الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

حرباء تنضبه

بقلم : عبدالعزيز صلاح الظاهري - السعودية
للتواصل : [email protected]

رأيت أمرأة فوق راسي مدت يدها و رفعتني من على الأرض

 عندما كنت في سن السابعة عشر من عمري وكان ذلك في نهاية 1976م عُرضت عليه وظيفة موزع بريد للمناطق النائية ، قبلت بها رغم توفر فرص العمل بكثرة في ذلك الزمان لأكثر من سبب ، سياحة ، دوام مفتوح هذا بالإضافة لما أجنيه من أرباح نظير أعمال تجارية ، و لولا هذه الإغراءات لم أكن لأوافق على هذا العمل أو أن أخوض هذه التجربة والسير في مثل هذا المسار

ففي تلك الأيام كان الخطر يحوم في تلك المناطق كقرش جائع ، فلا طرق معبدة ولا حتى ممهدة ، والطرق الوحيدة هي مجاري السيول وما تركه أهل هذه المناطق من أثر مرسوم لعجلات سيارتهم لا يعتد به لكثرة تفرعه ، كم كنت أعاني خاصةً عندما يحل موسم الأمطار ، كانت مركبتي هي نعشي وطوق نجاتي فأي تعطل لها يعني هلاكي في ذلك الركن المظلم ، مرة بعد مرة تكيفت مع الوضع و تحررت من الحرص والخوف ، وهنا مكمن الخطر فالحرص والخوف رغم سلبياتهما يبقيانك يقظاً

 ففي أحد الأيام وأنا في طريقي لأحد القرى تركت الطريق الذي أعرفه وسلكت طريقاً آخر محاولاً اختصار المسافة ، وبعد أن تعمقت فيه لحوالي 10 كم رأيت بالأفق سحاب مثل الجبال بلون الرمل يشاركه سواد يزحف باتجاهي ، دقائق معدودة اقتربت تلك السحابة و زاد سوادها وشعرت بالسكون الذي يسبق العاصفة يلف المكان ، فأسرعت نحو شجرة تنضب - شجرة صحراوية أغصانها كثيرة متشابكة – ركنت مركبتي خلفها لتكون حاجزاً وترساً بيني وبين هذه العاصفة الهوجاء

خلال ثوان اختفى الضياء والشمس في كبد السماء وحل الظلام لأصبح سجيناً مع نفسي داخل سيارتي ، أخذت مركبتي تهتز ولم أعد أسمع إلا صرير الرياح وفحيح شجرة التنضب وهي تجلد مركبتي بعيدانها التي تشبه السياط ، و زخات حبات الرمل وهي ترشق مركبتي بين الحين والأخرى ، و أزداد الوضع سوءً عندما تسللت ذرات الغبار داخل الكبينة رغم احتياطاتي ، بعد نصف ساعة من هذه المعاناة أخذ الظلام ينجلي تدريجياً فأصبحت أرى ما حولي ، لكن الرياح الغاضبة ما زالت تزأر ، فكرت بالتحرك ومعاودة البحث لكني كنت قلق فالليل كان قريبا جداً ومن الصعب لإنسان يعتبر نصف تائه المغامرة داخل صحراء ، لو شعرت بتوترك ستظهر لك بألف وجه لذا قررت أن أبقى مكاني حتى تطلع شمس اليوم التالي في أحضان شجرة التنضب

 لم أنسى أو أتناسى أساطير السكان المحليين بعدم الاقتراب من هذه الشجرة ليلاً لأنها حسب اعتقادهم مسكن تلازمه الحرباء والجن ، لم يكن عدم اكتراثي بهذه النصائح هو عدم تصديقي بما خفي عني ولكن كنت أعتقد بأن الشكل عادةً ما يعطي الأشياء تصوراً مخالفاً لحقيقته ، وهذه الشجرة المغبرة صيفاً وشتاءً كل شيء فيها غريب وعجيب ، جذعها و فروعها لا تراها إلا بصعوبة ، أغصانها طويلة كثيفة متشابكة ، أوراقها ضامرة ، عيدانها بيضاء ، وإذا أحرقتها خرج منها دخان ابيض بلون الغبار ، إضافة للون ثمرها برتقالي لامع تخالطه حمرة ، كل هذه الأمور أعطت هذه الشجرة شيء من الغموض والمهابة

على كل حال كان كل شيء حولي طبيعياً فأخذت أتصفح الموقع ، كانت الأجمة تتراقص والخنافس تتقلب وهي تشق طريقها وسط هذه الأجواء والأعشاب التي اجتثتها العاصفة تنطلق للمجهول ، والكثير و الكثير من النمل ترمي به الرياح يميناً وشمالاً وتصده عن وجهته وهو مثابر مستمر في حركته ، وبينما أنا على هذه الحال تسلل النعاس  و أخذ يلهو بجفني يرفعهما و ينزلهما ، و راح رأسي يترنح ويرتطم بالمقود مرة تلو الأخرى

 كنت أحاول جاهداً فتح عيني حتى غابت الشمس وهبط الظلام واختفى ما كنت أراه خلف سواده ، و جاء الليل و أخرج هوامه فأخذت اسمع خطوات تحوم حول سيارتي تقترب نحوي تارة وتتراجع مبتعدة عني لم اكترث لها – لم يكن لرباطة جأشي لا ، ولا ادعي ذلك - فهذه الأشياء حصلت معي في ما مضى وكانت تدخل الرعب في قلبي ومع تكرارها لم تعد بالنسبة لي سوى ظاهرة طبيعية تحدث في أي موقع نائي بعيد خلا من البشر لذا لم أتوتر بل رميت بجسدي المرهق على المقعد الخلفي ورحت في سبات عميق

استيقظت مع نجمة الصباح وهي تطل علي من برجها العالي وأخذت بمللٍ انتظر طلوع الشمس ، وما إن بزغ نورها خرجت من مركبتي لاغتسل استعداداً للانطلاق فلمحت حرباء قبيحة تتسلق ببطء العجلة الخلفية لمركبتي ، فالتقطت حجرة كانت على مقربة مني ورميتها باتجاهها محاولاً إبعادها فاختفت خلف العجلة ، فقمت من مكاني وصعدت سيارتي وأدرت محركها وتحركت بهدوء ، كان همي هو إيصال البريد في وقته المحدد فأخذت أطوف بعيني بحثاً عن أي طريق منحدر يأخذني إلى الوادي الكبير

 تنفست الصعداء عندما رأيت عن بعد معلماً طبيعياً أعرفه – وهو عبارة عن صخرة عظيمة على شكل كرة مفرغة من الهواء مبسوطة فوق تل يشرف من الجهة الشمالية على القرية التي خرجت من أجلها – فاتجهت إليها مسرعاً وصعدت التلة ، وعندما وصلت بمحاذاة تلك الصخرة انحدرت نزولاً باتجاه القرية ، و فجأة شعرت بقشعريرة عمت أجزاء جسمي انتفض لها قلبي عندما

لمحت شيء جالساً في المقعد الأمامي بالقرب مني ، فالتفت مسرعاً فإذا بوجه حرباء قذفت لسانها مصوبة عيني اليسرى ، فقفزت لا إرادياً و دفعت المقود فانحرفت المركبة وأخذت تتقلب منحدرة كصخرة باتجاه القرية ، استمرت في التدحرج حتى ارتطمت متكئة بصخره ، فخرجت منها مسرعاً - لا أعلم كيف فعلت ذلك - واتجهت صوب القرية مستغيثاً طالبا النجدة ، عدد من الخطوات شعرت بدوار، ترنحت ، وسقطت على الأرض ، هرول أهل القرية عندما رأوا الحادث ، والغريب أنهم لم يروني وأنا في طريقهم ! واتجهوا مسرعين إلى سيارتي وتجمهروا حولها و أخذوا يسألون ، كنت اسمع حديثهم وكأنني في حلم .

- أين السائق ؟.

- إننا حتى لا نرى له أثر !.

- هل تبقي الرياح على أثر ؟.

- بقع دمه تملئ المكان !.

- من يكون؟

- إنه موظف البريد .

- قد يكون هارباً .

- ولماذا ، ومن من ؟.

- حادث في هذه البرية لا بد أن يكون !  تعلم أمور الشباب .

- اتقوا الله ، ابحثوا عنه بدلاً من هذا الكلام .

هذا كل ما سمعته و أتذكره ، بعدها غاب كل شيء عني .

أفقت من غيبوبتي ليلاً لكنني لم أستطع الحركة ، كانت رقبتي متصلبة وكانت يدي وقدمي مشلولتان ، سمعت وقع خطوات تقترب نحوي ، كانت الخطوات يرافقها حديث لأشخاص لم يكن واضحاً ، فرحت و غمرتني السعادة رغم الآلام .

اقتربت الخطوات و بدأت أسمع الكلام بوضوح ، كان نقاش بين اثنين يرافقهما آخرون ، قال أحدهم : إنه ليس منا بل من البشر .

- فقال الآخر: نعم إنه من البشر ، و واصل حديثه ، أتعلم أنه معشوق طبقبوش الجديد .

- فقال احدهم متعجباً : كيف عرفت ذلك ؟.

- فرد عليه قائلاً : رأيت طبقبوش في وادي تراتيب وكانت سعيدة ، وعندما سألتها عن سبب سعادتها قالت : أنها وقعت في غرام شاب من الإنس.

- فقلت : لكني لا أراه معكِ.

- فقالت : نعم ، عندما خلوت به سمعت نداء فخشيت أن يكون هذا أمراً من والدي بالعودة ، فقلت في نفسي لا بد من عمل يبقى هذا الإنسان تحت رحمتي فرميت عليه تعويذتي.

بعدها غادروا مبتعدين .

ظللت مستلقياً على الأرض في مكاني أتأمل مجبراً سقف السماء ، فجأة رأيت شهاباً منطلقاً من بين النجوم متجهاً نحوي أعمى بصري بتوهجه لثوان ، وما أن زالت الغشاوة حتى رأيت أمرأة فوق راسي مدت يدها و رفعتني من على الأرض وقالت : اتبعني .

كانت تتمايل أمامي بخفة لم يتسن لي رؤية وجهها بشكل كامل ، كنت أسير خلفها كما لو أن هنالك شيئاً ما يجذبني أو يأسرني نحوها ، حقيقة لا أعرف وصفه لكنني متأكد أن عيني و روحي كانت معلقتان بها ، المهم أن قصة جديدة من الترحال بدأت خلف هذه المرأة التي يتغير لونها حسب المكان ، لا أتذكر إن كنت آكل أو اشرب أو حتى أنام ، كانت تلك المرأة لا تتوقف و تطوف الأرض تأخذني معها إلى كل مكان ، كل ما أتذكره أنني أغيب عن الوعي عندما تدنو مني ، و في أحد الأيام وأنا اتبعها توقفت أمام غدير ماء و جلست كعادتها لا أرى سوى ظهرها ، فجأة قفز ثعبان أسود من الماء والتف حول عنقها وأخذت تصرخ مستنجدة بي

وقفت متسمراً في مكاني لم أفعل لها شيء ، أستمر ذلك الثعبان في خنقها رغم محاولتها اليائسة ، وعندما أصبحت جثة هامدة التفت إلي ، بدا لي غاضباً وكأنه يطلب مني الرحيل ، رأيت ذلك في نظرات عينيه المرعبة ثم عاد إليها وسحبها إلى داخل الماء ، أخذت مياه الغدير تغلي ثم تحولت خلال ثوان إلى كثبان من الرمل في نفس اللحظة شعرت أن روحاً جديدة تعود إلى جسدي ، اتسعت عيني في دهشة كبيرة عندما لاحظت أنني عارياً لا يستر جسدي شيء ، نظرت حولي وإذا أنا وحيد في الخلاء

 فأخذت أمشي بلا هدى وأتسأل في ذهول ماذا حصل معي ؟ وأين أنا ؟ سرت يوم بليلته حاملاً هموم الدنيا فوق رأسي ، و في صباح اليوم التالي رأيت راعي أغنام من بعيد فاتجهت إليه مسرعاً وما إن أقبلت هاجمتني الكلاب وبصرخة من الراعي توقفت وأخذت تتبعني مثل ظلي ، لم يتوقف نباحها حتى اقترب مني الراعي و رمى عليه عمامته وهو يردد : أستر نفسك ، أستر نفسك .

استضافني الرجل و بعدما أخبرته عن ما أتذكره من قصتي .

قال لي : أحمد الله أنك عدت إلى الدنيا بخير ، كنت بين فكي داهية ، و أخذ يردد هذه الأبيات :

إني أتيح لها حرباء تنضبة

لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا .

ساعدني ذلك الراعي و أرجعني إلى أهلي ، و رغم مرور أكثر من أربعين عاماً ما زلت لا أعلم إن كانت هذه القصة حدثت لي فعلاً أم أنها من نسج خيالي ، فأهلي وكل من يعرفني ينكرون أنني عملت في يوم من الأيام كموزع للبريد وكل ما يذكروه إنني كنت فاقد الوعي غائباً عن الدنيا لأكثر من ثلاثة أشهر أثر حادث حصل لي وأنا في سن التاسعة عشر من عمري ، أحياناً أعتقد أن كلامهم صحيح وذلك أن القاص في حقيقة الأمر ثرثار قلمه هو لسانه أنه يحلم بل يُمنّي نفسه بأن يجد قصة ليناجي من حوله حتى لو كانت هذه القصة أقرب لأن تكون أحجية من أساطير الأولين ، وأحياناً أعتقد أنهم يكرهون سماع هذه القصة خوفاً من أن تتلبس بهم شخصياتها

 نعم أعتقد أن هذه هي الحقيقة ، فأنا ما زلت أسمع صدى صوت طبقبوش و وقع أقدامها وأنا أتجول خلفها !.

 

تاريخ النشر : 2019-05-13

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر