الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

طائر الغربة

بقلم : بلقاسم يمينة - الجزائر

أرفع رأسك إلى السماء و سر فالنجوم لم نرها و نحن ننظر في عيون الأخرين

 

في ركن من أركان المنزل كانت تجلس وحيدة ، نعم إنها آنا صاحبة العشرين ربيعاً  ذات الملامح الإفريقية ، أنف بارز ، جبهة عريضة ، و شفاه كبيرة ، كانت قصيرة القامة أما لونها فكما يُقال أسود فحمي ، و ما ذنبها ؟ هل الإنسان من يصور نفسه ؟ طبعاً لا تعيش مع والدها ميشيل سودرو المستشار السياسي و أمها المعلمة سيلفا ، اضطروا للسفر إلى خارج البلاد بسبب سوء الأوضاع الاجتماعية و السياسية ، لكن إلى أين ؟ إلى أروبا بلد البيض حيث سئمت العائلة من تلك النظرة التي يرمقها بهم كل من يراهم ، نعم هل عرفتموها ؟ عاشت وحيدة ، تتساءلون كيف و والديها على قيد الحياة ؟ نعم لأنها لم تشعر يوماً بحنانهما ، أما الصداقة فهي تعرفها على أنها مجرد حروف فقط و كيف لا و هي تعيش في مجتمع يحتقر التصوير الإلهي - عفوك يا إلهي - لا يراعون مشاعر البشر و كان قلوبهم مصنوعة من فولاذ تدرس في الجامعة و تنجح بصعوبة ليس لقلة ذكائها بل لظلم الأساتذة لها لأنها من السود .

مرت الأيام و الشهور و هي تفكر كل يوم كيف تغير نظرة الناس لها لكن لا فائدة ، أنهت مشوارها الدراسي ، كان حلمها أن تصبح كاتبة ربما تغير شيئاً في هذا المجتمع ، بدأت بالكتابة أولى الموضوعات التي تطرقت إليها هي العنصرية ، فكما قالت أرفع رأسك إلى السماء و سر فالنجوم لم نرها و نحن ننظر في عيون الأخرين ، كانت بداية حلمها تعيسة بل أكثر الجحيم بحد ذاته لماذا ؟ سأخبركم في أحد الأيام و هي متجهة إلى مقر إحدى المجلات لعل و عسى أن تقبل مقالاتها و عند بلوغها باب المجلة نظر إليها حارس الأمن و قال ماذا : تفعلين هنا ؟ فأجابته بلباقة : يا سيدي أود مقابلة رئيس التحرير لعله ينشر مقالاتي ، فرد عليها بسخرية : و يا سود هل تعرفون الكتابة مع ؟ قهقهات عالية فعادت إلى بيتها حاملة معها خيبة أمل مريرة و توجهت للمرآة لكنها لم ترى نفسها ، أتعلمون لماذا ؟ لأن كل المرايا قامت بكسرها منذ 10 سنوات لكي لا ترى شكلها ، فانهمرت دموعها و نامت و لكن روحها باتت تصرخ ألاماً ،

الساعة حوالي 1 ليلاً نفس الحلم يتكرر معها منذ سنة ، استيقظت و اتجهت نحو النافدة و رأت ذلك المنظر الذي يريحها و يطمئن فؤادها تلك النجوم العالية في السماء ، لطالما حلمت أن تصبح مثلها تنير حياة الأخريين ، تسترجع ذاكرتها نحو ذلك الحلم كأنها تسير في طريق مجهول لا تعرف أين تذهب و إذ بطائر أصفر اللون يسر الناظرين يقف فوق غصن تلك الشجرة و لكن هذه المرة لم تقف و تنظر إليه فقط بل سارت نحوه و عند وصولها تحول ذلك الطائر إلى مرآة يخرج منها شعاع أبيض يعدم الرؤية ، و سرعان ما بدأ يقل فرأت نفسها و تمعنت بها جيداً فمنذ سنين لم ترى نفسها بتلك الوضوح و انتهى الحلم ،

عادت إلى سريرها و أكملت نومها ، في صباح ذلك اليوم لم تنهض آنا كما عهدناها لأنها أرادت أن تجعل من حلمها حقيقة ، خرجت مسرعة من المنزل و ذهبت عند اقرب محل لتقتني مرآة ، اشترت واحدة و لكنها لم تنظر لنفسها لأنها عاهدت نفسها ألا تنظر قبل تحقيق حلمها ، سئمت من دور النشر و المجلات التي أغلقت أبوابها في وجهه و قررت أن تنشرها بطريقتها الخاصة ، كان أمامها حل واحد و هو أن تحول كتاباتها إلى سيناريو فيلم ، عملت على هذا السيناريو لمدة سنة كاملة و عند انتهائه قررت نشر السيناريو في إحدى صفحات الأنترنت المختصة بالإخراج السينمائي ، أُعجب أحد المنتجين بعملها و تواصل معها و اتفقوا على عرضه ، أُنتج هذا العمل الدرامي و لقي نجاحاً كبيراً تحت عنوان ʺطائر الغربةʺ الذي ترجم معاناتها،  تحسنت نظرة الناس لانا و بعد أخد الفيلم جائزة أفضل عمل درامي سنة 2005 م و فور انتهاء حفل التكريم الذي أقيم في برلين أسرعت آنا للذهاب إلى المنزل ، صعدت الدرج و فتحت باب غرفتها ، توجهت نحو الصندوق ، قامت بفتحه ، أخدت المرآة و تعمقت في ملامح وجهها و قالت: ʺبمشيئة الله نجحت فالحلم كان دافعي و القلم كان سلاحي ʺ.


ملاحظة : هذه القصة منشورة سابقا على أحد المواقع 

تاريخ النشر : 2019-09-05

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر