الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

جراح باردة : هل يمكن ان يموت الانسان مرتان؟!

بقلم : Mark - Sudan

هناك اناس احياء في الظاهر فقط ..
هناك اناس احياء في الظاهر فقط ..

صباح اليوم الاول من اغسطس عام 1992 تصدر الصحف عنوان :"امراة في السابعة والثلاثين من عمرها تلقي بنفسها من اعلى جسر فريمونت كانيون". فمن هي تلك المراة؟ ولماذا اقدمت على القفز من على ذلك الجسر؟.

في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر عام 1973 , في تمام الساعة التاسعة مساءا استأذنت بيكي (ريبكا سامبسون براون) ذات الثمانية عشر عاما والدتها للذهاب مع اختها الصغرى غير الشقيقة ايمي بريدج ذات الاحد عشر ربيعا الى محل بقالة قريب من منزلهم لاحضار بعض المشتريات التي يحتاجونها.
بعد نصف الساعة كانت الفتاتان قد فرغتا من احضار ما تحتاجانه من اشياء وتوجهتا الى حيث ركنت بيكي السيارة قرب المتجر. تفاجأت الفتاة بأن اطارات السيارة مثقوبة وخالية من الهواء ، ولا تستطيع قيادتها للمنزل . اتصلت بيكي بوالدتها بعد لحظات لتخبرها بما حصل وبأنهما قد صادفتا رجلين ودودين عرضا عليهما ان يوصلاهما الى المنزل في طريقهما. ولكنهما لم تصلا ابدا...

صورة ربيكا مع امها وشقيقتها الصغرى ايمي
في صباح اليوم التالي كان زوجان عجوزان يقودان سيارتهما باتجاه النهر للاستمتاع بالصيد في ذلك الصباح الباكر , وفي الطريق لمحا من على بعد جسد فتاة مراهقة نصف عارية تملاها الكدمات وآثار الدماء , وهي متمددة على جانب الطريق. انتبهت الفتاة لوجود احدهم واستجمعت قواها فصرخت بصوت واهن قائلة : (لقد اعتدي علي وقذفت من فوق الجسر واختي الصغيرة ايضا). ومضى وقت قصير قبل ان يمتلأ المكان برجال الشرطة والمسعفين ورجال الانقاذ  .. فما الذي حدث في تلك الليلة المشؤومة..

لم يكن الرجلان الذين ذكرتهما بيكي في محادثتها بتلك الطيبة التي ظنتها حينما تحدثت مع والدتها بالهاتف, فقد راقبا الفتاتان منذ لحظة وصولهما للمتجر كوحشين مفترسين يريدان الانقضاض على ضحيتهما , واستغلا الوقت الذي استغرقته الفتاتان في اختيار المشتروات لتشتيت انتباه المارة وثقب اطارات سيارة ربيكا. وانطلت عليها الحيلة بسهولة , وقبلت عرضهما السخي بطيب خاطر .

وجه احد الرجلين سكينه تجاه الفتاتان بمجرد ان انتهتا من المكالمة وتوجهتا الى السيارة , واجبراهما على الركوب في سيارة الامبالا التي يقودانها , قادا باتجاه الجبال ومن ثم توقفا في جسر فريمونت كانيون قبل ان يطلب احدهما من الاخر ان يسرعا في التخلص من الصغيرة فهي لن تنفعهما في شئ ولم يترددا لحظة قبل ان يبدءا في جرها من السيارة للخارج وقد صرخت لاختها الكبرى : (احبك بيكي) , قبل ان يلقيا بها من على ارتفاع يزيد عن المئة قدم ليتهشم جسدها بمجرد اصطدام جسدها الغض بمياه نهر بلات. فتكون تلك اخر كلمات يتردد صداها الى الابد على اذن اختها الكبرى.

الجسر الذي تم رمي الفتاتين منه

بعدها بلحظات تناوب الرجلان على اغتصاب بيكي ومن ثم حاولا جرها الى خارج السيارة وهما يخبرانها انها على وشك ان تلتقي باختها الصغرى واستطاعت ان تقاومهما قليلا الا ان احدهما قام بخنقها الى ان تمكنا من جعلها تصعد الى اعلى السور ويلقيا بها هي الاخرى من نفس المكان, ليتأكدا من انها قد ماتت , ولكن باعجوبة استطاعت بيكي ان تنجو من هذه السقطة المدوية رغم اصطدامها بحافة صخرية دلفت بها الى اعماق النهر لتمتص المياه اثر الصدمة.

اصيبت بيكي بجراح غائرة وعدة رضوض وكسرت حوضها .. في المشفى استجوبتها الشرطة لتدلي باوصاف الخاطفين الذان اعتديا عليهما , فاجابت بان احد المهاجمين كان نحيفا ذو شعر داكن وعينان مجنونتان بينما الاخر ممتلأ شاحب اللون ودهني الملمس , وكلاهما تفوح منهما رائحة الشراب.
لم تستغرق الشرطة وقتا طويلا في التعرف على كل من رونالد كيندي - 27 عاما - وجيري جينكنس - 29 عاما - المجرمان المحليان صاحبا السوابق الذين اعتادا ارتياد الاصلاحيات والسجون منذ طفولتهما.

المجرمان بعد القاء القبض عليهما

اسرعت الشرطة بالقاء القبض على كل من المتهمين والبدء في جمع الادلة لاثبات وجود الفتاتين في سيارة جينكنس تلك الليلة. وشعر الاخير بالارتباك فحاول ان يدعي انه كان فقط يماشي كينيدي وانهما كانا قد تجرعا الشراب لساعات حينما اختطفا الفتاتين.
حاول الدفاع اتخاذ حجة الجنون متحججين بأن كلا المجرمين قد عانا طفولة قاسية كانت سببا في صقل وحشيتهما وادمانهما للجرائم ولكنها لم تكن في نظر المحلفين سببا كافيا لينطبق عليهما مصطلح مجنون , خاصة وان مافعلاه كان مخططا له ولم يكن بحال من الاحوال تفكير شخص فاقد لعقله.

بعد اقل من خمس ساعات من المفاوضات وجدت هيئة المحلفين كل من المتهمين مذنب بجرائم الاعتداء, الاغتصاب والقتل وعليه يستحق عقوبة الاعدام بالحقنة السامة. مع تحديد موعد التنفيذ خلال عام من النطق بالحكم.
قام المجرمان برفع استنئناف ونجحا لاحقا في مطلع العام 1977 في عكس حكم الاعدام الى مؤبد حتى ان كيندي تحديدا استطاع الحصول بصورة ما على امتيازات منها اقتناء حيوان اليف, المواعدة, زيارات زوجية مع زوجته الجديدة وكتابة مذكراته. ولكن جينكن من الناحية الاخرى لم يمتلك نفس القدر من الحظ اذ وافته المنية بسبب الفشل القلبي في العام 1998.

احتاجت بيكي وقتا طويلا لتشفى تماما من الكسور والجروح التي اصيبت بها لقاء الحادثة , ولكن وبالرغم من انها كانت تبدو كما لو انها تماثلت تماما للشفاء وبدات تتأقلم مجددا مع حياتها واستطاعت ان تكون صداقات جديدة بمن فيهم المحقق دوفالا نقيب الشرطة في المنطقة الذي كان من ضمن الفريق الذين هبوا لانقاذها ومن ثم تزوجت ورزقت بطفلة ملائكية جميلة, الا انها كانت ممزقة من الداخل , يتآكلها الشعور بالذنب كونها الناجية الوحيدة في الحادث الذي فقدت فيه اختها الصغيرة التي لم تستطع ان تنساها وظلت تطاردها ذكراها في كل لحظة من حياتها طيلة التسعة عشر عاما التي تلت الحادثة فلم تكن تنعم بلحظة فرح نقية من دون ان يعكر صفوها تلك الليلة السوداء المريرة.
ربما حاولت ان تنسى ما حدث بادمان المخدرات ومعاقرة الكحول , ولكن الحزن نجح في تبديد اي ذرة امل لديها , ومما زاد من يأسها طلاقها من زوجها الحالي فتملكها هوس ان كيندي وجينكن قد ينجحا في محاولة طلب محاكمة جديدة ويطلق سراحهما حرين.

في اخر جمعة من شهر يوليو عام 1992 وفي ليلة صيف دافئة , قادت ربيكا السيارة مع طفلتها وصديقها الى جسر فريمونت كانيون , ترجلا من السيارة وألتهى صديقها للحظة لاجل وضع الطفلة في السيارة ولم يلتفت الا لصوت ارتطام مدوي في المياه ليجد بيكي قد اختفت من خلفه ومن شدة دهشته لم يستطع ان يحدد ما اذا كانت قد زلت قدماها اثناء وقفوها اعلى الجسر وهو غير مرجح أم قفزت!

رمت نفسها من نفس المكان .. وماتت هذه المرة

وجه الصحفيون اسئلتهم للشريف ديفيد دوفالا عن ماهية ما حدث فعلا واجابهم بأن بيكي قد قتلت قبل 19 عاما يوم توفيت اختها , ولكنها ماتت فعليا اليوم..
وربما لم تستطع السلطات الجزم تماما بنوع الحادثة الا ان كل من عرف بيكي علم في قرارة نفسه انها نهاية متوقعة لكابوس عانت منه قرابة العقدين من الزمان. المؤسف في الامر ان موتها سبق بايام قليلة اعلان رفض اي محاكمة جديدة لكينيدي وجينكن على عكس مخاوفها . لكن احيانا الناجي الوحيد لا يستطيع ابدا التخلى عن عقدة ضميره بسبب المأساة التي خاضها.

ملاحظة : هذا المقال في حال قبل هو اهداء لروح جدتي والتي كانت علاقتي بها فاترة جدا في الفترة التي سبقت وفاتها , ومازال يؤنبني ضميري لهذا الموضوع فلطالما تذمرت, امتنعت واشتكيت من خدمتها في مرضها , بل ولم اهتم حتى إن توفيت ام لا ... ولكني الآن اتمنى لو يرجع بي الزمان الى الخلف لامتنع عن ما فعلت, فأرجو من كل من قرأ المقال الدعاء لها بالرحمة وإن في سره.

المصادر :

- Woman dies near same Wyoming bridge where she and sister was killed, she was raped 19 years earlier
- A CRIMES LASTING WOUNDS

تاريخ النشر : 2019-05-25

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر