الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

لعنة تيمورلنك العجيبة

بقلم : اياد العطار
للتواصل : [email protected]

ما حكاية اللعنة التي غيرت مسار الحرب العالمية الثانية
ما حكاية اللعنة التي غيرت مسار الحرب العالمية الثانية

عام 1941، ولسبب غامض، أمر الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين بنبش قبر تيمورلنك، والقبر يقع داخل ضريح مهيب بمدينة سمرقند في اوزبكستان يعرف بأسم "غور أمير" ، أي ضريح الأمير. وقد كانت حملة التنقيب السوفيتية لفتح القبر بقيادة عالم الآثار ميخائيل كراسيموف.

بحسب الروايات، فأن ثلاثة شيوخ طاعنين بالسن من سكان المدينة المسلمين أتوا إلى فريق التنقيب ونصحوهم بعدم فتح القبر، محذرين أياهم من لعنة مميتة تحرس القبر، هذه اللعنة من القوة بحيث أنها لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام لكي تتحقق! ..

بالطبع فريق العلماء لم يصدقوا حكاية اللعنة، اعتبروها مجرد خرافة يتداولها السكان المحليون .. ومضوا قدما في عملية بنبش القبر ..

أول شيء فاجأ العلماء عندما فتحوا غطاء القبر هو انتشار رائحة زكية في أرجاء المكان، كأنهم فتحوا زجاجة عطر وليس قبر! ..

قبر تيمور باللون الاسود وبجواره قبر ولديه اللذان حكما من بعده

بعدها وجدوا انفسهم أمام عبارة منقوشة على رخام القبر من الداخل تقول : "عندما أقوم من الموت، فعلى العالم أن يرتعد".

وهي عبارة تجعل المرء يرتعد فعلا، خصوصا إذا كان مطلعا على الفظاعات التي ارتكبها تيمورلنك في حياته.

وفي داخل القبر نفسه وجد العلماء تابوتا خشبيا فاخرا، لم يهترأ أو يتلف رغم مرور خمسة قرون على دفنه، وعلى التابوت توجد عبارة مخيفة أخرى تقول :

"كل من يدنس قبري فسيطلق العنان لقوة غازية أكثر فظاعة مني".

وقد صدم العلماء لوجود هذه العبارة، لأنها أكدت كلام الشيوخ في وجود لعنة تحرس القبر، لكنهم بالنهاية لم يأخذوا الأمر على محمل الجد لأنهم يعلمون جيدا بأن مثل هذه اللعنات موجودة بكثرة على جدران ومداخل قبور الملوك والاباطرة من أجل تخويف السراق ولصوص المقابر.

أخيرا قام العلماء بقتح التابوت الخشبي ووجدوا بداخله هيكل عظمي من الواضح أنه يعود لرجل ضخم وطويل القامة يرتدي حلة مدرعة ذهبية ..

العلماء أخذوا الهيكل العظمي ثم اغلقوا القبر وغادروا على عجل متوجهين إلى موسكو ..

جمجمة تيمورلنك عند اخراجها من القبر

القصة لا تنتهي هنا .. فبعد يومين فقط على فتح القبر، في 22 يوليو / حزيران 1941 استيقظ العالم فجأة على خبر اجتياح الالمان للاتحاد السوفيتي ، كانت أكبر عملية غزو في التاريخ، شارك فيها قرابة 4 ملايين جندي في عملية مباغتة بأمر مباشر من هتلر.

الجيوش السوفيتية انهارت سريعا من هول المباغتة والصدمة، وتوغلت الجحافل الألمانية عميقا داخل الأراضي السوفيتية حتى وصلت إلى مشارف موسكو.

وهنا لنا أن نتساءل : هل حدث ذلك بسبب لعنة قبر تيمورلنك؟ .. أم كانت مجرد مصادفة أن تقوم أكبر قوة غازية في التاريخ بمهاجمة الاتحاد السوفيتي فجأة وبغتة بعد يومين فقط على فتح القبر؟..

لا نتهي غرابة القصة هنا، فطبقا للرواية المتداولة، فأن المخابرات السوفيتية أوصلت قصة لعنة قبر تيمورلنك إلى ستالين، الذي كان آنذاك يائسا ويتشبث بأي أمل لوقف الاكتساح النازي، لذلك ومن اجل رفع اللعنة ، أمر بإعادة رفات تيمورلنك إلى سمرقند على وجه السرعة وأن يتم دفنها مجددا في قبره طبقا لأحكام وطقوس الشريعة الأسلامية – وهو أمر لم يكن الشيوعيون السوفييت ليسمحوا به في الأوقات العادية - ..  

صورة العلماء السوفييت وهم ينبشون القبر والتابوت الخشبي داخل القبر

وبالفعل قامت طائرة عسكرية بنقل الرفات من موسكو إلى سمرقند وتم دفن تيمورلنك مجددا في قبره بأشراف المشايخ .. وهنا حدثت المفاجأة المذهلة، فبعد يومين فقط على إعادة دفن الرفات تمكن الروس من هزيمة الألمان في مدينة ستالينغراد (فولغوغراد حاليا) في معركة تعد الأكبر والأشرس والاكثر دومية في تاريخ الحروب البشرية، المعركة التي يعتبرها البعض بمثابة نقطة تحول في مسار الحرب العالمية الثانية لأنها شكلت بداية نهاية ألمانيا النازية وتحطم أحلام هتلر بأحتلال العالم.

فهل حدث هذا من قبيل المصادفة، أعني حدوث أكبر عملية غزو في التاريخ بعد نبش القبر بيومين، وأنتهاء اشرس معركة في التاريخ بعد اعادة دفن تيمور بيومين؟! ..

معركة ستالينغراد نقطة تحول في مسار الحرب

قصة لعنة تيمورلنك التي نقلناها لكم منتشرة بالسياق الذي ذكرناه على العديد من المواقع الأجنبية والعربية، إلا أن هناك واقعة تاريخية اخرى تتعلق بقبر تيمورلنك غفلت عنه معظم تلك المواقع، وهذه الواقعة تتعلق بشاه ايران ( نادر شاه أفشار ) الذي يعده البعض بمثابة نابليون الشرق بسبب انتصاراته وفتوحاته الكبيرة خلال القرن الثامن عشر.

نادر شاه كان من أكبر المعجبين بتيمورلنك، يعتبره قدوة من الناحية العسكرية، ولعل احترام وتبجيل الشاه الشديد لتيمورلنك يعود أيضا للتشابه الغريب في بعض نواحي حياتهما، فكلاهما ينتمي للعنصر التركي، وكلاهما ولد في عائلة فقيرة وجرب حياة العوز والفاقة في طفولته، وكلاهما بدأ حياته كقاطع طريق ومتمرد، وكلاهما بنى مجده بساعده وأسس امبراطورية شاسعة وخاض عشرات الحروب من دون أن يخسر معركة قط (نادر خسر معركة واحدة فقط بداية ظهوره) .. هذا التشابه أمتد أيضا إلى الطباع، لأن نادر شاه في أواخر عهده بدأ يميل إلى الغطرسة والقسوة المفرطة في تعامله مع خصومه، ووصل به الامر إلى التشبه بتيمور في تشييد ابراج من جماجم سكان المدن التي تقاومه، تماما كما فعل تيمورلنك مع سكان دلهي واصفهان وبغداد وغيرها ..

نادر شاه كان من اشد المعجبين بتيمورلنك

أعجاب نادر شاه الشديد بتيمورلنك حداه في في أواخر حياته إلى غزو مدينة سمرقند التي يقع فيها ضريح غور أمير، كان عاقدا العزم على نقل ضريح تيمور إلى إيران، فامر رجاله أن ينبشوا القبر، ولأجل ذلك قاموا أولا برفع رخامة خضراء ضخمة تغطي القبر، لكن أثناء عملية الرفع انكسر الحجر وانشطر إلى نصفين، وهو ما عده منجمو الشاه طالعا سيئا وعلامة شؤم، فنصحوه بأن يعيد الحجر إلى مكانه، وقد نزل عند رأيهم فأمر باغلاق القبر واعادته إلى حالته الأولى .. لكن ذلك لم يمنع – على ما يبدو – من تحقق الطالع السيء الذي حمله القبر لكل من حاول تدنيسه ونبشه .. ذلك أنه بعد وقت قصير على تلك الواقعة تم اغتيال نادر شاه افشار غدرا وبوحشية على يد مجموعة من أشد المقربين إليه، ليتسلم الحكم بعدها أبن أخيه عادل شاه الذي كانت أولى أوامره عند تسنمه العرش هو أعدام جميع أبناء وأحفاد نادر شاه – باستثناء واحد - ، ولم تلبث الأسرة الافشارية أن انهارت برمتها بعد فترة قصيرة ليستلم القاجاريون حكم ايران ..

فهل دفع نادر شاه افشار حياته ثمنا لتدنيسه قبر تيمورلنك؟! .. كما حدث مع ستالين والاتحاد السوفيتي .. أم أنها كانت مجرد مصادفة أخرى ؟ ..

ضريح غور امير في سمرقند

في الحقيقة ، برأيي الشخصي، فأن حكاية لعنة قبر تيمورلنك لا تخلو من تهويل ومبالغات، لأن السوفييت لم يقرروا فتح القبر فجأة كما تزعم الرواية، بل كان ذلك جزءا من عملية تنقيب واعادة ترميم واسعة لضريح غور أمير بدأت منذ مطلع الثلاثينات، لأن الضريح كان في حال يرثى لها بسبب الاهمال الذي طاله لعدة قرون. أما سبب نبش القبر فقد كان لغايات علمية بحتة، فالعالم الآثاري السوفيتي ميخائيل كراسيموف كان مشهورا بنبش قبور المشاهير والعظماء من أجل اعطاء لمحة واقعية عن الهيئة التي كانوا عليها عندما كانوا أحياء، خصوصا من ناحية الشكل لأن ميخائيل كان بارعا جدا في اعادة بناء الوجه اعتمادا على الجماجم التي يستخرجها من القبور، وقد قام بفتح وفحص رفات حوالي 200 شخص من المشاهير بضمنهم القيصر الروسي ايفان الرهيب.

عملية فحص رفات تيمورلنك كانت مفيدة من جهة التحقق من الأساطير الكثيرة والاخبار المتضاربة حول الرجل، إذ أثبت الفحص الطبي بأن تيمور كان أعرجا بالفعل كما يدل أسمه على ذلك – تيمورلنك تعني تيمور الاعرج بالفارسية – إضافة إلى اصابة إحدى يديه بالشلل، وكلتا الاصابتين بسبب جروح تعرض لها في شبابه أثناء المعارك التي خاضها. وبحسب النتائج التي توصل إليها ميخائيل فأن تيمور كان رجلا قويا ذو قامة طويلة – قياسا بطول قامة الناس في آسيا الوسطى - .. كان رجلا مخيفا بحسب معايير ذلك الزمان.

فحص رفات تيمور اثبتت انه كان اعرج فعلا

لكن النقطة التي لا أستوعبها، وبغض النظر عن حقيقة الرواية، هي من هو تيمورلنك لكي تحدث كل هذه الكوارث بسبب تدنيس قبره .. هل هو نبي .. قديس .. أمام صالح؟ .. ذلك أن أفعاله تخبرنا بأنه كان واحدا من اكبر جلاوزة التاريخ، أغلب ضحاياه من المسلمين على اختلاف طوائفهم سواء في تركيا او ايران او العراق او الشام او الهند الخ .. كان الرجل يصنع ابراجا من رؤوس القتلى المدنيين لينشر الرعب أينما حل وارتحل، لم يكن يرحم طفلا ولا شيخا ولا امرأة .. ولولا التطويل لأحتجنا صفحات لسرد فظاعات ومجازر تيمورلنك التي تقشعر لذكرها الأبدان.

البعض يفسر اللعنة بالسحر ، ذلك أن تيمورلنك على وحشيته كان معروفا عنه تقريبه واهتمامه بالعلماء وأهل الفن والأدب، ولعل بعض العلماء والسحرة المشهورين في ذلك الزمان وضعوا تلك اللعنة على القبر لحمايته .. أما بالنسبة للرائحة الزكية التي انبعثت من قبره عند فتحه فتفسيرها المنطقي هي أنها تعود إلى العطور والبخور التي دفنت مع الجثة، ذلك أن تيمور لم يمت في سمرقند، بل مات في بلدة فاراب بالقرب من الحدود الصينية خلال توجهه لغزو الصين، وطبعا بسبب طول المسافة بين فاراب وسمرقند فأن الجثة لابد وحتما تعرضت للتحلل خلال الرحلة الطويلة لإعادتها إلى سمرقند، ومن اجل التغطية على روائح التحلل استعملوا العطور والبخور بكثرة مع الجثة وهو الأمر الذي يفسر انبعاث الرائحة الطيبة من القبر عند فتحه أول مرة، علما أن العلماء شموا روائح زكية أيضا عندما فتحوا قبور بعض الملوك الفراعنة، بسبب كمية الطيب والمسك الكبيرة التي كانت توضع مع المومياء.

بالنسبة للعنات فلم تكن امرا نادرا ولا غريبا أن تنقش طلاسم وتعاويذ وعبارات لعن على قبور وأضرحة الملوك والأباطرة عبر التاريخ، أشهرها طبعا لعنة الفرعون توت عنخ آمون، وذلك بغض النظر عن الجدل القديم المتجدد حول حقيقة تسببها في وفيات عديدة بين طاقم التنقيب الذين فتحوا مقبرة الفرعون الشاب.

لكن في الحقيقة، الأمر الذي يفوت معظم من يقرأون عن هذه اللعنات المذهلة هو أن الصحف والمجلات التي كانت الوسيلة الوحيدة لنقل الخبر في الماضي، كانت تعمد عن قصد إلى تضخيم أحداث القضايا التي تتناولها على صفحاتها من أجل جذب المزيد من القراء وزيادة المبيعات، وعليه فأن لعنة الفرعون توت، ولعنة تيمورلنك، لم تخلو من مبالغات ربما وصلت حد الاختلاق والكذب ..

عموما تبقى مسألة تصديق اللعنة متروكة لك عزيزي القارئ، لكني لا أملك ختاما إلا أن اتساءل : إذا كانت الكعبة قد رميت بالمنجنيق وهدمت مرتين في زمن الدولة الأموية ، واحرقها القرامطة وسرقوا الحجر الاسود منها زمن العباسيين .. ولم تحدث بسبب ذلك كوارث يذهب ضحيتها الملايين .. فلماذا تحدث بسبب نبش قبر سفاح مثل تيمورلنك؟! ..

المصادر :

- HOW THE CURSE OF TIMUR'S TOMB CHANGED THE COURSE OF WORLD WAR II
- Disability history month: Was Tamerlane disabled?
- Gur-e-Amir - Wikipedia
- Mikhail Mikhaylovich Gerasimov
- Nader Shah - Wikipedia
- تيمورلنك سلطان التتار

تاريخ النشر : 2019-11-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر