الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

انترومنيا .. حينما يكون الحب وهما

بقلم : Mark - Sudan

كون الانسان محبوب شيء جميل .. لكن ليس دائما ..
كون الانسان محبوب شيء جميل .. لكن ليس دائما ..

يحبني ..لا يحبني

حكى احد الاطباء عن قدوم احد المرضى اليه بشكوى مفادها انه كان يتواصل عن طريق احد مواقع التواصل الاجتماعي مع احدى نجمات هولييود الشهيرة وانها اعترفت له بوقعها في غرامه ورغبتها في ان يكونا معا.. ليكتشف الطبيب لاحقا انها ليس فقط لا تحبه كما ادعى , بل لا تعرفه حتى! ولكن مريضه هذا نجح بصورة ما في ان يترجم كل منشور وكل تعليق تضعه الممثلة في صفحتها على انه تعابير حب وعاطفة خفية برسائل مشفرة موجهة اليه ..مع انها لم تكن سوى صفحة عامة تتبادل فيها الممثلة المواضيع والتعليقات مع معجبيها كما هو الحال عادة..

ولكن لدى مواجهة الطبيب له بالحقيقة لم يستطع تقبلها او محاولة الاقتناع بها بل انه في افضل الاحوال كان يتساءل بغضب انه لو كانت فعلا هذه هي الحقيقة فلما قادته هي لتلك الاحساسيس صوبها.

غيتان غاتيان دي كليرامبولت
في الطب النفسي التمسك بوهم كاذب بأن شخصا آخر(في العادة شخصية معروفة ) واقع في حبك يطلق عليه اسم أنترومنيا او "متلازمة دو كليرامبو" نسبة الى مكتشفها غيتان غاتيان دي كليرامبولت (Gaetan Gatian De Clerambault) في العام 1985... وفيها يصل الامر بالمصاب بهذه الهلوسة لأن يراكم اهتمامه الوهمي لتتحول الحالة من مجرد اعتقاد او هلوسة الى حالات ترصد شهيرة حدثت لعدة مشاهير عبر السنين امثال جودي فوستر , ديفيد لترمان, كيارا نايتلي , مادونا, ساندرا بولوك ... وانتهى بعضها بصورة ماساوية كما حدث مع نجمة البوب اللاتنينية سلينيا بيريز التي قتلت على يد معجب مجنون رميا بالرصاص في غرفة فندق صغير.

بالرغم من ان اسم انترومنيا او دي كليرامبو قد اطلق على هذه الظاهرة رسميا في العام 1985 الا انها كانت موثقة منذ عهود الاغريق القديمة ,عندما وصفها هيبوقراط وقالين قبل الف عام مضت. كما وانه ومنذ قبل قرن من الزمان وثقت حالة لمريضة انترومنيا كانت تقف في خارج قصر بيكنغهام ناظرة الى غرفة الملك جورج الخامس متيمة بكل حركة يقوم بها ولو ان المسكين اقدم على تحريك ستارة النافذة ليرى قليلا او يستنشق بعض الهواء النقي , حيث ترجمت هي مباشرة حركته البديهية هذه على انها اعلان صريح عن حبه لها ... كما لم يغب ذكر نفس الظاهرة في وصف خمس حالات وردت على احد الاطباء النفسيين الفرنسيين في العام 1921 اي قبل اربعة وستين عاما من الحالة التي جعلت دو كليرامبولت ينسبها لنفسه.

ليست حالة جديدة .. بل معروفة منذ زمن الاغريق
وقد اسهمت وسائل التواصل الاجتماعي من دون قصد في خلق هذا النوع من الاوهام حينما يتوهم المريض رجلا كان او امراة ان فلان او علانة واقعة في حبه من مجرد تعليق عابر لهذه الشخصية , صورة قام برفعها إلى حسابه ، او تدوينة كتبتها على صفحتها.

وقد يتحصل المريض على معلومات شخصية تخص طريدته ربما لسوء حظها توصله اليها لينتهي الامر به على يد الشرطة او بها في تابوت.

قد تنبثق هذه الظاهرة بسبب ضغط نفسي , جينات موروثة , اصابة ما , سكتة دماغية, نزيف دماغي , حدوث الخرف او اي نوع من الخلل العصبي مما يرجح انها مرتبطة بحدوث خلل في الفص الجبهي الصدغي للدماغ (Fronto-temporal lobe).
بينما ربطها البعض بعدد من المتلازمات المصنفة تحت عنوان متلازمات عدم التعرف مثل متلازمة كابغراس (وفيها يعاني المصاب من اوهام ان الناس قد تم استبدالهم بدجال) ومتلازمة فريغولي (والتي يظن فيها الفرد ان شخصا واحد يسطير على مظهر وهوية عدة اشخاص اخرين). بمعنى انها وثيقة العلاقة بخلل في التعرف على وجه من امامك والتي تنسب علميا لاصابات النصف الأيمن من الدماغ.

والدليل على ذلك ان المصاب بهذه الحالة يخطئ في التعرف على حب هو في الاساس غير موجود..عبر قراءة تعابير الوجه او ايماءه في صورة للضحية, منشور على الانترنت او تفاعل اجتماعي عام, مع ضعف في القدرة على ادراك ما تفكر او تشعر به حقيقة. بمعنى ابسط ان يظن ان الشخص يحبه وهو في الحقيقة لا ينتبه لوجوده اصلا. ولا يميز بين الخيط الرفيع الذي يفصل بين المثابرة في الحصول على انتباه شخص تحبه والوقوع في طائلة التربص والترصد والملاحقة المرضية لينتهي به الامر في السجن. ربما لم يكن الامر سوى علاقة من طرف واحد في بحثه عن شريك حياته انحرفت في منعطف ما لتصبح متطرفة جدا.

مشاهير كثر تعرضوا للمطاردة من قبل معجبين مهوسيين

تصيب الظاهرة غالبا النساء تجاه رجل اكبر سنا ذو مكانة اجتماعية مرموقة وبدرجة اقل وفي مراحل ابكر الرجال تجاه امراة جذابة اصغر سنا , ولكن الاختلاف هو شعور الرجل بغيرة تجاه معشوقته الوهمية لينخرط في تحرشات او اي انتهكات غير شرعية اخرى. اي انها تأخذ نفس النمط المتعارف عليه في سلوك الذكور والاناث التزاوجي الطبيعي, وبالرغم من انها تكثر لدى النساء بطبعهن الا ان اشهر حالتها كان ابطالها رجال بسبب نهاياتها الدرامية المدوية في اغلب الاحيان!

المغنية سيلينا قتلت على يد رئيسة نادي المعجبين بها

لا يخفى عن البعض ان الحب المتبادل الطبيعي قبل ان يلقى تجاوبا من الطرف الاخر كان في لحظة ما في احدى مراحل تطوره علاقة من طرف واحد اي توهم منه قبل ان يصارح شريكه ويتقبله ليتبادلا نفس المشاعر. او قد تتخذ الظاهرة عنصرا اخر في هيئة زوج او زوجة لا يشعر بالاكتفاء العاطفي تجاه شريكه فيبدأ بايهام نفسه بانه في علاقة ممتازة جدا او ان زوجه افضل حتى منه.. او ان زوجها او زوجته تحبه اكثر مما يحبها هو .. ربما تكون هذه الاوهام الانترومانية اللاوعيية مبالغ فيها ولكنها مهمة من وقت لاخر لدعم استمرارية علاقة ودية طيبة.. فأنت او انا قد نتوهم بعض الاشياء بصورة خفيفة من حين لاخر .. لا ينتج عنها ضرر.

طيب ما الفرق بين بداية العلاقة الطبيعية المتبادلة هذه و الانحراف لدرجة الانترومنيا؟ ..

يميل مريض الانترومنيا الى اتباع سلوك المطاردة والمضايقة المستمرة عبر ارسال الرسائل النصية ,الايميلات ,المكالمات الهاتفية بل وحتى الهدايا في بعض الاحيان .. كما يحرص اشد الحرص على اقتناء كل ما يمت بصلة لمعشوقه او معشوقته من افلام , مجلات , صور و كتب في بحثه المضني عن اي رسايل مشفرة موجهة له.

اذن كيف افرق بينها وبين اي اضطراب توهمي اخر ؟

اتفق علماء النفس على وجود خمس خواص للتشخيص والتفرقة بين الانترومنيا والاضطرابات النفسية الاخرى كانفصام الشخصية,اضطراب ثنائي القطب ,والزهايمر وهي:

*استمرار اوهام غريبة لمدة شهر او او اكثر.
*بالرغم من وجود الاوهام لم يتم تشخيص مرض الفصام وتم استبعاده بالفحوصات المقررة.
*لم يضعف الاداء العام والسلوك للشخص المصاب كما في حال الزهايمر.
*الهوس او نوبات الاكتئاب قصيرة مقارنة بطول الاوهام.
*واخيرا لا يمكن ان تعزى هذه الاوهام الى الآثار الفسيولوجية لمادة ما ,حالة طبية اخرى او اي اضطراب عقلي اخر .

يكون علاج الاضطراب الوهمي صعبا

بمجرد تاكد ان هذا الشخص هو فعلا مصاب بمتلازمة دي كليرامبو يمكن ان يكون علاج الاضطراب الوهمي صعبا لان المتأثرين غير قادرين على مواجهة ان معتقداتهم لا اساسا لها من الصحة. عدد قليل نسبيا منهم قد يبحث عن العلاج من تلقاء نفسه . كما يجب ان يكون العلاج مخصصا لاحتياجات اي شخص مصاب على حدة , كالمحافظة على وظيفته الاجتماعية ,تقليل سلوكه الاشكالي والحرص على تحسين نوعية حياته بتوفير تدريب على الحياة الاجتماعية والمساعدة على التعامل مع مشاكله الناشئة من شبقه الجنسي في المستقبل. التركيز على علاج الاضطراب الاساسي بواسطة الادوية مع الحرص على امتثال المصاب لخطة التشافي المتفق عليها وتثقيفه حول مرضه . ربما يجبر المريض احيانا على دخول المصح اذا راى الطبيب انه يشكل خطرا على نفسه او غيره. لحسن الحظ فنسبة العلاج مع عدم الانتكاسة هي عالية جدا في هذا النوع من الانحراف الجنسي .

ختاما

ربما عليك عزيزي القارئ ان تفكر مرتين قبل كتابة اي معلومة شخصية عنك او رفع صورة في احد منشوارتك العامة تبتسم فيها للكاميرا .. فأنت لا تدري من يجلس على الشاشة المقابلة وبماذا يفكر ..فربما تفاجأ به عند عتبة منزلك مع باقة ورد او سلاح محشو!

المصادر :

- Erotomania: When Love Is a Delusion
- De Clerambault Syndrome (Erotomania): A Review and Case Presentation
- Rejected, love-obsessed and erotomanic: Inside the disturbed mind of a stalker
- Erotomania
- Murder of Selena
- عندما يُفْضي الحب إلى الجنون

تاريخ النشر : 2019-06-06

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر