرارة ، فنظرت إلى أبي فوجدته يبتسم

 فقام بوضع الفنجان على الطاولة ومر من جانبي وهمس في أذني : ألم أقل لك ؟ و عدنا في الصباح الباكر إلى البيت ونمت نوماً عميقاً ، و في المساء ذهبنا سوياً إلى الشركة وكانت أخر ليلة ، وكنت أشعر بفرخ خفي بأن المدة أوشكت على النهاية ، فقمت كالعادة بوضع الماء على النار فدخل والدي و على وجهه ملامح غريبة و قلقة وقال لي : يا حبيب أعندك ورقة و قلم ؟ فقلت : نعم ، فبحث في أحد كتبي التي كانت فوق المكتب وناولته ورقة وقلم


فجلس وأخذ يتكلم مع كائن غير مرئ وفهمت من خلال كلامه بأنه يحاور شخصاً ما ، فشعرت بالخوف بل شعرت كأنه يوجد طرف ثالث معنا ، فقال والدي مجيباً : أين هو المكان ؟ ثم سكت والدي فقال : عند الساحل البحري ، وبعد برهة قال والدي : طريق على جانبه أقواس ،  أين ؟ فقلت : أليس شاطئ الرمال الذهبي ؟ فلم يجب والدي ، ثم قال : أين تحديداً ؟ و بعد برهة قال : لم أتأكد من المكان ، هلا تفضلت و رسمت شكله على الورقة ، دونك القلم والورقة ، ثم قال : لا تستطيع الكتابة أه فهمت ، ثم قال : من يكون هذا ؟ أنا لا أعرفه .

كنت أراقب ما يحدث باهتمام وغرابة ، ثم وضع والدي الورقة والقلم على الطاولة وقال بتأفف : شكراً ، لا أريد ، ثم قال : قلت لك شكراً جزيلاً لا أريد هذه الهدية والعطية أنا ممتن لك ، و كدت أن اقفز من مكاني فقلت : ما الأمر ، لماذا ترفض الهدية ؟ فحول والدي وجهه وقال : إنه يريد أن يكافئني بهدية فرفضت ، فقلت : وما طبيعة الهدية ؟ فقال : لست أدري ، فقلت : يا أبي لا تضيع الفرصة ، فقال لي : هناك مكان لم أتأكد منه طلب مني أن أذهب إلى هناك والتقي مع شخص ، فتوقف أبي قليلاً ثم قال : لا أنتظر ولا أريد ولا أنظر ورائي ، متشكر ، فقلت : ماذا يجري ؟ فقال : لقد ضربوا لي موعداً عند البحر ثم يأتي شخص ويناولني شيئاً ما بشرط ألا ألتفت خلفي عندما أمشي ، و رفض والدي و أصررت عليه كما أصر عليه "صاحبنا" ولم نستطع كلانا أن نزعزعه عن رفضه

 و جلست حائراً مع خيبة أمل وشعرت بأن كنزاً ما قد ضاع من أيدينا ، وفي الصباح الباكر جاء صديقه وسلم على والدي وعلي وتحدث الينا قليلاً ثم انصرفنا ، وفي الطريق سألت والدي عن الليلة الأخيرة ، فقال : أرادوا أن يعطوني عطية لم أعرفها لأنهم احبوني غير أني رفضت ، و بعدها بأشهر توفى والدي الله يرحمه

 هذه القصة نقلتها كما سمعتها من صديقي الحميم وأنا أعرفه معرفة شخصية ، كما أني أعرف والده الله يرحمه فقد كان أباً حنوناً وطيباً جداً.

تاريخ النشر : 2019-04-18

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر