الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

من أجل روزا

بقلم : النصيري - مصر

الرجل الذي أحبها واغدق عليها بدون حساب بالرغم أنها لا تحبه

 

روزا أمرأة في سن الثلاثين ، جميلة بشكل ملفت للنظر ، تشم منها رائحة العطر ومساحيق التجميل من مسافة بعيدة ، تزوجت روزا من ماجد البنهاوي رجل أعمال على درجة كبيرة من الثراء ، أموال في البنوك وعقارات وشركات وقد أعطته الدنيا الكثير ولكنها ضنت عليه بالوسامة والجمال واختصته بالدمامة بشكل منفر ، لم يكن هو الوحيد بل أختيه كانتا دميمتين تركهما قطار الزواج رغم محاولات أخيهما ماجد البنهاوي بوضع الإغراءات المادية لمن يرغب في الزواج إلا أن كل من تقدم لاذ بالفرار وشعرت الأختين باليأس فلم يفكرا بالزواج وتفرغتا للاستمتاع بحياتهما من رحلات وملابس وسيارات وطعام وشراب ،

ماجد سعيد الحظ إذ وافقت روزا على الزواج منه إذ عرف موطن ضعفها فهي من أسرة فقيرة تتكون من سبع أفراد تحتاج إلى العون ، فأغدق عليها وأسرتها الأموال والهدايا بشكل كبير ، شل تفكير روزا وأسرتها ، بعد مرور عامين من زواجها وأصبح بريق الذهب ومتع الحياة التي يقدمها ماجد لروزا وأسرتها بسخاء شيئاً عادياً ، بدأت تفكر وتتأمل زوجها فلم تر فيه الزوج الذي تحلم به وكأنها تراه لأول مرة وتذكرت تعليقات المارة في الشارع عندما تكون معه بأنها متزوجة من قرد ، طلبت منه عدم الخروج معاً ، وافق ماجد لإرضائها ، شعرت بأنها في حلم مزعج وتمنت أن يكون حلم النائم ينتهي بالاستيقاظ ولكنه حلم في الواقع قد تحقق ، عضت على نواجذها وادركت أنها باعت نفسها من أجل أموال ماجد وهدياه ، حمدت الله بأنها لم تنجب منه ولكن كيف تنجب وهو غير مؤهل للأنجاب ، ضحكت روزا ضحكة مكتومة تحتويها مرارة لا تشعر بها إلا هي ، نظرت إلى الجدران فأحست أحساس جديد أنها في سجن به كل متطلبات الحياة ولكن شيء ينقصها ، أنوثتها وعواطفها التي تجمدت منذ تزوجت ماجد ، هل الحياة مجرد طعام وشراب وأموال ؟ هي الأن في مصيدة تريد الخروج ، هل تصرخ النجدة أنقذوني ؟ فكرت في الطلاق و تراجعت بسرعة عن ذلك ، كيف وماجد ينفق بسخاء على أسرتها ؟ هي تريد الفوز بكلتا الحسنيين الخلاص من ماجد والاحتفاظ بأمواله ،


تزايدت دقات قلبها عندما راودتها فكرة شيطانية قتل زوجها ، فبقتله تنال الحسنيين معاً ، ستصبح ارملة ماجد البنهاوي و وريثته ، ومنذ هذه اللحظة بدأت هذه الفكرة تطاردها وتغيرت نظرتها لماجد فأصبح بالنسبة لها هدفاً ، حاولت أن تغير من معاملة ماجد من الاختلاف والمشاجرات إلى الود والحب وكثرة الخروج وذلك جزء من خطة الخلاص منه ، الذي اغدق عليها من عطفه وأمواله وجن بها وأصبحت شغله الشاغل وهو لا يعلم بما في نفس زوجته نحوه ، ما ذنبه في أنه تعلق بروزا ولفت أنظار الجيران بكثرة خروجه معها ، ربما يكون ذلك جزء من الخطة وهي لفت الأنظار بأن لا خلاف بين روزا و زوجها ماجد البنهاوي ، هل تؤجر من يقتله ؟ ربما يفتضح أمرها ، هل تضع له السم فيموت بطيئاً ؟ ولكن كيف ذلك فهي حديثة عهد بذلك ؟ إذاً كيف العمل ؟ أخذت تصب اللعنات على حظها العاثر الذي وضعها في طريق ماجد البنهاوي ،


لم تكن معاملاته في السوق عادلة فهو له مخالفات مالية مع من يشتري منهم البضائع و المصانع وأصحاب التوكيلات ، فإذا اشتري طرداً دفع جزء و أجل الباقي إلى أن تراكمت عليه مبالغ هائلة ، فإذا هدده صاحب التوكيل اسرع واشتري من توكيل أخر مما أزم الموقف و وصل الأمر إلى المشاجرات وطرح الأمر أمام المحاكم التي يطول انتظار العدالة منها ، نصحه مدير أعماله بسرعة تسديد ما عليه من أقساط متأخرة حتى تتمكن شركاته من الاستمرار و إلا أُغلقت تجارته وتعرضوا للخسارة ، ليس هذا سلوك ماجد مع من يبيعون له البضائع وإنما مع العمالة والموظفين لديه ، لدرجة أنهم اجتمعوا لديه يطلبون منه رفع الظلم عنهم ، إلا أنه هددهم بالفصل والطرد ، تراه بشكل مختلف تماماً أمام روزا عن ماجد سليط اللسان ذا قلب قاسي أمام عماله ومن يتعاملون معه ، لم يشك البنهاوي لحظة واحدة في سلوك روزا ربما ذلك بدافع حبه لها حباً مجنوناً فهو يراها الملاك الطاهر البرئ أو ربما كما يظن أنه أغفل قلبها عن غيره بإغدافه عليها بالأموال ، فإذا خانته خافت على هذا النعيم أن يضيع منها ،

وحاول أن يختبرها بالتجسس عليها فسمع منها ما يرضي غروره و ربما قد تكون شعرت أن زوجها قد سلط عليها من ينقل له أخبارها بدون أن تعلم ، والحقيقة أن روزا لم تفكر في خيانته باعتباره الرجل الذي أحبها واغدق عليها بدون حساب على الرغم أنها لا تبادله مشاعر الحب ، إلا أنها لم تتعود منطق الخيانة ، فاذا تمكن الملل إلى قلبها ستقاوم مشاعرها وتبقي عليه إلى أن تحين الفرصة لتنفيذ ما وصلت إليه للتخلص منه ، ذات ليلة تبادل معها الحديث وسألها عن سوء معاملتها له على الرغم أنه يحبها  ولم يجبرها على الزواج منه ، نظرت إليه نظرة عابرة بانه خدعها بماله وهداياه وهو يعلم مدى حاجتها لهما ، قفز جالساً بجوارها : أذن ما المشكلة في ذلك ؟ وهي تردد سؤاله : المشكلة أنك ليس الرجل الذي كنت أحلم به ، صفي لي ذلك الرجل الذي تحلمين به وأحاول قدر جهدي أن أكون مثله أو أحسن ،ضحكت روزا ضحكة اربكت البنهاوي واستمرت في ضحكها و هي تردد كلمة مجنون ، ثم توقفت عن الضحك والتقطت أنفاسها وعادت تردد : بالتأكيد أنت مجنون ، ثم غيرت أسلوبها عندما تذكرت بأن تقضي على الخلافات بينها وبينه تمهيداً لقتله والتخلص منه ، بلغة الحب والمودة شعر البنهاوي منها بالتقرب إليه فطرح عليها سؤالاً : لماذا لم تطلبي الطلاق ؟ وهو يخلع ملابسه ليرتدي ملابس النوم ، ردت على الفور : هيا طلقني ، قاطعها قائلاً : لن استطيع ذلك ، فأنت كل حياتي وكل ما أملك ، انتهى ماجد من تغيير ملابسه ومدد جسده على السرير وشد عليه الغطاء ليقي نفسه برودة شهر يناير القاسية ودعاها إلى النوم فرفضت مدعية أنها لا ترغب في النوم وارتمت على إحدى الأرائك أمام جهاز التلفاز ، بعد بضع دقائق أرسل إليها البنهاوي شخيراً زاد من قلقها وقلة نومها ، تأخر البنهاوي في عمله وكثيراً ما تأخر دون أن يسأل عنه أحد و ربما تكون هناك أعمال يقوم بها ، ولأن التأخير بلغ يومين حاولت روزا أن تستفسر عن تأخره من أختيه ، ولكنهما أكدتا لها أن هذا الأمر لا يهمهما ، تظاهرت روزا بالقلق و الارتباك لغيابه ليلتين متواصلتين وأمسكت بالتلفون المحمول ليعطيها الرد مغلق ، ماذا حدث ؟ شعرت بداخلها بسعادة غريبة وتمنت أن ما يدور بداخلها قد حدث وبتأخر الوقت أغلقت روز بابها واستلقت على فراشها بدون اهتمام لغياب زوجها واستغرقت في النوم كأنها لم تنم منذ فترة طويلة،


أشرقت شمس يوم جديد على غياب البنهاوي ، تسلل القلق إلى أختيه و بدأ يسألان روزا : أين ذهب أخيهما ، هل  تعلمين ؟ أنكرت روزا أين اختفى وأنكرت أنها لا تعرف ولم يخبرها ، اتصلوا بشركاته وكل أصدقائه فلم يأتيهم بجديد ، اقتربت الساعة من السادسة مساء واذا بخبر يأتي روزا عن طريق محمول زوجها ولكن لم يكن هو المتصل ، يرد عليها شخص ذا صوت مرتجف وتسمع حوله أصوات كثيرة وكان السؤال الأول : هل هذا منزل ماجد البنهاوي ؟ ردت روزا بالإيجاب و واصلت السؤال : من أنت ، وماذا حدث لماجد ؟ رد الرجل : ما صلة القرابة بينك وبين البنهاوي ؟ فردت : أخبرني ماذا حدث له ؟ اسرع الرجل بالإجابة : سيدتي أنا الملازم أول من جهاز الشرطة ، لقد وجدنا جثة البنهاوي ملقاه في إحدى مكبات النفاية مذبوحاً ، مفصول الرأس عن الجسد ، ماذا تقربين للقتيل ؟ تأوهت من هول المفاجأة التي لم تتوقعها ، أنا زوجته ، سارع بالسؤال لأن الموقف لا يحتمل التمهل : اكتبي يا سيدتي موقع الجريمة ، ولم يمهلها السيد الملازم أول بأن تأتي بورقة لتكتبه وإنما استخدمت ذاكرتها شعرت روزا بشيء من الحزن وبدأت عيناها تدمع وتأوهت ، ولكن لماذا هذا وهي كانت تود هذه النهاية لزوجها ، لم تجد تفسيراً لهذا الشعور وأنكرت أن تكون قد أحبته واستقر رأيها بأنها العشرة أو الزمالة ، ضحكت روزا من نفسها علي كلمة زمالة هكذا خرجت روزا من شقتها لتخبر أختيه ، و زادت من علامات الحزن والبكاء وأخذت تضرب الباب بيديها ثم ضغطت الجرس ، فُتح الباب وخرجت الفتاتين بأجسامهن الضخمة وقبل أن يستفسرن عما حدث فاجأتهما روزا بما حدث لأخيهما ، على الرغم من معاملة أخاهما السيئة لهما إلا أن الأخوة استيقظت وظهرت أمور كانت خفية عليها وهو أن البنهاوي أخيهما الوحيد فليس لهما غيره ليقوم برعايتهما وأنهما يعيشان في كنفه ،

وصلن إلى موقع الجريمة ليعرض عليهن جثة البنهاوي للتأكد منه وكان المنظر بشع لهن وبخاصة روزا التي وقعت مغشياً عليها عندما رأت الرأس مفصولاً عن الجسد ، لم ينتهي الأمر بدفن البنهاوي بعد المزيد من التحقيقات أمرت النيابة بدفن الجثة مع استمرار البحث عن الجناة الذين ارتكبوا الجريمة ، ظهر سؤال لدى الجميع : من قتل البنهاوي بهذه الطريقة البشعة والتمثيل بجثته ؟

استدعت النيابة السيدة روزا لأخذ أقوالها من أسئلة النيابة التي وُجهت إليها : أين كانت منذ اختفاء زوجها ؟ وكانت الإجابة أنها لم تغادر منزلها و أنها حاولت الاتصال به عندما تأخر ليومين ولكن الهاتف كان مغلقاً وأجابت على سؤال أخر : هل لزوجك أعداء ؟ أنكرت فهي لا تعرف شيئاً عن علاقاته بالأخرين ، مر عام على قتل البنهاوي دون معرفة الجاني الحقيقي ولم يكن أمام النيابة إلا أنها قيدت الجريمة ضد مجهول ، بدأت روزا تبحث عن نصيبها من ميراث زوجها حتى تتفرغ لمستقبلها إن أرادت أن تكرر تجربة الزواج وتجد من يعوضها عما فقدته مع البنهاوي فهي لا تزال صغيرة فليس في ذلك عيب أو حرمة ، دق قلبها بعاطفة الأمومة فهي ترغب بشكل ملح بأن تصبح أما ، وضع محامي البنهاوي الأوراق وما يخص المعاملات والعقود أمام الورثة ، فوجئ الجميع على وجه الخصوص روزا التي كاد أن يطير عقلها من هول المفاجأة فالأمر سيغير من حياتها ، سيضعها في صفوف أصحاب الملايين فقد كتب لها البنهاوي جزء كبير من عقاراته وشركاته و ودائعه في البنوك ولكن هل حبه لروزا جعله يضع جزءً كبيراً من أمواله لها ؟ لم تسأل عن سبب ذلك فهي تعيش اللحظة فليذهب البنهاوي إلى الجحيم ، هذا بالإضافة إلى نصيبها الشرعي فيما تبقي من ثروته ، تسلمت روزا أموالها و استعانت بأهل الخبرة في إدارتها ، أصلحت أحوال الشركات المالية وأمنت على العاملين و حسّنت أحوالهم المادية فنالت الاحترام منهم والتفاني في إخلاصهم نحو أموالها وشركاتها ،

في منتصف الليل ردت على هاتفها فإذا بشخص يقدم لها التهاني على ما وصلت إليه من ثراء ، حاولت أن تتعرف عليه ، عرفت منه أنه مغرم بها من قبل أن تتزوج البنهاوي وكان سيتقدم للزواج بها إلا أن البنهاوي قد سبقه إلى ذلك ، لم تجد شيئاً يثير اهتمامها إلا الاعتراف لها بسر خطير سايرته في كلامه وأنها تمنت لو أنه سبق البنهاوي إليها ، اطمئن إليها أعترف لها بأنه من قتل البنهاوي من أجل أن يفسح الطريق أمامه للزواج بها ، هزتها هذه الكلمة وخافت أن يجرها ذلك إلى قلب الجريمة أو يسبب لها المتاعب من قبل هذا العاشق التي لم تعرف أسمه ، فضلت الهجوم قبل أن تصبح في موقف الدفاع إذا ما وقعت كمتهمة ، أسرعت للبلاغ عن صاحب هذه المكالمة المسجلة لديها ، قُبض عليه و عندما سمع اعترافه المسجل أقر بالجريمة وأكد للنيابة أنه غير نادم على ما فعل ، عندما رأى روزا صرخ بصوت مرتفع هز أركان المحكمة :روزا أنا قتلت من أجلك ، أريدك لي أنا لا لأحد غيري ، أخذ  يجأر بصوت كالرعد والجنود يسحبونه خارج قفص الاتهام ، بسجن ذلك المجنون بحبها لم ينته الأمر ولم يستقر الأمر لروزا فعرف هذا العاشق وراء جدران السجن بأنه مجنون روزا وأخذ يقص من خياله أحداث جمعته بها وأقسم للجميع أنه سيعود لها قريباً ولن يستطع أحد أن يفرق بينهما ، وفوجئت بأختي أرملها برفع دعوي تشكك في الأملاك التي كتبها لروزا و دخلت روزا في دوامة رفع الدعاوي أمام المحاكم والإشاعات التي تأتي من السجن بأن مجنونها سيهرب قريباً من السجن ليمحو جمالها بسكب مياه النار على وجهها حتى لا يكون هذا الجمال لغيره ، أسرعت روزا إلى الشرطة طالبة الحماية من ذلك المعتوه ، أصبحت في دوامة خاصمت الراحة والنوم أجفانها واحتمت في مسكنها وشكت فيمن حولها واستأجرت حراس يحملون السلاح لحمايتها ، وحكمت المحكمة لصالحها في الأملاك التي كتبها لها أرملها مما أشعل الحقد في نفسي أختي أرملها ، أصبحت في دوامة وخوف دائم من المجهول أن يضيع جمالها أو ربما يضيع بصرها إذا ما أخطأ المجنون بسكب مياه النار على عينيها ، لعنت نصيبها من الجمال الذي جلب لها المتاعب وأصبحت هدفاً لطمع وشهوات المارقين ولعنت المال الذي لم يوفر لها إلا عدم الأمان وطمع الأخرين وتملقهم وريائهم ،

شعرت روزا بالضعف والإحباط و رغبت في الخلاص من الدنيا وراودتها أفكار بالانتحار ولكن طعم الحياه تجذبها فتعود مرة أخرى أكثر حباً لها وتمسكاً بها ، ويبدو أن الحظ رجع يبتسم لها ، إذ جاءها خبر مجنونها بأنه أثناء محاولته الهرب من السجن وقع من أعلى السور فكسرت رقبته وفارق الحياة بداخل المشفى التابع للسجن ، وهدأت الأمور واختارت من يشاركها حياتها ، أما ماضيها فلا يُنسى.

تاريخ النشر : 2019-08-24

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر