الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

جحيم أنثى

بقلم : عبدالله النجيدي
للتواصل : [email protected]

أخبرتها أنني أحبها. ولا أعرف إذا كنت أحبها فعلا أم لا
أخبرتها أنني أحبها. ولا أعرف إذا كنت أحبها فعلا أم لا


تزوجت مجبرا من فتاة كندية حسناء شقراء الشعر خضراء العينين تدعى آني، رغم إدراكي برفض أسرتي المحافظة وعدم تقبل المجتمع.

لم أكن لها ودا يوما، ولم ينفطر قلبي حبا لها، أخبرتها بذلك مرات عديدة. ولسان حالها يقول ابقى بجواري لا تبتعد فالحياة بدونك ضياع في ضياع! في كل مره أردها خائبة بدت في عينيها سحب من الحزن، ارتبكت عيناي عندما رأيت الحزن فى عينيها، هجرتني بسمتي عندما تجمدت شفتيها، لم أعد أرى تلك النضارة فى وجنتيها. مرت الأيام كلمح البصر وهكذا أيام العمر, تتراكض بنا الأيام. لا زلت على موقفي.

هاهو عام 2013 حاملا معه كل التجارب، عام أنطوت فيه صفحة من صفحات الحياة، تخرجت وأنهيت دراستي الجامعية. حينها رحلت دون وداع، رحلت ورحلت معي كل الذكريات، كل ما في الأمر أنني أستعجلت الرحيل ومضيت للديار مشتاقا. في خضم الحياة وضجيجها، أحداث وعمر وأحوال وأفعال تحدث كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة. مرت السنوات مسرعة.


في صبيحة يوم الثلاثاء 23 من أكتوبر من عام 2017 وصلتني دعوة قضائية من محكمة كيبيك سلمني أياها موظف السفارة الكندية، حاولت مستفسرا عن سبب الدعوة القضائية، ولكن كانت الإجابات مبهمة وطلب مني تعين محامي على الفور لمتابعة الموضوع هناك، راودتني الشكوك كثيراً وشعرت بانعدام الثقة مراراً وتكراراً، بدأت الأفكار الشك تطفو على السطح بعدما كانت مدفونة في طيات دماغي. خفقان قلبي يزداد مع محاولاتي الفاشلة بضبطه بالتفكير العقلاني ولكن لا جدوى فحينما يدخل الشَّك من الباب يخرُج اليقين مُهروِلاً من النافذة.

ولكي أبدد الشكوك وأقطع الشك باليقين أعزمت على متابعة الموضوع شخصيا. حجزت التذكرة يوم الجمعة 26 أكتوبر. وصلني اتصال مفاجئ من السفارة الكندية ظهر يوم الخميس 25 أكتوبر يخبرني أنه تم رفض وبطلان الدعوة القضائية الموجه ضدي وأنه لا داعي للقلق. حاولت مجددا أن أعرف التفاصيل ولكن كان الموظف أيضا لا يملك الإجابات. عموما توجهت إلى كندا لكي أبدد تلك الأفكار والخيالات المزعجة.

وصلت كندا مساء يوم 27 أكتوبر والتقيت بالسيد فورديك زميل دراسة قديم ودار حديث الذكريات، نتذكّر ونسترجع تلك الذكريات الجميلة، ذكريات حاولت أن أتهرب منها، ولكن كانت كالهيب يشتعل بداخلي، كم تمنيت أن تخمد وتنطفئ. حاولت أن أثير مسألة من هنا وهناك للكف عن الحديث عنها. ولكنها هي التي تفرض نفسها وقتما تشاء. فجأة عم السكون على وقع أنغام راقية، وروائع موسيقية لأوركسترا الفيلهارمونية ، موسيقى قادرة على مخاطبة جميع البشر من دون استثناء بلغة واحدة. انتهى العرض مخلفا وراءه جمود يعتريه ذكرياتٍ مبعثرة هنا وهناك لم يبق منها غير أطلال.

برهة سألته مستفسرا لأثقب ذاك السكون عن السيدة آني، و يا ليتني لم اٍسأل! أخبرني أن السيدة آني دخلت في نوبة نفسية حادة معقدة تدعى الهوس الشبقي (Erotomania) غير معروفة السبب منذ عام 2015 وعلى أثرها أصبحت أسيرة مستشفى هانوفر، أخذت الرعاية الجيدة وتتحسن حالتها مؤقتا ولكن سرعان ما تنتكس الحالة النفسية للهاوية مجددا واستمر هذا الحال لسنتين. وأنها الآن ملازمة في مستشفى رويال فيكتوريا بعد محاولة انتحار فاشلة بجرعة مروفين زائدة.

في ذلك المساء اعتصر قلبي ألما وكنت أموت قهرا، شعرت بأن أوردتي تحترق، وسالت دماء قلبي حتى تهت فيها. لم أستطع التحدث حتى لأنني لو تفوهت بكلمة لنفجرت باكيا. خرجت من مطعم "سيجنيتشر" (Signature Restaurant). أسير والقلب يرتعد، أسير وحيدا أركض في الحواري والطرقات شارد الفكر منهارا، يومها تساقط ما تبقى لدي من صمود. لم أستطع الصبر ذهبت للمستشفى أسأل عنها

ألتقيت هناك بالآنسة فيكي (الصديقة المقربة من السيدة آني) كنت سعيدا أنني رأيتها لأستفسر عن كل ما حدث، ولكن سرعان ما تبددت السعادة إلى مشاعر مكللة بالحزن فنهالت علي بالضرب والشتائم واصفة إياي بأبشع العبارات. مهددة أياي بالمحاكم ومنظمات إنسانية. حينها وددت لو أن الأرض تنشق فتبتلعني. عدت أدراجي أهيم الطرقات، أتأمل كل العيون فلم أجد سوي الحيرة والألم والتساؤلات، أبحث عن صوت ليخبرني أنني لست مسؤولا عن تعاسة وشقاء انسان.

أدركني التعب؛ فرجعت مُتباطئا في مشيتي من حيث أتيتُ. وبينما أنا مُقترب من شقة السيد فورديك، مررت على اناس قد تجمعوا حول ستارة مكتوب عليها بأنوار ملونة عبارة "لا تفرط في قلب أحبك لأن القلوب أفلست وأصبح من الصعب أن تجد قلبا يمنحك الحب أو السعادة..." الآن فقط أدركت كم كنت غبي. لأنني أقنعت نفسي أنى سأواصل هذا الطريق وحدي.


نمت ليلتي في شقة السيد فورديك وأنا جالس على أريكة البدين إلى بزوغ الفجر أتقلب عليها كما لو كانت جمراً !! مر يوم كامل أنا في شقة صديقي لا أجرو على الخروج تائه.جالت في رأسي أمواج من الأسئلة المتلاطمة في عاصفة من التفكير المشتت.ردَّدَت بصوت مرتفع لأسمع نفسي: لم أسمع شيئاً!
عرف فورديك كل شيئ من الآنسة فيكي. هم ناصحا وقال انتبه قد تخسر الجميع، ارتسمت على شفتي ابتسامة حزينة، فلوح بيديه قائلا ابتسم. لم يفت الآوان، وأكملنا حديثنا، ومر الليل وكأنه لم يكن، أتى الصباح حاملا بشرى سارة، السيدة آني خرجت من المستشفى بعدما كانت طريحة الفراش ل 17 يوما، متخلصا جسدها من كل السموم وعادت إليها عافيتها. السيدة آني مع مجموعة كبيرة من الصحبة في أونتاريو (شلالات نياجرا) لمساعدتها على تجاوز حالتها النفسية وإطفاء جو من البهجة والسرور.

في مساء ذاك اليوم، ذهبنا لنشتري خاتم خطوبة وفعلا اشترينا ذاك الخاتم وامضيت ليلتي احفظ كلمات كتبها لي فورديك يجب أن اقولها أمام آني... لا أدري لما استمريت في كل هذا. يبدو أنها كانت متاهات من التعاطف الشعوري أو أنها مجرد مجموعة أحاسيس من ندم والتكفير عما حصل! عموما بعدها، ظهر اليوم التالي توجهنا إلى مدينة أونتاريو بعدما رتب فورديك كل الأمور مع الصحبة.


بقي لغياب الشمس لحظات.. لحظات ويأتي المساء، جامعا أطرافه متسللاً فى هدوءٍ مخلفاً وراءه صُفرة ً تكسو المكان و تنذر بظلام قادم، نعم أتى الليل مسرعا التقينا بالصحبة بدون علم آني. الصحبة يحذروني من أرتكاب أي حماقات، وعيد وتهديد تارة وتشجيع وتحفيز تارة أخرى. شعرت ذاك اليوم أنني مجبر على شئ، أنني مضطر للقيام بدور لا يناسبني. ولكن في مقابل كل تلك الأفكار كان بداخلي إحساس بأنني قد تسببت في ظلم إنسان ما.. أحساس مؤلم أنني تسببت في تعاسة إنسان.. يالهي ياله من إحساس مؤلم حين يتصارع "القلب والعقل" على شئ واحد فيرفض العقل ويريد القلب وأحتار أنا!

عموما بعد ذاك الصراع ما زالت النفس حائرة. الصحبة يقودوني نحو آني، مجموعة كبيرة وأنا بينهم وسطا، اقتربنا من آني وفجأة ظهرت بين الجموع، اعتصرتني نظراتها العاشقة تركض نحوي حافية القدمين فوق حجارة الطريق الباردة كسفينة مزقت اشرعتها الرياح العاتية وحملتها العاصفة الهوجاء بسرعة، فتهادت برأسها علي كتفي لاحتويها بذراعي و لولا الخجل لحملتها و انطلقت.النسمات العليلة المخملية تمزق مخيلتي وتحرق اورتدي. يا الهي أن تقف عاجزاً عن الإحساس بشعور جميل يتضخم بِه قلب أحدهم تجاهك.. أن تكتشف أنك تمثل شطراً عظيماً من خارطة أحلام إنسان ما.. وتدرك خذلانك المسبق له..أخبرتها أنني أحبها. ولا أعرف إذا كنت أحبها فعلا أم أني (أمثل) أني أحبها؟

تاريخ النشر : 2019-05-14

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر