الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
ملاحظة مهمة : سيتوقف موقع كابوس عن استقبال المزيد من المواضيع مع انتهاء شهر رمضان المبارك .. وذلك لاغراض الصيانة

قصتي

بقلم : تقي الدين - الجزائر
للتواصل : [email protected]

كلما نظرت لنفسك بازدراء أنعكس ذلك على رؤية الناس لك

 ربما جملة من شخص غريب عنكم هي كل ما تحتاجونه لتغيير حياتكم ، ربما كل ذلك التفكير سيزول بمجرد كلمات .

الفصل الأول:

إسمي تقي الدين ، سأتمم الواحد و العشرين ربيعاً في أكتوبر من هذا العام ، حياتي النفسية مستقرة و هادئة ، لكن الحال لم يكن هكذا قبل سنوات مضت ، قيل لي أنني عندما كنت في السن الرابعة لم أكن أحب أن أختلط بأي شخص مهما كان ، كنت منعزلاً و أنا لم أعرف حتى معنى الكلمة ، كان التلفاز هو ملاذي الوحيد للهرب من الواقع حتى اصطدمت به في سن السادسة ، سن الدخول المدرسي ، كان تحدياً كبيراً ، أولاد غرباء و أساتذة غرباء و مكان غريب ، فأنا لم أتعدى مسافة عشرين متر بعيداً عن منزلي ، ظننت أنني مستعد للتحدي فكلما يضايقني أخوي بفكرة الدخول المدرسي كنت أقول : أنني مستعد ، و أنا متأكد مئة بالمئة من ذلك.

يوم أحد غائم و باهت أضحك اليوم كلما أتذكره ، خرجت مندفعاً بثقة لا أعرف من أين أتت ، ممسكاً بيد والدي حتى وصلت للمدرسة التي كانت قريبة من المنزل ، استمعنا للتلاميذ الآخرين يغنون النشيد الوطني و قد رأينا فيهم نفحة من المستقبل فيوماً ما سنكون نحن من يغني النشيد و التلاميذ الجدد يتطلعون إلينا بعين القدوة ، دخلنا أقسامنا و جلست مع طفل بشوش و ودي ، عرف بنفسه فصافحته فالمصافحة لم تكن غريبة علي فقد كنت أخرج مع أبي كثيراً و أراهم دائماً يصافحون بعضهم ، بدأت الأستاذة البشوشة ترينا صوراً و نحن ننظر لها باهتمام حتى انتهت الحصة و مر اليوم الأول بسلام ، تنفس الصباح عن يوم جديد يوم لو سألتني قبل ثلاث سنين لقلت لك أنه يوم دمر حياتي ، جلست أمام صديقي الجديد لكن شعوري اليوم غريب

لم تمر إلا نصف ساعة حتى بدأ دماغي يلعب لعبته القذرة و بدأت الدموع تنهمر من عيني و أنا أتساءل "  أين أمي ، هل هي بخير هل ماتت ؟  طمئنتني الأستاذة أن كل شيء بخير و رافقتني للخارج لأشم بعض الهواء النقي لكن دون جدوى ، و حالتي السيئة لم تتوقف عند هذا الحد فقد كنت أفكر بالذهاب للحمام كل خمس دقائق و هذا مخالف للقوانين الداخلية للمؤسسة فيجب أن أنال تصريحاً طبياً للخروج من الصف أكثر من مرة مما دفعني للتبول على نفسي و أعين الأولاد بالطبع لا ترحم

و من هنا بدأت سنين من المعاناة في المدرسة الابتدائية ، أنا لا أقول أنها أثرت على مستواي الدراسي بل بالعكس كنت متفوقاً ، لكنها أثرت على مهاراتي الاجتماعية مما جعلني شخصاً قليل الحركة محباً للعزلة ، انتهت المدرسة الابتدائية و طويت صفحة من حياتي.

الفصل الثاني:

بدأت الصفحة الأكثر ظلاماً ، المرحلة المتوسطة ، درست في مؤسسة تخضع لقانون الغاب فالقوي يأكل الضعيف و المدير غائب أكثر من حاضر، الأساتذة لهم كل الحرية بتعنيف التلاميذ بشتى الطرق و التفنن في إهانتهم ، ازدادت حالتي سوءً فالجميع كان ينظر إلي بعين الازدراء أو هكذا ظننت ، نسجت رداء الاكتئاب في المرحلة الابتدائية و ارتديته في المرحلة المتوسطة ، و الأوضاع في المنزل لم تكن أفضل ، فالشجارات بين والدي دائماً قائمة و سندي الوحيد كان صديقاً خيالياً اسمه جاك ، يواسيني و يخفف من حزني ، لم أستطع التركيز على شيئين إما مستواي الدراسي أو وضعي النفسي ، فأبقيت جاك لنفسي و لم أخبر به أحداً ، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فمهاراتي الاجتماعية ليست في تحسن ، فالأوركسترا تعزف من طرف الاضطراب الاجتماعي و الاكتئاب و الصديق الخيالي تحت قيادة وافد جديد جنون العظمة ، مما أدى إلى زيادة الطين بلة.

الفصل الثالث:

بدأت المرحلة الثانوية و يبدو أنها ستكون مثل سابقاتها ، فحالتي كما هي لم تتغير و أنا مقتنع أنني بخير و أن قائداً عظيماً مثلي لا يمكن أن يُصاب بضرر ، و كل ما يحس به هو مؤامرة تحاك ضده من قبل قوى خفية ، تحصلت على البكالوريا بتقدير مقبول و تخرجت أخيراً من قيود الدراسة.

الفصل الرابع:

بدأ وعيي يزداد و بدأت سخافة الأمور تتضح ، فأنا مجرد شاب عادي من مدينة صغيرة لا قائداً جباراً ، لكن جاك يقول عكس ذلك و هو يقنعني كل مرة ، حتى جاء اليوم الذي غيّر فيه طفل غريب حياتي ، فبينما كنت جول بعيني هنا و هناك مختلياً بأفكاري الغريبة مررت على مجموعة من الأطفال يضحكون و يمزحون مع بعضهم البعض

فسمعت أحدهم يقول : هذا الطفل ليس بطبيعي ، جملة طفل لم ألتقيه يوماً غيرت حياتي و لو ألتقيه في هذه اللحظة لصافحت يده و شكرته ، جملة حركت في شعوراً دفيناً ، شعوراً فقدته منذ سنوات عديدة ، شعور بالثقة ، و سألت نفسي : هل أنا حقاً مريض؟ اقتنعت أخيراً أنني مريض فبحثت و بحثت عن علاج لهذه الأمراض و وضعت برنامجاً علاجياً بنفسي  التزمت به من المطالعة إلى ممارسة الرياضة إلى مخالطة الناس و التعرف عليهم و غيرها من الأمور التي ستحسن من وضعيتي

 بعد عامين خرجت من عالم خاص بي إلى الواقع وحدي دون مساعدة أحد و دون استشارة أحد ، فالقضية هي قضية ثقة بالنفس لا أكثر ، فكلما نظرت لنفسك بازدراء أنعكس ذلك على رؤية الناس لك ، أحياناً كل ما تحتاجه هو استغلال دفعة ثقة بسيطة قد تأتي على شكل جملة.

تاريخ النشر : 2019-05-22

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر