الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

9 أشهر

بقلم : رمادية - الجزائر

أول يوم لي في هذه الحياة بكيت فيه
أول يوم لي في هذه الحياة بكيت فيه

تسعة أشهر.. بات من الصعب علي التصديق بأنني قضيت 9 أشهر في بطن امي أستعد للخروج إلى هذا العالم البائس.. لا يمكنني تقبل فكرة أنني تجهزت طيلة هذه المدة وسط الظلام الدامس و الضيق القاتل فقط لأتجهز للخروج إلى هذا العالم الموحش.. هذا المكان الدنس.. إعذروني لكن وبكل ثقة أنا أطهر من ان أبقى في عالمكم هذا ..لا مكان لي بينكم و لا اريد هذا.. إن كان علي أن اصبح مثلكم لأكسب مكانا هنا.. لا ! شكرا، لا ارغب بهذا .. فرجاءا اين المخرج ..!؟

بدأت قصتي .. أو بالأحرى قصة كفاحي منذ لحظة سقوطي من رحم أمي المظلم الضيق إلى نور هذا العالم الواسع ، لأكتشف في الأخير أن المظلم لم يكن بطن أمي، لكن هذا العالم اللعين .. الذي منذ مجيئي إليه و أنا أرغب بمغادرته .. الضيق لم يكن رحم أمي بل كان النفق المؤدي لهذا المكان القذر.. كان ضيقا لأنه كان يحاول منعي من الخروج إلى هنا، كان يحاول إنقاذي لأنه يعلم ان الخارج خطر علي، لكن رغم هذا أصررت على الخروج و لم أفهم سبب محاولته منعي إلا بعد فوات الأوان..

خرجت من بطن أمي و كان أول ما تلقيته في حياتي ضربة من الطبيب، ضربة من الشخص نفسه الذي ساعدني على الخروج .. ضربة جعلتني أصرخ ليتأكد من انني خرجت حية و يا ليتني ما صرخت.

يوم ولادتي.. كان كل من حولي سعيدا ، تعالت اصوات الضحكات، كان فرح والداي عظيما لأنهما رزقا بفتاة بعد ثلاثة ذكور ، ولكن.. لحظة! وسط كل تلك الضحكات هنالك أنين.. صراخ حاد و بكاء ذابح ، لقد كانت أنا ، إنها أنا الرضيعة أبكي رغم سعادة الجميع . أول يوم لي في هذه الحياة بكيت فيه و كأنني كنت أيقن جيدا أن هذه الحياة ليست سوى مكان للحزن و الشقاء، تستدرجنا بوجهها الجميل ليتضح في الأخير أنه ليس سوى مجرد قناع تخدع به المغفلين ، المغفلين مثلي . و من يومها أدركت ان المظاهر خداعة و لكن يا أسفاه . فرغم معرفتي لهذا إلا أنني لا زالت اخدع بها، لا زلت أتلقى صفعة الخذلان من أناس أحببتهم ووثقت بهم .ولأنني أحبهم لا أستطيع رد الأذى لهم خوفا من أن تُكسرَ مشاعرهم ولا أملك الجرأة حتى للإبتعاد عنهم خوفا على عذاب قلبي بعدهم، فأجد نفسي مجبرة على الصمت و تحطيم نفسي بنفسي.

الإنتقام ، كلمة لطالما تحسرت لأنها غير موجودة في قاموس حياتي، فلا أستطيع الإنتقام لإخماد النار الحارقة داخلي ولا استطيع معاتبة من حولي لما ألحقوه بي من أذى و لما جعلوني عليه اليوم. و في الأخير أجد نفسي ككل مرة خذلت فيها ، صامتة من جديد .

من بين ثمانية و عشرون (28) حرفا أبجديا ، لا استطيع تكوين كلمة واحدة تصف بشاعة ما اشعر به ، أحترق وحيدة ، ابكي وحيدة .. و يبقى الصمت الحل الوحيد الذي يقطع شرايين قلبي و يمزقها ليمنعها من بث الأمل لروحي فأجد نفسي جثة هامدة تلوح بي قدماي لتضعاني أمام المرآة ، عدوتي الأولى التي تريني بشاعة حالي و تذكرني بما فعله الإكتئاب لجسمي بعدما إعتقدت أنني نسيت ، و أنا أمامها أرى مجرد جسد مرهق ، ملامح مكسورة و هالات تراها فتحسبها سرقت سوادها من عتمة الليل الحالك ، عيون فارغة تحدق لما لانهاية... لكنني في صميمي أعلم أن المرآة كاذبة ،فلو كانت صادقة لرأيت : في جسدي المرهق علامات خذلان السنين و في ملامحي المكسورة كذب و نفاق المقربين و في هالاتي السوداء سهر الليالي و بكاء العينين ، فقط لو كانت صادقة لرأيت في العيون الفارغة الهادئة ضجيج الحروب داخلي ، لرأيت نار الجحيم ، قسوة السنين ، ألم الحنين و عذاب الوحدة الدفين الذي تجمع داخل هذا الجسد المسكين .

الآن و ها قد مرت سبعة عشر سنة منذ خروجي لهذا العالم ، مرت سبعة عشر سنة و أعترف أنني لا زلت أتعاقب على خطيئتي الوحيدة و التي حكم علي الكون بالحزن المؤبد الأبدي لأجلها ، حكم علي بالحزن و الخذلان و الوحدة ، لإرتكابي خطأ واحد لكنني أعتقد أنه كان ذنبا لا يغفر . فقد أجرمت لكن في حق نفسي ، خطئي الوحيد و الذي كان ترك بطن أمي الدافئ و التسلل إلى هذا العالم ، لكنه لم يكن جرما كالذي إعتدتم عليه في الأفلام ولا حتى في ارض الواقع ، لم يسجنوني ، لم يسلبوني حريتي ، لم يرموني في زنزانة ولم أقابل قاضي ، فقد كان قلبي زنزانتي و عقلي معتقلي و الإستيقاظ كل صباح لمواجهة البشر عملي الشاق و كانت المواقف هي القاضي اللئيم.

أنا اشعر بالوحدة رغم أنني وسط الجميع ، أشعر أنني حبيسة بلا حرية وسط كل اتساع هذا العالم ، أشعر بضيق أنفاسي والفضل يعود لكم ، أنظروا إلى إنجازكم ، فشكرا لكل من ساهم في جعلي ما أنا عليه اليوم لأنني و رغم قساوة ما مررت به و سلبياته إلا أنني لا أنكر أنه كان له أثرا إيجابيا على شخصيتي ، أنا اشعر بأنني قوية ، سأكافح العالم و لن أسمح لنفسي بالسقوط ، نعم لقد تعبت جدا في البداية و سقطت ، لكن قفوا و شاهدوا كيف يقف العظماء في النهاية.

تاريخ النشر : 2019-09-15

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر