الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

مأساة "التنين المحظوظ" التي الهمت صناع جودزيلا

بقلم : شريف ابو معاذ - مصر
للتواصل : [email protected]

قد يبدو فيلما خياليا لكن وراءه قصة مأساوية
قد يبدو فيلما خياليا لكن وراءه قصة مأساوية

جودزيلا هو ذلك الوحش الاسطوري الذي نتابعه بكل شغف كلما صدر له فيلم جديد ، وحش لا يمكنك ان تعرف اذا ما كان ديناصورا كاملا ام هناك جينات اخرى تداخلت في تكوينه ... ونحن اليوم بصدد الدخول الي عالم جودزيلا والتعرف على كيف جاءت فكرة هذا الوحش وما هي المأساة التي الهمت صانعوا فيلم جودزيلا.
واليوم نسلط الضوء علي اول افلام السلسله .. فيلم جودزيلا او "جوجيرا" كما ينطقها اليابانيين ، من انتاج عام 1954 ...

قارب صيد تونة ياباني صغير يطفو بهدوء في البحر .. الصيادون يستمعون الي الموسيقي ويلعبون ويستلقون علي سطح القارب ، فجأة يقطع لحظاتهم الهادئة صوت انفجار ويدفعهم إلى السور وسط الضباب الابيض الذي غطى كل شيء حتى لم يعد من الممكن رؤية شيء سوى المياه المضطربة .. هذه هي الافتتاحية .. الانفجار الذي حدث ايقظ وحشا نائماً من قرون ليثور ويحاول تدمير اليابان ، فماذا سيحدث وكيف سيوقفون الوحش .. سنعرف هذا كله في المقال ولكن .... اولا لنعرف قصة مأساة قارب صيد التونة الياباني الذي الهم صانعوا فيلم جودزيلا.

بالنسبه لمن شاهد سلسلة افلام جودزيلا ، وخاصة فيلم عام 1954 ، فأنها مجرد افلام رائعه نشاهدها ثم ننساها ، لكن الامر مختلف بالنسبة لليابانيين ، ففيلم جودزيلا يذكرهم بمأساة كانت حديثة العهد وقتئذ وظلت الي الآن تسكن وجدانهم ، وقد خلدها صانعوا فيلم جودزيلا بجميع اجزائه ...

كان قارب الصيد يبحر بالقرب من جزر مارشال

في الاول من مارس عام 1954 كان اعضاء الطاقم الخاص بقارب الصيد دايجو فوكوريا مارو او "التنين المحظوظ 5" ، وهو قارب بحمولة 140 طن ، على وشك التعرض لتجربة ستغير حياتهم وحياة اليابانيين جميعاً .. كانوا علي وشك التعرض لقنبلة هيدروجينية تم تفجيرها في إحدى جزر المارشال في المحيط الهادئ ..
مأساة قارب "التنين المحظوظ" حفزت حركة ناشئة ضد الأسلحة النووية في اليابان.. والتي كانت تقودها بشكل رئيسي ربات البيوت في "سوجينامي وارد" بطوكيو. والقارب المحطم باق كرمز دائم للنضال ضد تنامي قدرة الاسلحة علي تدمير كافة اوجه الحياة فوق سطح الكوكب ...

تحت قيادة شاب لا يملك الخبرة يبلغ من العمر 22 عاما يسمى كابتن هيساكيشي تسوتسوى ترك التنين المحظوظ المرفأ في 22 من يناير عام 1954 بمحرك ضعيف بقوة خمسة عقدة وكان يعاني من عطل ميكانيكي مؤخرا ...
بعد اقل من ثلاثة اسابيع على رحلتها كانت قد فقدت نصف شباكها البالغه ثلاثمائة وثلاثون شبكة بسبب الشعاب المرجانيه ، كان هذا بالقرب من الطرف الجنوبي من جزيرة ميدواي ، لكن لم يجعلهم الفشل يعودون ادراجهم حيث قرر الكابتن ان يبحروا جنوبا نحو جزرالمارشال املين ان يجدوا اسماك التونة بوفرة ، ولم يكن احد من الطاقم علي علم بما اعلنته وكالة السلامة البحرية اليابانية من ان الحكومة الامريكيه تعتزم القيام بتجارب نووية في المنطقه وأنه قد تم إنشاء منطقة محظورة حول "حلقية بيكيني" المرجانية.

في نهاية فبراير كان التنين المحظوظ قد استنفد كافة مؤنته وكان الوقود على وشك النفاد في خط الطول 166 ، لكن كان لايزال التنين المحظوظ في امان وخارج حدود منطقة الاستبعاد المحظورة ..

الطاقم قرر ان يمدد الصيد ليوم آخر ، و في 1 مارس قبل العودة الي المرفأ .. في 6:45 دقيقة صباحا لمحوا عمود من الضوء شق ظلام الصباح ... عضو الطاقم ماتاكيتشي اوشي وصف مشهد الانفجارقائلا : " ضوء اصفر قوي ضرب المكان ، تسائلت عما يحدث وقفزت من مكاني علي السرير بقرب الباب وركضت الي السطح مندهشا , كان البحر والسماء قد اشتعلا بلون أشبه ما يكون بلون الشمس ساعة الغروب".

صورة ملتقطة من طائرة لتفجير قنبلة قلعة برافو

في الحقيقة كان البحار يشاهد الضوء المنبعث عن قنبلة "قلعة برافو" الهايدروجينية ، وكانت تلك اول تجربة علي الاطلاق ولقد فشلت تماما حيث ان العلماء في لوس الاموس اخطأو الحساب فقد كان يجب على القنبله ان تحقق انفجار قدره ستة ميجاطن ولكن بدلا من ذلك نتج انفجار بــقوة 15 ميجاطن ، وكان ذلك أكبر انفجار ينتجه البشر واقوى الف مرة من قنبلتي هيروشيما ونجازاكي.

التنين المحظوظ نجا من الانفجار ولكن بعد قليل اظلتهم سحابه بيضاء ضخمة من رماد الموت وبدأت تمطر بهدوء علي القارب ، وقد حددت الاختبارات لاحقا ان الرماد كان رمادا نوويا.
يقول اوشي : "امتدت قمة السحابه فوقنا ، مرت ساعتان والرماد يتساقط فوقنا مثل تساقط الجليد ، اخترق الرماد الابيض الاعين والانوف والاذان والافواه ، لم نشعر انه خطير" ..
ولمدة ست ساعات بعد ذلك ظلوا يرفعوا الشباك.

في ذلك المساء ، بدأ أفراد الطاقم يشعرون بالغثيان ، حيث ظهرت عليهم الأعراض المبكرة للتسمم الإشعاعي , ومع وصولهم إلى يازو في 14 مارس ، كانت اجساد البحارة مليئة بالحروق ، ينزفون من اللثة وبالكاد قادرون على فتح أعينهم. تم وضع اعضاء الطقام الـ 23 في الحجر الصحي خارج المدينة ، وتم دفن جميع ملابسهم وممتلكاتهم. وفي الوقت نفسه ، كانت الأسماك التي أحضروها معهم قد تم تفريغها بطريق الخطأ وتم نقلها إلى الأسواق في جميع أنحاء طوكيو.
سرعان ما بدأت الحكومة بالبحث لاستعادة الاسماك التي جلبها قارب التنين المحظوظ ، ولكن كان قد تم بيع طنين على الأقل ومن المحتمل انه تم اكلها.

اثار القنبلة على البحارة

انتهت تحقيقات وزارة الصحة إلى أن 856 سفينة يابانية تعرضت للإشعاع الناجم عن التفجير. وبسبب تجربة "قلعة برافو" تأثرت صناعة الصيد اليابانية . وانخفضت اسعار الاسماك ، وفي الفترة بين مارس وديسمبر من عام 1954 تم اعدام أكثر من 75 طنًا من سمك التونة بعد أن وجد أنها غير آمنة للاستهلاك.
اما رد الفعل الامريكي فكان اتهام قارب التنين المحظوظ انه كان في هذا المكان للتجسس وكشف اسرار عسكرية ، ونفت الادارة الامريكيه وجود اي اثار سلبية بسبب الاختبار مدعين ان الخطر كان ضئيلا للغايه وانه لا خطر من تناول الاسماك التي يتم اصطيادها خارج حدود منطقة الاختبارات ، ورغم تصريح امريكا بسلامة الاسماك في المحيط الهادئ خارج منطقه الاختبارات فقد وضعت قيود صارمه علي الاسماك المستوردة .

توفي أيكيتشي كوبوياما كبير مشغلي الراديو في قارب التنين المحظوظ في سبتمبر عام 1954 عن عمر يناهز الأربعين ، وهو أول ضحية يابانية لقنبلة هيدروجينية , قدمت الحكومة الأمريكية مليوني دولار إلى الحكومة اليابانية كتعويض عن الأضرار غير المحددة الناتجة عن اختبار قلعة برافو , أوضح بيان تم تقديمه الي اليابان على أن أمريكا لا تتحمل أي مسؤولية وأن دفع التعويضات كان مجرد لفتة انسانية وتعاطفا من امريكا مع ضحايا الحادث.

تعاطف عدد كبير من المواطنين اليابانيين الغاضبين مع طاقم التنين المحظوظ ، وحضر أكثر من 400 الف شخص جنازة كوبوياما , تسبب الحادث في موجة اضطرابات انتشرت في اليابان و سرعان ما أصبحت الحركة المناهضة لاختبارات الاسلحة النووية في اليابان صوتًا قويًا.

يقع مبني "ايه فرام" شاهق الطول في زاوية من حديقة يومينوشيما في طوكيو، ويقف في الداخل على أرضية خرسانية ومحمولا بدعامات معدنية قارب التنين المحظوظ شاهدًا على التاريخ وفظاعة أفعال البشرية، كأسوأ قارب في التاريخ.

القارب الحقيقي معروض في نصب تذكاري في طوكيو

وبالعودة إلى الفيلم ، واذا ما تجاوزنا المشاهد الافتتاحية والتي تلخص مأساة قارب التنين المحظوظ .. فان المخرج اشيرو هوندا كافح العواقب التي تنجم عن الاسلحة النووية بسلامة نية ونزاهة قلما نجدها في اي فيلم خلال الثلاثين عام التي تلت الفيلم ...

ولعل التجربة الشخصية للمخرج قد ساهمت في اغناء الفيلم ، حيث كان جنديا في الجيش الامبراطوري الياباني وقضي اخر ستة اشهر من الحرب العالمية الثانيه في سجون الصين حتي تم ترحيله الي هيروشيما عام 1946 وشاهد بنفسه الاثار الناجمه عن القنبلة النووية التي دمرت هيروشيما وتركت تلك المشاهد اثارا في نفسه وحاول ان يتخلص منها باظهارها في فيلم جودزيلا , لقد جعل جودزيلا يدمر طوكيو في اشارة لتلك التجارب النووية التي تهدد امن وسلامة اليابان .

بمشاهدة جودزيلا اليوم ، فإن العبرة الاخلاقية التي تشكل العمود الفقري للرواية لم يتم حلها بعد. ولا يزال جودزيلا عام 1954 هو الاقوي بين سلسلة افلام جودزيلا لانه اعتمد علي صناع عاصروا الاحداث عن كثب واستطاعوا ان يحولوا الالم والحزن الذي عم اليابان الي مشاهد رائعه في الفيلم وهو ما يفتقر اليه من لم يعاصروا ويعايشوا تلك الاحداث.

فيلم جودزيلا الياباني انتاج عام 1954

في جودزيلا ، الفيلم الذي يطرح بجرأة واقعنا والذي يستطيع فيه البشر أن يمزقوا ويدمروا الكون ، صنع العالم الذي مثل دوره "أكيهيكو هيراتا" مدمرة أوكسجينيه يمكنها تفكيك ذرات الأوكسجين , بعد استيقاظ جودزيلا من نومه تحت الماء بسبب تفجير نووي ، يصبح من الواضح أن المدمرة الأوكسجينيه هي السلاح الوحيد الذي يمكنه التخلص من جودزيلا . ولكنه يتخوف من قرار استخدام اختراعه الجديد ، خوفا من احتمال عدم احتواء مثل هذا السلاح بمجرد تقديمه إلى العالم. في النهاية ، يقرر استخدامه ، لكنه يحرق سجلات اعماله واختراعاته لمنع الآخرين من إساءة استخدام هذه المعرفة المدمرة. بعد هزيمة جودزيلا ، يضحى بنفسه ، لضمان وفاة أسرار المدمرة الأكسجينيه معه.

في افلام جودزيلا اللاحقه يتجه البشر دوما الي التلاعب بوحش عملاق للقضاء علي وحش اخر اكثر خطورة ، ولكنهم يجدون انفسهم عالقين مع الوحش المنتصر غير عالمين كيف يصرفونه ، هذا يعكس جنون البشر وغطرستهم في اللجوء الي طرق شريرة ومدمرة اثناء الحروب. جودزيلا نفسه يشير الي القدرة علي التدمير الكامل لكل شئ والعواقب الغير معلومه للتلاعب بقوى لا يمكن السيطرة عليها ، وهي قوي كافيه لتدمر الحياه علي وجه الارض .

جودزيلا هو رمز الكوارث التي يطلق عنانها جنون البشر

لا يزال فيلم جودزيلا يجذب المشاهدون لأن تهديد فناء الكوكب لم ينتهي بعد. مثل الكارثة التي وقعت في محطة فوكوشيما دايتشي اليابانيه للطاقة النووية في عام 2011 والتي خلفت 160,000 لاجئ مازالوا يعيشون في مساكن مؤقتة ، وبدأ قارب التنين المحظوظ في رحلة جديدة لتذكير البشر بأخطار التكنولوجيا النووية "السلمية" التي لا يمكن توقع مدي خطورتها .

بمرور الوقت ، تقبلنا فكرة أننا ندمر هذا الكوكب بشكل لا يمكن إصلاحه ، وهي فكرة وجدت منذ عقود بالفعل وتم التعبير عنها في 27 فيلمًا رائعًا يقوم ببطولتها جودزيلا مجسدا كافة اشكال الدمار والخراب بسبب التكنولوجيا النووية.

نعلم يقينا ان الانسان منذ قديم الازل وهو يدمر الكوكب , والاسلحة النووية احدي طرق تدمير الكوكب ويقال ان نهاية الكوكب ستكون بسبب حرب نووية عالميه , الاسلحه صنعها الانسان وتفنن في تطويرها فرفقا بهذا الكوكب كي لا يحدث ما لا تحمد عقباه ...

المصادر :

- Lucky Dragon 5 And The Terrifying Truth That Inspired GODZILLA

تاريخ النشر : 2019-08-29

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر