الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الخرزة الزرقاء

بقلم : محمد عبد الرزاق ابراهيم - سوريا

لعلها ستحميكِ من العين..
لعلها ستحميكِ من العين..

يقفان في إحدى الزوايا وهما يتأملان وأنس يقول :
" ما أروع هذا المكان "..

فتؤكد لانا: " ذلك لأنه غني بالآثار "..

- " ولو كان فقيراً بها فسيظل جميلاً "

- " ألأنه واسع ومضيئ؟ "

- " بل لأنكِ تزورينه معي"

تضحك، وتقول:
" إذن أنت لست مأخوذاً بروعة الآثار فقط."

فيرد : " أصبتِ يا عزيزتي.. ألا قولي لي كم بقي من الأماكن الأثرية لم تزوريها بعد حتى نذهب اليها معاً؟ "

وتعلو ضحكة لانا وترن عذبة في جنبات المكان، فتجذب نظرات تلك السيدة الوحيدة، تلتفت إلى لانا.. تتأملها وهي في اشراقتها فتتنهد، وتحدث نفسها بحسرة:

" ماذا ينقصكِ بعد أيتها الشابة الجميلة.. لديكِ الشباب والجمال والصحة.. وهذا الشاب الذي يهتم بكِ..ويبدو من مظهركِ أن المال لا ينقصكِ أيضاً "..

ويندمج الجميع مع وفد للسياح يقودهم دليل، والمرأة الوحيدة لا ترفع عينيها عن لانا، وأنس يمشي إلى جانبها كظلها، أو كأنه ملاكها الحارس. وقبل أن تصل لانا إلى حيث ذلك الجدار الواطئ يسبقها أنس ليقف في وجهها دونه:

" ما بك؟ لماذا تسبقني هكذا؟.. ابتعد قليلاً ودعني أر ما قد رسم على الجدار."

ويتحرك أنس يميناً وشمالاً، وكأنه يريد أن يحجب عنها شيئاً ما. وتلتقي نظراته بنظرات تلك المرأة وهي تتابعهما باستغراب منه، وتصرخ لانا:
" ياه.. أنا أقع."

تسقط على الأرض، ويبادر لإنتشالها معتذراً:
" أنا آسف يا عزيزتي.. هل أنا من فعل؟!.. بالطبع لا أقصد.. أعذريني."

فتقف من جديد، وهي تنفض الغبار الذي علق بثيابها وما تلبث أن تتلمس قدمها:
" الحقيقة لا أعرف كيف سقطت إلى الأرض..كأن قوة غريبة دفعتني من الخلف فوقعت..آه.. يبدو أنني أصبت قدمي.. آخ.. إنها تؤلمني."

وفي غرفة مدير المكان الأثري كانت لانا تجلس مضمدة القدم، والمدير يسأل مطمئناً:
" كيف تشعرين الآن أيتها الآنسة؟ "

وتجيب وهي تتحامل على نفسها في الوقوف:
" يبدو أنها إصابة بسيطة.. وها أنا أستطيع المشي على قدمي من جديد."

ويساعدها أنس على المشي:
" شكراً لك أيها المدير.. وشكراً لمسعفك الذي ضمّد لها إصابتها "

يقول المدير وهو يتوجه نحو مكتبه:
" على الرحب والسعة.. نحن لا نريد لزوارنا إلا السلامة والاستمتاع بوقت مفيد وجميل في رحاب موقعنا الأثري.."

يفتح درجاً في المكتب ليخرج منه دفتر بطاقات ينتزع منه بطاقتين ويقدمهما:
" أرجو أن تتقبلا مني هاتين البطاقتين لتزورا موقعنا من جديد إذ أنكما لن تتمكنا من استكمال جولتكما اليوم."

وإذ ينصرفان يلمح أنس تلك المرأة التي كانت تصب نظراتها باتجاههما وهي تنصرف أيضاً.

ومضت أيام حتى شفيت قدم لانا لكنها أصرت على أن يكون خروجها الأول من البيت إلى الموقع الأثري من جديد.. فهي لم تستكمل قراءتها له بعد كما أن فيه روعة الآثار ما يثير حب الاكتشاف لديها.

عند ذلك السور المشؤوم حيث سقطت وقفت مدهوشة وهي تنظر إلى الرسوم التي نقشت فوقه:
" ياه..كأنني لم أر هذا الرسم من قبل!! "

فيقول أنس:
" ذلك لأنني كنت أخبئه وراء ظهري.. ولم أشأ أن تريه إذ خيل لي وكأنها عين حاسدة ستصيبكِ بالأذى.."

تضحك لانا:
" ولكن هذه العين هي لصد العين الحاسدة وليس العكس.. الآن عرفت لماذا سقطت إلى الأرض. "

وتقترب لانا من الحدار أكثر وهي تمر بأصابعها فوق تلك العين التي ينفر رسمها بينما يخرج أنس من جيبه خرزة زرقاء في سلسلة، ويطلب منها أن تضعها في عنقها:
" لعلها ستحميكِ من العين.."

ترد لانا وهي تتأمل الخرزة بإعجاب:
" هل تعتقد هذا فعلاً؟"

- " أجل"

وتضيف : " ولكني لم أسقط هذه المرة.. لماذا في رأيك؟ "

فيجيب : " لماذا؟.. لأن تلك المرأة ليست موجودة."

تستغرب لانا وتستفسر: " أي امرأة هذه؟!"

- " كانت هناك امرأة يبدو أنكِ لم تلحظيها آنذاك تتابعك بنظرات نارية.. ولعلها نظراتها تلك هي التي أصابتكِ وسببت لكِ الأذى."

- " ربما كان هذا صحيحاً فالسبب الذي أوقعني كان مجهولاً بالنسبة لي.. والآن ها أنت توضح الأمر.. بالفعل كانت قوى غريبة تلك التي أوقعتني."

- " أما مع هذه الخرزة الزرقاء فما أظن أن عيناً أخرى ستصيبكِ.."

ويضحك الاثنان بارتياح فلربما كان الأمر كذلك بالفعل، ويغيبان زوايا المعبد الأثري وهما يتساءلان: " ترى هل سيكشف العلم في يوم من الأيام عن حقيقة هذه الظواهر أم أنها ستظل من الخفايا والأسرار؟! " .

تاريخ النشر : 2019-09-10

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر