الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

السؤال الملغوم.. أشهر المغالطات المنطقيّة (1)

بقلم : وليد الشهري - المملكة العربية السعودية
للتواصل : [email protected]

احيانا يكون المنطق غير منطقي!
احيانا يكون المنطق غير منطقي!

المنطق.. ربما تسببت هذه المفردة بالتململ والصداع للكثير من الناس بمجرد سماعها، ولعلّهم يستذكرون حينها ذلك المشهد الطريف من المسرحية المصرية الشهيرة "مدرسة المشاغبين"، عندما سألت المعلمة أحد طلّابها – وهو الفنان سعيد صالح – عن تعريف المنطق، وبعد كثيرٍ من المماطلة ومحاولات التهرّب من الإجابة، استجاب لإلحاح المعلّمة بتقديم تعريف لا يمتّ للمنطق بصلةٍ من قريب أو بعيد.

ماذا لو أخبرك أحد أصدقائك بأنّ أهل الدولة التي زارها الصيف الماضي يتّسمون بالوقاحة وقلّة الاحترام، ثم استرسل مستشهدًا على ذلك بموقفٍ يتيم حدث له مع أحد القاطنين في تلك الدولة، حين تفوّه عليه بألفاظٍ بذيئة نتيجة خلافٍ نشب بينهما؟! هل ترى أنّ الموقف الذي حدث مع صديقك كافٍ لتعميم الحُكم على أهل تلك الدولة؟! كأني بك تقول: "بالطبع لا !" .. أحسنت، ها أنت تستخدم المنطق!

ما أريد قوله هو أنّ الإنسان بطبيعته كائنٌ منطقي إلى حدٍّ ما، وإذا أردنا تعريف المنطق بعيدًا عن الإسهاب واستخدام الرموز والمصطلحات المعقّدة، وبأبسط صورة ممكنة، فيمكن أن نقول: "المنطق عبارة عن مجموعة القوانين المتّبعة للتفكير والاستدلال الصحيح"، وقد كان الفيلسوف اليوناني "أرسطو" أوّل من اعتنى بالمنطق تأليفًا وتهذيبًا وتقنينًا، ويقوم "المنطق الأرسطي"، أو ما يسمى بـ "المنطق الصوري" على العناية بهيكلة الاستدلال أو بنيته، من خلال وجود مقدمتين ونتيجة، كالتالي:

المقدمة الأولى: كل الكائنات الحيّة تتنفّس
المقدمة الثانية: الإنسان يتنفّس
النتيجة: الإنسان كائن حي

ويؤخذ على "المنطق الصوري" عنايته بالشكل على حساب المضمون، فقد يكون شكل الاستدلال صحيح، لكنّ المضمون خاطئ، كأن نقول:

المقدمة الأولى: جميع الكواكب متحرّكة
المقدمة الثانية: الإنسان يتحرّك
النتيجة: الإنسان كوكب !

من أجل هذا، أولى علماء وفلاسفة العصر الحديث جل اهتمامهم لمعالجة نقاط الضعف في "المنطق الصوري"، من خلال توجيه عنايتهم نحو المضمون، وتوظيف المنطق في الواقع العملي للإنسان، وهو ما عرف فيما بعد بـ "المنطق اللاصوري"، ومن جملة ما عُني به هذا النوع، رصد المغالطات المنطقيّة التي يرتكبها الناس عادةً في طريقة المحاجّة والاستدلال أثناء نقاشاتهم أو مناظراتهم على كل الأصعدة، والتي تتسبب في الانحراف عن الموضوع قيد النقاش، وتضليل الأطراف المشاركة والمستمعين ما لم يتنبّهوا لها، وفيما يلي نستعرض أشهر تلك المغالطات..

1- مغالطة رجل القش (Straw man Fallacy)

لاحظ ان المرشح "س" لم يتطرق اصلا للجيش .. لكن المرشح "ص" جعله يبدو وكأنه ضد للقوات المسلحة ..

وتسمّى أيضًا: مغالطة التشويه، أو مغالطة التسميم، وفحوى هذه المغالطة هي أن يقوم أحد أطراف النقاش بتشويه حجّة الطرف الآخر، ثم يشرع في تفنيد تلك الحجّة التي شوّهها وغيّر معالمها، والتي يمكن تسميتها بـ "رجل القش"، إذ ليست هي حجّة الخصم الحقيقية.

كأن تقول لصديقك: "الوجبات السريعة دائمًا ما تكون لذيذة"، فيجيبك: "أنت تجحف في حق الوجبات الصحّيّة، فهي لذيذة أيضًا". تكمن المغالطة هنا في أنّ صديقك قد نسب إليك الإجحاف في حق الوجبات الصحّيّة، في حين أنّك لم تتطرّق لها أصلًا، وعدم تعريجك على مدحها لا يعني أنّك تذمّها بالضرورة!

2- مغالطة الحلقة المفرغة (Begging the Question)

تكرار نفس المعلومة بصيغة رأي ونتيجة

وتسمى كذلك: مغالطة المصادرة على المطلوب، ومصادرة الاستدلال الدائري، وفي هذه المغالطة يستخدم أحد أطراف النقاش النتيجة محلّ الاختلاف أو البحث في صحّتها كمقدّمة في استدلاله على النتيجة، فيصبح الأمر أشبه بحلقة مفرغة، فالنتيجة هي المقدمة في نفس الوقت.

على سبيل المثال، أن ترى ملصقًا إعلانيًّا كُتب عليه: "يجب ألّا يفوتك شراء منتجاتنا، لأنّها الأجدر بالشراء". هنا لم يقدّم الإعلان أي سبب مقنع لشراء منتجاته، وإنّما اكتفى بما يشبه القول: "يجب ألّا يفوتك شراء منتجاتنا، لأنّه يجب ألّا يفوتك شراء منتجاتنا"، فالسبب هو النتيجة، والنتيجة هي السبب!!

3- مغالطة الشخصنة (Ad Hominem)

من أكثر المغالطات شيوعًا وانتشارًا

وفيها يتجاوز المُغالِط القولَ إلى قائله، فيكون المعيار في قبول الكلام أو رفضه هو القائل لا القول، وهي من أكثر المغالطات شيوعًا وانتشارًا. ومن الأمثلة على ذلك، أن تتعرّض بالنقد لفكرة أو شخص أو رأي معيّن، فيقال لك: "ومن أنت حتى تنقد فلان أو فكرته أو رأيه؟!".

4- مغالطة السؤال المشحون (Loaded Question)

وأحبّذ تسميتها بـ "مغالطة السؤال الملغوم".. تخيّل لو باغتك أحد زملائك بسؤالٍ أثناء جلسة اجتماع في مقرّ عملك قائلًا: "هل ما زلت تطمح إلى الترقية رغم تكاسلك عن أداء مهامّك الوظيفيّة؟!".. في حين أنّك مجتهد في عملك غاية الاجتهاد ولم تتخلّف أبدًا عن القيام بأعباء وظيفتك.

السؤال السابق هو مثال على مغالطة السؤال المشحون، وتسمى أيضًا: مغالطة الافتراض المسبق، إذ يفترض السائل مقدّمات خاطئة، ثم يلغّم بها سؤاله كحقيقة مفروغ منها بهدف الإساءة أو التضليل، فإن أجبت زميلك بنعم أو لا في مثالنا السابق، فإنّك تقرّ له ضمنيًّا بصحّة افتراضه، والتصرف الصحيح هو الامتناع عن الإجابة، وكشف المغالطة في السؤال.

5- مغالطة الرجل الأسكتلندي (No True Scotsman Fallacy)

وتسمى أيضًا: مغالطة الاحتكام إلى النقاء، وتقع هذه المغالطة حين يعمّم أحد الأطراف حكمًا على جماعة ينتمون إلى دولة أو طائفة أو عرق أو نحوها، ثم يبدأ في إيجاد المبرّرات للتشبّث بتعميمه حين يستعرض له الطرف الآخر ما ينافي ذلك التعميم وينقضه.
يعود سبب التسمية إلى قصّة شهيرة يمكن اتخاذها كمثال أيضًا لتوضيح المغالطة، حيث زعم شخص بأنّ الأسكتلنديون لا يضعون السكر في حساء الشعير، فأجابه آخر قائلًا: "أنا أسكتلندي وأضع السكر في حساء الشعير"، ليرد صاحب الزعم بعد أن تملّكه الحنق بقوله: "لا يوجد أسكتلندي حقيقي يفعل ذلك!".

6- مغالطة الاحتكام إلى العاطفة (Appeal to Emotion)

وتسمى أيضًا: مغالطة الاستدلال بالمشاعر، وتظهر حين يعجز أحد الأطراف عن تقديم البراهين العقليّة المنطقيّة التي تدعم ادعاءاته، فيتوسّل بالعاطفة واستجداء المشاعر في سبيل إقناع الطرف الآخر، ودفعه إلى المصادقة والموافقة.

كأن يستمر أحد الأزواج في معاملة زوجته بطريقة سيئة للغاية، ثم حين تقرّر تركه والانفصال عنه، يتودّد إليها بقوله: "أعلم أنّي قد تسببت لكِ بالكثير من الأذى، لكنّي أتعرّض أحياناً للضغوط النفسيّة بسبب العمل، والسعي لزيادة الدخل المادّي للأسرة، حتى نحظى بحياة الرخاء التي نتطلّع إليها".

لاحظ أنّ الزوج هنا لم يقدّم أي سبب منطقي لإقناع زوجته بالبقاء، وإنّما استند إلى الخطاب العاطفي في محاولته لإثنائها عن قرارها، وبالمناسبة، كثيرًا ما تشكّل العاطفة نقطة ضعف في الإنسان، وكثيرًا ما يتم استغلالها أسوء استغلال!


في الختام..

جرّب أن تراقب الحوارات القادمة بعين الراصد المنطقي – إذا صح التعبير -، سواءً كانت حوارات إعلاميّة، أو حتى تلك الحوارات المغمورة التي تجري بين أفراد عائلتك أو أصدقائك، سواءً كنت طرفًا فيها أو لم تكن، فبالإضافة إلى متعة الأمر وانتفاعك به، ستكتشف أنّ تدهور مستوى الحوار دائمًا ما يبدأ بانفجار أحد تلك الألغام التي تدعى "المغالطات المنطقيّة".. دمتم بخير.

المصادر :

- كتاب: رجل القش ، ليوسف صامت بوحايك
- مصادر اخرى متنوعة

تاريخ النشر : 2019-10-15

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر